الترامبية نقطة سوداء في التاريخ البشري

الترامبية نقطة سوداء في التاريخ البشري

10 فبراير 2017
الصورة
+ الخط -
أبى الرئيس الأميركي الجديد، دونالد ترامب، إلا أن يكون الأسرع في الكشف عن مَيَلان ميزان سيئاته الفاشية والعنصرية والتعصبية، في تاريخ رؤساء الولايات المتحدة، فترامب المنحاز انحيازا أعمى لذاته المتضخمة استعلاءً وتشبثا بنرجسية وأنانية المدير العام الأكثر خصوصية لشركاته، يريد، واهما أو حالما، أن يحكم أكبر دولة في العالم بالعقلية نفسها، التي لا تتوانى عن تدمير الهيكل وبناء بديل له، في الوقت الذي يطاح عالمه وعلى مرأى من العالم أجمع، كديكتاتور يبلغ الذروة في جنون الثروة، تلك التي جلبت وتجلب جنون العظمة لأصحابها.
لم يخف هذا "الريس" الشعبوي أهدافه الشوهاء عن السلطة والسياسة، منذ جرى ترشيحه للمنصب، لكن الأغرب أن يصعد ترامب إلى القمة، مع أن أميركيين كثيرين كانوا قد أطلقوا حملة كبيرة ضده تحت شعار "ليس رئيسي"، كما جرى التشكيك في أرقام الانتخابات التي جاءت به رئيساً.
وهكذا، لم يكد يبدأ مزاولة صلاحيات موقع الرئيس، حتى ألّب جمهوراً واسعاً ضده، من داخل الولايات المتحدة ومن خارجها، وحتى في أروقة السلطات المحلية والفيدرالية السياسية والدبلوماسية والشعبية، وإحداث مزيد من الاضطراب وعدم الاستقرار والقلق من المستقبل الغامض الذي قد يعيشه العالم على وقع سياسات "التجربة والخطأ" الترامبية، فوفق صحيفة "ديلي تلغراف" البريطانية، فإن ترامب يحطم الرقم القياسي كأسرع رئيس يواجه رفضا شعبيا. وذلك حين أوضحت أنه "بعد ثمانية أيام فقط من تسلمه مفاتيح المكتب البيضاوي، ارتفعت نسبة معارضيه، والراغبين في رحيله عن المنصب إلى 51% من المواطنين، بحسب استطلاع رأي أجراه مركز غالوب لاستطلاعات الرأي في 28 يناير/كانون الثاني 2017". ولفتت إلى أنه "بالنسبة للرؤساء الخمسة السابقين، استغرق بيل كلينتون 573 يوما، ليصل إلى هذه النقطة في فقدان شعبيته، بينما استغرق رونالد ريغان 727 يوما، أما باراك أوباما فاستغرق 936 يوما، بينما قضى جورج بوش الابن 1205 يوما، أما بوش الأب فاستغرق 1336 يوما".
هل يمكن أن يكون هذا من المؤشرات، أو المسببات، التي قد تفضي إلى نتائج، مؤداها إمكانية 
أن يطاح ترامب باكراً وباكراً جداً، في ضوء سياساته الانتقائية والرغبوية والذاتية، وارتفاع نسب الرفض الشعبي لتلك السياسات، العاملة على الضد من المصالح القومية للولايات المتحدة، والتي طاولت وتطاول الداخل والخارج، في سوء الإدارة والتعاطي مع المسائل بخفةٍ لا تليق برئيس لأكبر دولة في العالم.
يبدو أن الإمبراطورية الترامبية، وقد انتقلت إلى البيت الأبيض، تحاول أن تحل نفسها محل الإمبراطورية الأميركية في عز ازدهارها على أيدي "المحافظين الجدد"، وتغوّلهم السياسي والعسكري، يوم توّجوا هذا التغول باحتلال العراق، وقبلها باحتلال أفغانستان؛ وها هو ترامب وعبر تغوّله الاقتصادي وقراراته النابعة من عنجهية وصلف واستعلاء النمط الفاشي من الحكام، سيمضي إلى تكسير كل ما سوف يصادفه في طريقه من زجاج النظريات والتطبيقات، ويتجاوز مسلكيات متطرفة وفاشية شهدنا وعرفنا أمثالها خلال القرن الماضي، بصعود القوى الفاشية والنازية إلى السلطة، عبر صناديق الاقتراع واستخدام الديمقراطية، للوصول إلى أهداف غير ديمقراطية، جلبت الويلات والمآسي للعالم أجمع.
وها هي إمبراطورية ترامب، وهي تتهاوى من الداخل، سوف يؤرخ لها التاريخ أنها الأكثر هشاشة التي قد تنهار، بأسرع ما يمكن، على خلفية ترذيلها السياسة منذ أيامها الأولى، جرّاء سياسات ارتجالية وانتقائية، على الرغم من امتلاكها تلالا من المال والعقارات والشركات والاستثمارات العابرة حدود الولايات المتحدة، وإن بقيت الصين القلعة الصامدة العصية على اجتياح المال الترامبي، على الرغم من قروضها الكبرى التي سبق وأنقذت الاقتصاد الأميركي من الانهيار، في أزمة تجلّت في هيمنة اقتصاد المضاربة على الاقتصاد الحقيقي في العام 2008، وما تلاها من انفجار فقاعاتٍ عديدة، ما زالت آثارها بادية وبقوة، ولن يكون آخرها الفقاعة الترامبية الشعبوية دليلاً على امتطاء العنصرية سياسة فاشية، لا تختلف سماتها العامة والخاصة عن الصهيونية والنازية.
