التشكيك بالتنين الصيني... "كورونا" يثير المخاوف من الهشاشة المالية

14 فبراير 2020
الصورة
قلق من تعمّق الأزمات الاقتصادية في الصين (Getty)
+ الخط -
فتك "فيروس "كورونا" بـ 242 شخصاً في يوم واحد، وهو أعلى معدل يتم تسجيله في إقليم هوبي الصيني منذ ظهور الفيروس. على وقع هذا الخبر اهتزت الأسواق العالمية الخميس، وبدأت الشركات الكبرى تشكك بجدوى استثماراتها في الصين، بالتزامن مع طرح تساؤلات واسعة عن الهشاشة التي قد يكشفها الفيروس داخل المنظومة المالية الصينية العملاقة. 

لسنوات، توافد المصرفيون والمستثمرون والمحامون إلى المراكز المالية في آسيا للمشاركة في طفرة نشأت عن التطور الاقتصادي السريع للصين وفتح أسواقها المالية. الآن، بينما تكافح السلطات لاحتواء فيروس جديد مميت واستعادة ثقة الناس، فإن مسألة ما إذا كانت الصين تستطيع أن ترقى إلى مستوى آمال أولئك الذين ربطوا ثرواتهم بها، تبدو أهم من أي وقت مضى.

يقول المتشائمون، وفق تقرير نشرته وكالة "بلومبيرغ" الخميس، إن الأزمة يمكن أن تكون حافزاً للانهيار في الأسواق المالية المثقلة بالديون في الصين، وهو سيناريو متطرف تمكنت الجهات التنظيمية الصينية من تجنبه مراراً، حتى أثناء أزمات الديون التي شابت الولايات المتحدة وأوروبا في عامي 2008 و2012.

ويثير انتشار الفيروس جدلاً أكثر عمقاً حول ما إذا كان المستثمرون قد بالغوا في تقدير القوة الاقتصادية للبلاد والاستقرار السياسي للحزب الشيوعي الحاكم.

بالنسبة للمتخصصين في الاستثمار، فإن المخاوف لديهم أكثر دنيوية: ماذا يعني انتشار الفيروس بالنسبة لعملاء الشركات وعقد الصفقات والوظائف؟

يقول توماس وونغ، الرئيس السابق للبحوث والمبيعات في هونغ كونغ والصين في مجموعة كريدي سويس المصرفية، ويضيف: "لا أحد يريد السفر إلى هونغ كونغ الآن". ويقود وونغ صندوق التحوط الخاص به "أوبتيماس كابيتال" ومقره هونغ كونغ، وطلب من معظم موظفيه الـ 23 العمل من المنزل.

حتى قبل أن يبدأ كورونا في إزهاق الأرواح، بدا الاقتصاد الصيني وكأنه يقوم على أسس هشة بشكل متزايد. في جزء منه بسبب التوترات التجارية مع الولايات المتحدة. إذ نما إجمالي الناتج المحلي رسميًا بنسبة 6.1% في عام 2019، وهي السرعة التي ترحب بها معظم الدول المتقدمة، لكن ذلك يعكس أضعف توسع للصين خلال ثلاثة عقود تقريباً.

وارتفعت نسبة العجز عن السداد في سوق السندات المحلية في الصين أكثر من العام الماضي، مما أثار القلق من أن سعي الصين للنمو جاء على حساب الاستقرار المالي. وفي العام الماضي، استولت السلطات على بنك باوشانغ، وهي أول عملية استحواذ تقودها الدولة لمقرض في الصين منذ حوالي عقدين.

ويدور في الأروقة الاستثمارية سؤال واحد الآن هو عما إذا كانت الأسواق ستبقى واثقة في قدرة صانعي السياسة في الصين على إنقاذ النظام المالي. تتداخل هذه المخاوف مع انتقاد طريقة تعامل الحكومة مع أزمة الفيروس نفسها.
يقول جورج ماغنوس، الخبير الاقتصادي المتخصص بالقضايا الصينية لـ "بلومبيرغ": "إن الجدل الدائر حول الاستجابة والإدارة يطاول مباشرة نظام حوكمة جيدا بشكل عام من أعلى إلى أسفل، لكنه ضعيف وهش عندما يتعلق الأمر بالوقاية والسماح للأشخاص بتحمل المسؤولية. ويمكن تطبيق هذه المعادلة على الاقتصاد الأوسع بما في ذلك إدارة الديون، ومعرفة مدى خلل النظام بأكمله".

وأدت وفاة الطبيب الذي عاقبته السلطات المحلية بعد تحذيره من الفيروس الجديد الغامض إلى تدفق غير مسبوق من الغضب على وسائل التواصل الاجتماعي المحلية. اعتاد المواطنون الصينيون أن يسألوا عما إذا كانت الحكومة قادرة على الحفاظ على الرخاء الاقتصادي، والآن يسألون عما إذا كان بإمكانها إبقاؤهم على قيد الحياة.

يقول ديفيد ويب، وهو ناشط وصحافي، إن قصة لي وين ليانغ، الذي عاد وتوفي بسبب الفيروس، "توضح كيف يمكن لقمع حرية التعبير أن يضر بالاقتصاد". يضيف ويب، "لو كانت السلطات قد أخذت الطبيب على محمل الجد، لكانت قادرة على احتواء المرض بشكل أسرع، ولم تكن الصين ستعاني أسابيع من الإنتاج المفقود".

