التشيلي.. الطريق إلى فالْباريزو

02 ابريل 2014
الصورة
مشهد من "وادي الجنة"

شريط الأرض المحصور بين سلاسل جبال الآنْديزّ المقدسة وبين المحيط الهادئ، والبالغ ٤٣٠٠ كم من الطول، والممتَدّ من البيرو شمالاً إلى ما تحت مضيق ماجلاّن جنوباً، متجاوزاً "أرض النار" إلى آخر قطعة يابسة من القاع في القطب الجنوبي، ذلك هو التشيلي. وهو بلد ذو جاذبية لا مثيل لها. إنه الجبل الذي يصافح المحيط ماداً أذْرُعه الهضابية له، وباسطاً تحت أقدامه صحراءه الخلاّبة، وكأنه يُغْري ماء المحيط بالطلوع إلى الغيم. الماء التي بلا حدود.

قبل أن نذهب إلى الجنوب أمرُّ على النهر الذي أُنشِئتْ حوله سانتياغو. وهو نهر صغير متعدد الفروع يشبه إلى حد بعيد نهر بَـرَدى في دمشق، واسمه "مابوشو". له غوطة تشبه، هي الأخرى، غوطة الشام. أمرُّ لأرى النهر الصغير الذي يبدو أهليّاً، قليل الماء، قريباً من القلب، وينقسم إلى مَسالات هي أشبه ما تكون بالنُـهَيْرات الضحلة. ماؤه بيضاء. وحصاه أملس. وجَرَيانه هادئ ومستقيم. لكأنه ذاهب لمُـلاقاة قلب الأرض بعد أن تمتّع بالسيلان فوق جسدها النبيل.

منذ أن نترك سانتياغو نقع في الهضاب. هضاب تتوارد نحو الشريط السهليّ وكأنها رُسُل جبال الآنْديزْ المختفية خلف الغمام. للطبيعة نظامها ومحاذيرها. وهذه التي أراها الآن هي أم الفنون. فبدلاً من أن ترسل الجبل العظيم إلى الماء والناس مباشرة، تبعث إليهم الهضبة تلو الهضبة ليتعوّدوا على الأعالي، وليأْلَفوا تدريجياً هذه العينة التي لا مثيل لها في الكون، قبل أن يتجاوزوها نحو قُمَم الآنديز المكللة بالثلوج والبراكين.

ويظل السؤال يحاصرني: مَـنْ أتى بالأوروبيين إلى هذه الأنحاء القصية والعصية على الترويض وقد كانوا في قلب العالَم القديم يربُضون؟ مَـن، سوى شهوة المغامرة والاكتشاف؟ لكن هذا، كله، كان تراجيدياً. والآن؟

في الطريق إلى فالباريزو، صفائح الهضاب مثل أنصال مَسْنونة، تتوالى بلا حدود. لكأن المحيط صقَلَها عمداً على هذا الشكل قبل أن يُلْقي بها على وجه القاع . المحيط الذي يُسَمّى هادئاً.
هضاب بركانية قذفَتْ بها الماء ذات يوم، وتدحْرَجَتْ متلاحقة حتى أسفل نقطة في القطب الجنوبي. الأرض، هي الأُخرى، تَلْحق الانحدار مثل الماء. بين الهضاب نكتشف الوديان. لأن العلوَّ لا يوجد دون انخفاض. والانخفاض في الأرض، كما في الجسد، هو مصدر الثروة والخَصْب. وهنا، في هذه الانخفاضات العظمى، تجمَّع الماء الثريّ، والبشر، والشجر، وأكاد أقول والجَمال. والجمال أصلاً خُصوبة. أما قمـم الجبال الصاعدة نحو السماء فلا تحتاج إلى شيء "ثانويّ" كهذا، لأنها مكتفية بعلوّها حتى ولو كان قاحلاً. أوَليس البشر كذلك، أيضاً؟

في الوديان سَكنَ الهنود. وفي أعالي الجبال تعَبَّدوا لأن القمة العالية هي السلَّم الذي يقرِّبهم من المقدّس. والمقدّس الهندي قريب من الأرض. إنه بعض "ثمرها"، كما يقولون.