لا يقتصر الأمر على الولايات المتحدة في هذا الصعود المدوي للشعبوية، وجها آخر من وجوه الاستبداد والديكتاتورية بأنماطها اليمينية الفاشية، تلك التي سوف نرى أمثالها في بعض البلدان الأوروبية، وفي بعض بلداننا، كما دللت على ذلك روسيا في إطار تدخلاتها العسكرية في
 سورية والمنطقة، أنها تتبع النهج نفسه في الدفاع عن أنظمة شمولية، لا تقيم وزنا لشعوبها، أو للقيم الأخلاقية التي ينبغي الدفاع والمنافحة عنها في مواجهة أنظمة استبدادية بوليسية؛ دستورها الأمن، ثم الأمن، وقانونها القمع ثم القمع، ومطالبة شعوبها بالحرية والعدالة والكرامة.
الترامبية اليوم هي نتاج الفاشية المتجدّدة، والداعشية المتلوّنة، والعسكرتاريا المهيمنة على الاقتصاد، والأنظمة التي تتجاوز بسلطويتها كل أشكال الاستبداد، في محاولةٍ منها لاصطفاء من تريد من فئات شعبها، وفق ما تشتهي وترغب، عبر التهجير القسري والتخيير الطوعي لتغيير الهندسة الديموغرافية، وبما يلائم أهداف الانسجام الطائفي أو المذهبي أو الإثني، على ما تفعل اليوم تلك الأنظمة التي باتت تقوم بأدوار وكيلة لنظام "الولي الفقيه" و"حرسه الثوري"، في كل من سورية والعراق واليمن، وذلك شاهد على غياب منطق الدولة الوطنية الحديثة عن أروقة سلطات أنظمةٍ عديدة، صارت تتشابه والأنظمة الفاشية، لجهة هندسة بلدانها وفق أنماط من هيمنة العسكر على السياسة وعلى الاقتصاد وعلى اجتماع الناس، وقد باتت مصر واحدةً من دولٍ هذا هو حالها؛ حال الحكم فيها لسلطة العسكر التي تريد نقل تجربتها إلى بلدان أخرى، كليبيا على الأقل حتى الآن.
هل سقطت رأسمالية الرجل الأبيض مع سقوط ليبرالية الدولة/ الأمة في الغرب؟ وهل يأتي اليمين الشعبوي المتطرّف، الأميركي بطبعته الترامبية، والأوروبي بطبعته العنصرية الفاشية المعادية للمهاجرين من أبناء الجنوب، لينهي أحلام الرأسمالية الشقية في إنهاء عصر الحقوق المدنية، وحقوق تقرير المصير، وحقوق الإنسان، لتهيمن من جديد قيم الإمبراطورية القطيعية الإخضاعية، وهي تقود العالم للعودة إلى الحظيرة.
ذلك هو الانقلاب الدراماتيكي، انقلاب صناديق الاقتراع على الديمقراطية، الانقلاب الآتي بالفاشية، كما عملت صناديق الاقتراع الألمانية على إطلاق الوحش النازي من قمقمه، وقيام الحروب الوحشية من رقدتها. وما سياسة الجدران وتهجير وطرد المهاجرين من الولايات المتحدة سوى المعادل الموضوعي لتلك الحرب الهتلرية التي حصدت ملايين الضحايا، ودمار المدن والعمران والحواضر، وتشريد الشعوب وتشتيتها وإفقارها، وكأن لسان حال الترامبية اليوم يقول: "ما لكم عندنا شيء، هذه بلاد البيض، ارحلوا عنا واتركوا هذه البلاد لنا بثرواتها وثقافتها، ودعونا نحصي أرباحنا المادية، فنحن سادة هذه البلاد".
هكذا يمضي العالم اليوم إلى نفض القيم التي علقت بأهدابه يوما، فيعود التوحش وتعود الفاشية والعنصرية، والعسكرة المجتمعية، لتكون واحدةً من ذرى الهيمنة، الخارجة على كل الروادع القيمية والأخلاقية، في وقت تنفلت فيه تلك الغرائز العنصرية، وتنتشر أيديولوجيات داعشية مماثلة ومتماثلة في كل مناطق العالم، ليصل التعادي إلى ذرى لم يبلغها العقل من قبل، ذرى استباحة الإنسان وقيمه وأخلاقياته، وذلك كله من أجل ثالوث السلطة العبودية، وثروات المال المنهوب، ووحشية الهيمنة الإخضاعية.
في مواجهة صعود الفاشية من جديد، والخطر الأكبر على الإنسان، وقيمه وحرياته ونشدانه العدالة والمساواة، والتحرّر من كل احتلال وهيمنة إخضاعية واستبداد، وعنصرية واستعباد، ينبغي التأكيد على رفض كل هذا الانحطاط، ومقاومة قيم التوحش والتغوّل، وتحكم منطق المال والمضاربة والربح، في حياة الإنسان والمجتمعات والدول. والمقاومة القيمية والأخلاقية هي المقدمة الأولى للحفاظ على قيم العدل والمساواة وسلسلة الحقوق المدنية والقانونية التي لا تموت بالتقادم، بل هي الحقوق الطبيعية المقدّسة، التي تؤشر بوصلتها على الدوام، إلى مقاومة الإنسان لكامل منظومة القيم الشاحبة؛ وهي تبدأ من الظلم الفردي إلى المظالم الجماعية التي يقوم بها الاحتلال، كما أنظمة استبداد طغيانية وزعامات فردية يصيبها جنون الثروة بأكثر من متلازمة جنون العظمة، كما يقودها الأخير إلى أكثر من العته والحماقات، وهي تقود أصحابها إلى التبجيل حد التأليه.