التدخّل المصري في ليبيا وسؤال الشرعية

29 يونيو 2020
الصورة
أثنى الرئيس (المشير) المصري، عبد الفتاح السيسي، في أثناء زيارته قاعدة سيدي برّاني العسكرية، على الحدود الغربية لبلاده مع ليبيا، على الجاهزية القتالية للقوّات المصرية، ووقف مطوّلاً عند تطوّرات الأوضاع في ليبيا، قائلاً: "أي تدخل مباشر من الدولة المصرية في ليبيا باتت تتوفر له الشرعية الدولية، سواء في إطار ميثاق الأمم المتحدة (حق الدفاع عن النفس)، أو بناء على السلطة الشرعية الوحيدة المنتخبة من الشعب الليبي (مجلس النواب)". وبرّر إمكانية التوجّه إلى اجتياح ليبيا بالرغبة في تأمين الحدود الغربية لمصر، ومساعدة الليبيين على استعادة الاستقرار، وحقن دمائهم، وبغاية وقف إطلاق النار، واستئناف مفاوضات التسوية السياسية، مع تأكيده أنّ "سرْت ـ الجفرة" خط أحمر، ليس لقوّات حكومة الوفاق أن تبلغه أو تتجاوزه نحو المنطقة الشرقية. ويروم السيسي تحقيق تلك الأهداف باستخدام القوّة العسكرية، واستقطاب عناصر من المكوّن القبلي الليبي، لإسناد حملة مصر المحتملة على ليبيا. قائلا "إذا قلنا للقوات تتقدّم، فهذه القوات ستتقدّم، وشيوخ القبائل الليبية على رأسها، وعندما تنتهي المسألة تخرج القوات بسلام".
بمجرّد انتهاء خطاب الرّجل، انخرط فاعلون سياسيون ومحللون مناصرون للجنرال خليفة حفتر في موجة التشريع للتدخل العسكري المصري المباشر في ليبيا، وقال رئيس البرلمان في طُبرق عقيلة صالح: "في حال اختراق سرت سنطلب تدخل القوات المسلحة المصرية، وسيكون التدخل المصري شرعيًا لحماية حقوقها، وبناء على تفويض من الشعب الليبي". وفي المقابل صرّح مندوب ليبيا بمجلس الأمن الطاهر السني: "ليبيا ليست إقليماً تابعا لمصر حتّى تتدخّل فيه، ليبيا دولة، وعندما تعادي مصر منطقة فيها تخسر البلاد كلها، ولا تحكمنا مجموعات قبلية كما يتم تسويقه". وجاء في بيان للمجلس الرئاسي "التدخل في شؤوننا الداخلية والتعدّي على سيادتنا من السيسي عمل عدائي سافر وبمثابة إعلان حرب". ومدار السؤال هنا: هل تجيز المواثيق الدولية لدولةٍ ما التلويح باستخدام القوّة ضدّ دولة عضو في الأمم المتحدة؟ إلى أيّ 
مدى، من منظور القانون الدولي، يمكن اعتبار اجتياح مصري لأراض ليبية أمرا مشروعا؟ وهل سيؤدّي ذلك، في حال حدوثه، إلى تأمين مصر وليبيا، ودفع حركة السلام وتحقيق الاستقرار في المنطقة، أم الأمر خلاف ذلك؟
بمراجعة ميثاق الأمم المتحدة، يتبيّن الدارس أنّ من مقاصدها "حفظ السلم والأمن الدولي، وإنماء العلاقات الودية بين الأمم، وتحقيق التعاون الدولي" (المادّة 1). وتقوم الهيئة الدولية على مبدأ "المساواة في السيادة بين جميع أعضائها، وعلى فضّ جميع أعضاء الهيئة منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية، ويمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة" (المادّة 1). ويعدّ عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول وحظر استخدام القوّة ضدّها من المبادئ الأساسية التي أكّد عليها المنتظم الأممي والهيئات التابعة له. وفي هذا السياق، صدرت قرارات عدّة عن الجمعية العامّة للأمم المتحدة، منها "إعلان عدم جواز التدخّل بجميع أنواعه في الشؤون الداخلية للدول" (قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 36/103،9 ديسمبر/ كانون الأول 1981)، ونصّ على أنّه "لا يحق لأية دولة أو مجموعة من الدول أن تتدخل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لأي سببٍ كان، في الشؤون الداخلية والخارجية للدول الأخرى". وعلى "واجب الدول في الامتناع في علاقاتها الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استعمالها بأي شكل من الأشكال، أو عن انتهاك الحدود القائمة المعترف بها دولياً لدولة أخرى أو زعزعة النظام السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي لدول أخرى، أو الإطاحة بالنظام السياسي لدولة أخرى أو حكومتها أو تغييرهما، أو إحداث توتر بين الدول بصورة ثنائية أو جماعية".