وبدأت الشركات الأكثر تضرراً من الأزمة الصينية مراجعة قراراتها في اعتمادها على التنين الآسيوي. فشركة هيونداي الكورية الجنوبية العملاقة للسيارات لطالما ركزت على الصين في توريد الأجزاء لمركزها الصناعي في كوريا في السنوات الأخيرة.

وربما تكون لهذه الاستراتيجية نتائج عكسية مع انتشار فيروس كورونا. فقد كان أثر الوباء شديدا على عمليات شركة كيونغشين التي تعد من الموردين الرئيسيين لهيونداي بعد أن زادت هذه الشركة طاقتها الإنتاجية بوتيرة سريعة في الصين خلال العشرين عاما الأخيرة للاستفادة من تكاليف العمالة المنخفضة بالقرب من كوريا الجنوبية. 

ولم يذهب مئات العمال إلى أعمالهم الأسبوع الماضي في اثنين من مصانع الشركة الأربعة في جيانغسو وجينغداو في أعقاب عطلة السنة الصينية الجديدة التي تقرر تمديدها بسبب انتشار الفيروس.

وقال مصدر لـ "رويترز" إن حوالي 300 فقط هم من حضروا من بين 600 عامل كان من المقرر حضورهم في جيانغسو. وتورد شركة كيونغشين تقريبا نصف ضفائر التوصيلات الكهربائية اللازمة للنظم الكهربائية المستخدمة في تصنيع سيارات هيونداي بمركزها الصناعي في كوريا الجنوبية.

وتبذل الشركة جهودا كبيرة الآن لتعويض فاقد الإنتاج. وقد زادت الشركة إنتاجها بمصانعها في الولايات المتحدة والهند وكمبوديا وكوريا الجنوبية وفق ما قالته ثلاثة مصادر مطلعة.
وأكدت هيونداي لرويترز أنها تدرس تدابير مختلفة لتقليل الاضطراب في عملياتها وضمان استقرار الإنتاج. وينتج مركز هيونداي الصناعي في كوريا الجنوبية حوالي 40% من الإنتاج العالمي للشركة التي تصدر سياراتها إلى الولايات المتحدة وأوروبا والشرق الأوسط ودول أخرى.

وفي السياق، تعتزم تايوان إنفاق 60 مليار دولار تايواني (ملياري دولار) للمساعدة في تخفيف أثر تفشي الفيروس التاجي على اقتصادها المعتمد على التصدير، عارضة تقديم قروض للمشروعات الصغيرة وحتى قسائم للحصول على الطعام من الأسواق المسائية.

وخفضت تايوان، التي تُعد الصين أكبر شريك تجاري لها، توقعاتها للنمو الاقتصادي في 2020 الأربعاء، إذ يهدد التفشي بإلحاق الضرر باقتصادها، وهو جزء مهم من سلسلة إمداد الإلكترونيات العالمية. وأعلنت تايوان رصد 18 حالة إصابة بالفيروس دون أي وفيات، لكنها علقت خطوط السفر وحركة السياحة مع الصين بشكل كبير لكبح انتشاره.

كذا، انعكس ارتفاع عدد الوفيات من جراء الفيروس على الأسواق الدولية الخميس ليعيدها إلى مسار الهبوط. إذ تراجعت الأسهم الأوروبية من مستويات قياسية مرتفعة. ونزل المؤشر ستوكس 600 الأوروبي 0.4%. وكان المؤشر وصل إلى مستويات جديدة مرتفعة في الجلستين السابقتين بفعل تفاؤل إزاء ما كان يبدو أنه تراجع في حالات العدوى الجديدة بالصين.

وهبطت أسهم القطاعات الأوروبية الأكثر انكشافا على الصين مثل قطاعي الموارد الأساسية والسيارات اللذين تراجعا 0.9% و1.1% على التوالي. فيما ترنحت الأسهم اليابانية، وتراجع المؤشر نيكي القياسي 0.14% إلى 23827.73 نقطة، في حين نزل المؤشر توبكس الأوسع نطاقا 0.34% ليسجل 1713.08 نقطة.

فيما قالت وكالة الطاقة الدولية الخميس إن الطلب على النفط سيتراجع على أساس سنوي في الربع الأول من العام وذلك للمرة الأولى منذ ذروة الأزمة المالية في 2009 متأثرا سلبا بتفشي فيروس الصين. وشرحت الوكالة التي مقرها باريس في تقرير شهري "أن عواقب الفيروس بالنسبة للطلب العالمي على النفط ستكون كبيرة".

أصبح من المتوقع أن ينكمش الطلب 435 ألف برميل يوميا في الربع الأول، في أول انخفاض ربع سنوي خلال أكثر من عِقد". وأكدت وكالة الطاقة "بالنسبة للعام 2020 بأكمله، قلصنا توقعنا لنمو الطلب العالمي 365 ألف برميل يومياً ليصل إلى 825 ألف برميل يوميا، وهو الأدنى منذ العام 2011"، متوقعة عودة النشاط الاقتصادي إلى طبيعته من الربع الثاني.