في الوديان بنوا بيوتهم، وتكاثروا، وزرعوا، وعاشوا. ومن موقعهم هذا ظلوا يحلمون بالصعود إلى قمم الجبال للتكلِّم مع الرب. للتحدُّث المنعزل مع الذات. للقاء الطمأنينة التي لم يعرفوها بين الناس. وفي كل مرة يعودون، من رحلتهم هذه، هادئين وقد تخلَّصوا من "نفاياتهم النفسية"، قبل أن يحتقنوا بها، من جديد، فيعاودون الصعود، مرة أخرى.

مأخوذاً بالودْيان والهضاب ذات الروعة اللامحدودة، ونحن نسير نحو فالباريزو، أتساءل: كيف تتحدد الأرض، وما هو دور الهضاب والوديان في جلالها؟ وخارج التناقض الشكلي البسيط بينهما، ماذا يعني هذا اللاتماثل المستمر لعناصر الكون؟ وأي فضاء مرهق للعين سيكون فضاء العالم لو كانت الأرض منبسطة فقط؟ أيكون هذا التكَسُّر، هذا الانحدار والصعود المتواليان، هذا التناقض الخلاّق الذي نحسه بوضوح في صفائح الأرض العظمى، هو، وحده، مصدر السعادة التي بها تَـمْلأ عيونُنا أنفسَنا الوالهةَ إلى الإختلاف؟ وفي الحقيقة ليس الجَمال سوى شعور الدهشة العميق إزاء مظاهر الكون (والكائن جزء منها).

فالْباريزو مدينة يَمَـنيّة. أُريد أن أقول إنها مبنية على شاكلة المعلَّقات المدائنية في اليمن. مدينة مبنية في الريح. العَيْن ترقى إليها قبل العقل. وتتردد الأقدام كثيراً قبل أن تبدأ الزحف الهادئ نحو أعشاشها المعلقة في الفراغ. في فراغ هضاب التشيلي المنثورة فوق الأرض كالشآم. أُنْظُرْ! آمر نفسي، وأنا أغمض عينيّ، في الوقت نفسه، رائياً: تعزْ، وشبام، وكوكبان، وبعض مدائن عدن السود العالقة كالأعشاش العملاقة في قمم الجبال. أعشاش بَيات الهنود الذين هجروها، ذات يوم، ولم يبقَ على الأرض سوى الحُطامات. أي إغراء أراه، الآن!

أية مدينة هي هذه؟ تكاد تشبه أي شيء؟ الجنة؟ وديان وهضاب وأبنية ملوّنة تخرج من بطن القاع لترقى إلى السماء. إلى قمم هي نفسها جنائن كونية مرمية للبشر ليستأنسوا بها من أجل اكتشاف روح الكون بلا توتر أو ضغينة. ومع ذلك أُبيد أهلها ذات يوم. واسمها الحقيقي فالْ بارا ئيزو (وادي الجنة). يا سلام.

أصعد إلى أعلى قمة في الجبل. أرى الماء في الأسفل باهتاً وبعيداً. ومن قاع الوادي تَتَراقى الأبنية الملونة إلى أن تصل إليَّ. إلى القمة التي لا فوق لها سوى السماء. أستدير. وأتطلّع. وأرى. تلال مملوءة بتلال. تلال الأبنية التي تعلو الأبنية الأخفض منها تتراصف مثل ركام أسطوري يريد أن يدفن كوناً عملاقاً ولا يحالفه الحظ. وحدها، الشمس تسطع بهدوء فوق ارتجاجات المحيط الذي لا يتململ ولا يغضب مهما راح من البشر ومهما جاء. بَشَرُه في قلبه. وهو حريص على ألاّ يسمح للمتطفلين بأن يؤذوهم كثيراً. عسى أن يستطيع تحقيق ذلك. ولكن لِـمَ لا؟ أوَلم يكن إلهاً بالنسبة للهنود الذين قَدَّسوه؟

أتساءل، وأنا أعرف الجواب (أحياناً، المعرفة الصامتة لا تكفي. لكأنها ميِّتـَة. الَحيّ بحاجة إلى صوت) أتساءل: كيف وصل الغزاة الأولون إلى هنا؟ ومتى ابتدأوا بإنشاء جذور ما أراه الآن؟ (هل يكفي السؤال؟). التاريخ ليس تَعاقُب السنين، وإنما هو تراكُمُ الآثار. ومَنْ لا أثَرَ له ليس له تاريخ. فهمت؟