وورد في المادّة الخامسة من ميثاق جامعة الدول العربية تأكيد استقلالية الدول الأعضاء واحترام سيادتها، وأنّه "لا يجوز الالتجاء إلى القوة لفض المنازعات بين دولتين أو أكثر من دول الجامعة". ومن ثمّة، فإنّ توجّه القيادة المصرية نحو التدخّل بشكل مباشر في الشأن الليبي، والتلويح باستخدام القوّة العسكرية يتعارض مبدئيا مع القانون الدولي وميثاق جامعة الدول العربية، باعتبار ذلك ينتهك سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، ويرجّح استخدام الخيار العسكري في التعامل مع تطوّرات الأوضاع في دولة مجاورة، والحال أنّ ميثاق الأمم المتحدة يشجّع على استكثار الجهود السلمية لحلّ المنازعات بين الدول (المادّة1 والمادّة 52).
وتعلُّل الجانب المصري بحجّة الدفاع عن النفس لتبرير اجتياح عسكري مصري محتمل لأراضي ليبية، لا يسلم لأصحابه، من جهة أنّ الدفاع عن النفس باستعمال القوّة استثناء نادر ومقيّد في ميثاق الأمم المتحدة (المادّة 51)، ولا يتمّ إلاّ بعد استنفاذ كلّ الحلول السلمية وإعلام مجلس الأمن، ويكون تحت رقابته، وهو مضبوط بشروط ودواعيه لا تتوفّر في قضيّة الحال، إذ يقتضي أن تتعرّض الدولة المعتدى عليها لعدوان مسلح، برّا أو بحرا أو جوّا، وهو ما لم يحصل في علاقة ليبيا بمصر، وتتم ممارسة الدفاع عن النفس بشكل مؤقت، إلى حين اتخاذ مجلس الأمن التدابير الفعالة ضد الدولة المعتدية. والدولة التي تمارسه تلتزم بإبلاغ مجلس 
الأمن بشكل فوري ومفصّل عن التدابير التي تتخذها لصد الهجوم المسلح. ويعارض معظم فقهاء القانون الدولي استخدام القوّة، من خلال شن عمليات استباقية، أو حرب وقائية، لأنّ ذلك قد يكون مطيّة لارتكاب دولةٍ ما أعمالا انتقامية ضدّ دولة أخرى، تحت يافطة الدفاع الشرعي عن النفس. ومن المهمّ التنويه، في هذا الخصوص، إلى أنّ ميثاق الأمم المتحدة(المادّة2/ فقرة 4)، يحضر الاستخدام الأحادي للقوة. والأمر بحسب الميثاق موكول إلى مجلس الأمن الذي "يقرّر ما إذا كان قد وقع تهديد للسلم أو إخلال به، أو كان ما وقع عملاً من أعمال العدوان، ويقدّم في ذلك توصياته أو يقرّر ما يجب اتخاذه من التدابير" (الفصل السابع/ المادّة 39). ومن ثمّة يحتاج تدخل أحادي عسكري مصري محتمل في ليبيا إلى غطاء شرعي دولي، يفترض أن يوفّره مجلس الأمن، وهو مطلبٌ يبدو تحقيقه أقرب إلى المحال منه إلى الإمكان حاليا. ذلك أنّ بعثة الأمم المتّحدة وجُلّ أعضاء مجلس الأمن عبّروا مرارا عن رفضهم التدخّل العسكري المباشر لتسوية الأوضاع في ليبيا، وأبدوا ميلا إلى ضرورة بلورة حل سياسي، سلمي للأزمة الليبية.
