الترجمة والحرية

19 نوفمبر 2018
الصورة
ليندا سوينفيلد/ أستراليا
+ الخط -

الكتابة اختيارٌ وموقف حرّ، لا يُجبَر عليها ممارسُها، وإنما يتّخذ قرارَ إنجازها بمحض إرادته، ليتصدّى لأوضاع سياسية أو اجتماعية، أو للإشهاد على حال معيَّنة، أو لاقتراح تصوّرات لحياة بعينها، أو لمناقشة أعمال فنية، أو "للاحتجاج على تدنيس ما"، مثلما يقول غادامير، أو لأسباب أخرى كثيرة. وهي، أيضاً، تمثيل لعلاقة حُرّة مع وسط اجتماعي ممثَّلاً في ثقافته وظروفه المتنوِّعة، وتعبير عن تحدّ رمزي وفعلي للكبت في تجلّياته العديدة، وعن رغبة للحوار مع الجميع عبر إذاعة ذاتها نصّياً بين القرّاء.

ويصعب أن نتصوّر عدم انخراط الترجمة - بصفتها نشاطاً ثقافياً وإعادةَ كتابة - في قضايا الحرية وأحوالها، ذلك أنَّ مزاولتها من قِبل المترجِم فعل اختياريٌّ حرٌّ هو أيضاً، لا يُكرهه عليه أحدٌ، ولأنّ قدَر الترجمة هو أن لا تتغاضى عن الحرية، على اعتبار أنها في أصلها تقوم على تحرير نص من لغته وثقافته وسياقه الوجودي، لتضمن له استمرارية معيَّنة في الحياة، مُشْرِعة أمامه فضاءات ثقافية مختلفة، ولتُخصِّبه بقراءات لا متناهية خارج منشئه.

والحقيقة أن الترجمة قرينة الحرية، ولا يُستساغ أن تخضع للوصاية من أي جهة، مهما كانت القضايا التي تنقُلها إلى القُرّاء. وتعي المجتمعات الغربية والديموقراطية هذا الأمر، لذلك لا تحدث لديها أيُّ ضجّة بخصوص صدور كتاب أو ترجمة، على اعتبار أن هذه المجتمعات على اقتناع راسخ بأنها مُحصَّنة بالوعي والمعرفة والمسؤولية الكافية لتفادي السقوط في فخ فرض الرقابة على ما يُنشَر، بل إنها تشجّع النشر بتخصيص منح تشجيعية للأدباء والفنّانين، وبتوفير إقامات أدبية وفنية لهم، وبتخصيص تمويل مهم لجوائز تُمنح للمترجمين والكتّاب، بغض النظر عن تلك التي تمنحها المؤسّسات الخاصة مثل دور النشر أو جمعيات المهنيّين والمجتمع المدني.

وعلى النقيض من ذلك، لا تتورّع الدول المستبدّة والمتخلّفة عن القيام بدور الرقيب، بتدخّلها في شؤون النشر والكتابة التي تُمثّل الترجمةُ جنساً أدبياً من أجناسها بالحدِّ من هوامش الحرية فيها؛ فهي، مثلاً، قد تُصادِر كتاباً مُترجَماً، أو تمنعه من الصدور، وقد تُجبر آخر على حذف مقاطع منه، أو تغيير عبارات، أو تُعرقل تقديمه في مَعارض وندوات، وتكون الغاية دوماً الحيلولة دون وصوله إلى القارئ الجديد في اللغة المترجَم إليها في صورة غير تلك التي يكون عليها في أصله.

وإذا كانت الدول المتبنّية للتعليم المتفتّح والمنفتح على العالم تهتمّ بإدراج النصوص المترجَمة في كل مستوياتها التعليمية من دون تخوُّف، بل إنها تهتم بذلك انطلاقاً من القناعة بأن إدخال الجِدّة عبر الترجمة فيه رفعٌ لمنسوب الوعي والإبداع لدى ناشئتها في التعليم الابتدائي والثانوي، وباحثيها في الجامعات، وعموم مواطنيها من القرّاء؛ فإن البلاد العربية لا تكاد تكترث بهذا الرافد المعرفي الثري والكفيل بأن يفتح عيون تلاميذها وطُلّابها ومواطنيها على وعي آخر مغاير، لأن همّها يكون هو الحفاظ على حالها، وتُبرِّر ذلك بطرح قضية "الهويةّ، بصفتها ذريعة أساسية لصون الذات مما قد يمسخها، أو يُفسِدها، أو يُفقدها مميّزاتها، وهو الأمر الذي لا تُعيره المجتمعات المتقدّمة والمتفتّحة أهمية، إمّا لإيمانها بالتلاقح، وإمّا لاقتناعها بأن "الهوية" و"الأصالة" وهْمٌ كبير، على اعتبار أنها لا تستقر على حال، لأنها في سيرورة دائمة دائبة، وأنْ لا معنى للتخوُّف من إبداع الآخرين وتجاربهم، طالما أننا جميعا بشَرٌ متساوون، وأنّ إفادة بعضنا من خبرات بعضنا الآخر هو الموقف السليم.

ولعلّ أهمَّ اعترافٍ بالحرية وأبرزَ تجسيد للوعي بأهميتها هو ما يُعرَف حالياً بالترجمة الثقافية، والتي تطرّق إليها الباحث الهندي الأصل هُومي بابا، في كتابه "موقع الثقافة". لقد لفت هومي الانتباهَ إلى قيمة وجود المهاجرين في المجتمعات الغربية، وإلى ما يُدخلون إليها من جديد في الملبس والفن والطبخ وأساليب الحياة.. إلخ، وأن هذا الاتصال يكوّن "فضاءً ثالثاً" أو "الثالثية"؛ حيث يتقبّلُه الغرب ويُغني به ذاتَه، لأن حضور المهاجرين هو ترجمة ثقافية داخل الفضاء المُضيف.

هكذا تُقدّم الترجمةُ ذاتها باعتبارها تجسيداً للحرية، لذلك تخوضُ مغامرةَ تفعيل ذاتِها إراديّاً، لأنها ترى عملها طريقاً يُيسِّر المعرفة المختلفة، التي تُلقِّح بتعاطيها الثقافةَ المستقبِلة بالغريب، وتُعبِّر عن مسؤوليتها إزاء مجتمعها، وتؤكّد على حرية القارئ في أن يكتشف رؤىً جديدة وقراءات مختلفة سعياً إلى تنويع روافده الثقافية والمعرفية والوجودية للارتقاء بإنسانيته.

دلالات

المساهمون