واستناد الجانب المصري إلى مجلس النواب الليبي، بحثا عن شرعيةٍ لتوغّل مصري محتمل في ليبيا، يبقى هشّا، ذلك أنّ المجلس المذكور منقسم، وهو في حكم العاطل أو المعطّل، ومدّته منتهية، وأغلب أعضائه التحقوا بطرابلس، وبقي قليلٌ في طبرق، وغادر آخرون البلاد، ورئيسه لا يملك القدرة على تجميع الناس، لانحيازه إلى طرف في الأزمة على حساب آخر.
واستحضار الرئيس السيسي المكوّن القبلي لتعزيز فرص نجاح عملية عسكرية مصرية في ليبيا في قوله: "احضروا لنا من شباب القبائل الليبية وتحت إشرافكم ندربهم ونجهزهم ونسلحهم 
تحت إشرافكم"، يبدو غير ناجع، لأنّ جلّ القبائل المشايعة لحفتر تمّ استنزافها ووقع معظم أبنائها في الأسر أو ذهبوا ضحيّة الهجوم الفاشل على طرابلس، ومن الصعب أن يُجازفوا بدخول مغامرة أخرى. ومن المفيد التذكير هنا بإعلان عدم جواز التدخل الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة (قرار رقم 36/103)، وفيه "واجب الدولة الامتناع عن القيام، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بتعزيز أو تشجيع أو دعم أنشطة التمرّد أو الانفصال داخل دول أخرى، بأي حجةٍ كانت، أو اتخاذ أي تدابير تستهدف تمزيق وحدة دول أخرى أو تقويض أو تخريب نظامها السياسي (...)، ومن واجب الدولة منع تدريب المرتزقة وتمويلهم وتجنيدهم في إقليمها، أو إرسالهم إلى إقليم دولة أخرى، وعدم تقديم ما يلزم من تسهيلات، بما في ذلك التمويل، لتجهيزهم وعبورهم". أمّا بحث بعضهم عن تفويض شعبي ليبي للمطالبة بدخول الجيش المصري فبعيد المنال، بالنظر إلى أن معظم الليبيين يسكنون المنطقة الغربية، ويؤيّدون بسط حكومة الوفاق نفوذها على كلّ أراضي بلدهم، وقد جرّب خليفة حفتر سيناريو التفويض فلم يزده إلاّ عزلة في الداخل والخارج.
واقعيا، يمكن تفهّم قلق مصر من إمكان توتّر الأوضاع على حدودها مع ليبيا (1200كم)، ومن تزايد النفوذ التركي الذي تمّ وفق المعايير الدولية، وفي ظلّ غيبة العرب أو انشغال بعضهم بدعم متمرّد مغامر. لكنّ ذلك لا يجيز لها من منظور القانون الدولي اعتماد آلية التدخل العسكري، لأنّه سيزيد من تعقيد الأمور، ومن حجم الخسائر، وسفك الدماء لدى الطرفين، وسيضاعف معاناة المدنيين، ويعود بالمضرّة على شعوب المنطقة. وأحرى بمصر، بعد هزيمة حفتر، مدّ جسور التواصل مع الحكومة المركزية المعترف بها دوليا، للمحافظة على مصالح مصر في ليبيا، وتأمين الحدود المشتركة، وتحقيق الصالح العام للشعبين.