التخلّي عن "عملية السلام"

29 يوليو 2019
الصورة
+ الخط -
ليس الحديث، هذه المرّة، عن التخلّي عن فلسطين، أو الفلسطينيين، ولكنّه عن التخلّي الفعلي عن "عمليَّة السلام" التي هي عملية دولية، قبل أن تكون عربية، أو فلسطينية. لعل ذلك يجد تعبيرا له في ردّي الفعل الاحتلالي والأميركي، على قرار الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، وقْف الاتفاقات مع إسرائيل، فقد جاءت ردّاتُ الفعل غيرَ متناسبة مع مستوى الموقف الفلسطيني المنذِر، في ما يفترَض، بانعطافةٍ أبعَد عن المسار السلمي الذي لم يثمر للفلسطينيين والعرب شيئا، بل منَح إسرائيل فرصًا أكبر؛ إذ تأخّر ردُّ الفعل الإسرائيلي، قبل أن يأتي على شكل المطالبة بمزيدٍ من الإجراءات "العقابية"، كما جاء على لسان وزير الاقتصاد والصناعة الإسرائيلي، إيلي كوهين (عضو في "الكابينت"، المجلس الوزاري المصغَّر للشؤون الأمنية والسياسية) أن الشعب الفلسطيني هو الذي سيدفع الثمن، كما طالبت جماعاتٌ يمينيةٌ متطرِّفة بالقضاء على السلطة الفلسطينية، والمسارعة إلى هدم الخان الأحمر، قبل الانتخابات الإسرائيلية، المقرّرة في شهر سبتمبر/ أيلول المقبل.
أما الموقف الأميركي فقد جاء على لسان متحدِّث باسم وزارة الخارجية، إذ قال: "إن واشنطن ستواصل العمل من أجل سلام شامل ودائم بين إسرائيل والفلسطينيين، يقدِّم مستقبلا أفضل للجميع". وأعرب عن أمله بأن تنخرط السلطة الفلسطينية بشكل بناء في العملية السياسية، بدلا من الاستمرار في إصدار إشاراتٍ غير بنَّاءة. هذا الخطاب المفرّغ من مضامينه، اللهم إلا إذا 
كان "السلام" بالمفهوم الأميركي يعني الرضوخ التامّ للتصوُّرات الإسرائيلية البالغة، هذه الأيام، أوْجَ مطامعها.
ومع أن فلسطينيين قبِلوا بالانخراط في هذه "العملية" التي كانت، فعليًّا، إدارةً للصراع أكثر ممَّا هي عملية جادَّة لإنهاء الصراع، وَفْق "قرارات الشرعية الدولية" ومِن أبرز مبادئها: "الأرض مقابل السلام"، إلا أنهم ظلوا يعانون من تسويف حكومات إسرائيل المتعاقبة، وانتقائيَّتِها، وكثيرا ما طالبت منظَّمةُ التحرير، والسلطةُ الفلسطينية المفاوِضة، (ولا سيَّما مِن الولايات المتحدة، الراعي الأهمّ للمفاوضات مع إسرائيل) بإعلان الجهة المتسبِّبة بتعطيل العملية التفاوضية، وفعلا، اقتربت إدارةُ الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، من ذلك، ولا سيما على لسان وزير الخارجية، جون كيري، باتِّهام حكومة بنيامين نتنياهو بالتسبُّب في ذلك، حينما قال في منتدى سابان، في واشنطن، أواخر 2015: "إسرائيل لن تتحوَّل لدولة ثنائية القومية، وحتى يتمَّ السلام، على الطرف الآخر أن يقرِّر أنه يريد السلام". وحين قال في مقابلة مع المجلة الأميركية نيو يوركر: "لا يمكن لإسرائيل ببساطة مواصلة البناء في الضفة الغربية، وهدم منازل أناسٍ ترغب في تسوية سلميَّة معهم".
ومع ذلك، وبعد اشتداد الاستهتار الإسرائيلي اليميني المتطرّف، دينيا وقوميا، بالحقوق الفلسطينية، بل بالاتفاقات الموقّعة، برعاية دولية وأميركية، لم يصل الرئيسُ الفلسطيني، عباس، بعد قراراته أخيرا، "بوقف العمل بالاتفاقات الموقّعة مع الجانب الإسرائيلي"، والتي أعلنها إثْر اجتماعه بالقيادة الفلسطينية، لم يصل إلى الانفضاض التامّ عن تلك العملية السلمية، بل أعلن، وهو في سياق قرارات التحلُّل من الاتفاقات مع إسرائيل، عن استمرار تمسُّك الطرف الفلسطيني بالسلام، إذ أكّد "أنّ أيدينا كانت، وما زالت ممدودة للسلام العادل والشامل والدائم"، كما أعلن نائب رئيس حركة فتح، محمود العالول، أن وقف العمل بالاتفاقات مستمرّ؛ حتى توقف إسرائيل جرائمها، في المجال الأمني، وسائر المجالات، فعلى الرغم من التخلّي الفعلي الأميركي والإسرائيلي، فإنّ أبو مازن لم يتخلّ، بعد، عن "العملية السياسية".
وكان عباس حريصا على إيضاح الظروف والأسباب التي جعلته في حُكْم المضطر إلى الموقف الأخير، وهي ظروفٌ بالغة الإحراج له، ولقيادة منظمة التحرير، أمام الشعب الفلسطيني، لا يمكن أن تقابل بالطريقة السابقة نفسها، من الالتزام الفلسطيني التام، قولا وفعلا، فيما دولة
الاحتلال تتجاهل تماما، ومن دون إبداء أيّ حرص، حتى على لغة ديبلوماسية، سلطة السلطة الفلسطينية، على الرغم من أنها سلطة متواضعة ومنقوصة، حين أقدمت إسرائيل على هدم بيوت الفلسطينيين، في مناطق مصنّفة "أ" و"ب"، وسكّانها الفلسطينيون حصلوا على تصاريح البناء من السلطة الفلسطينية؛ ما جعل رئيس الوزراء الفلسطيني، محمد اشتية، يصرّح، أمام ممثّلي الاتحاد الأوروبي بأن" تقسيمات المناطق إلى (أ، ب، ج) التي تمَّ الاتفاق عليها مع إسرائيل لم تعد موجودة؛ لأن إسرائيل لم تعد تحترمها". هذا التطوُّر الذي لم ترَه الولاياتُ المتحدة كافيا لإدانة إسرائيل؛ فعرقلت البيان الذي وزّعته الكويت وإندونيسيا وجنوب أفريقيا. فكانت هذه القشَّة التي قصمت ظهر البعير، بعد مجمل الانسداد السياسي، وبعد خنْق السلطة الفلسطينية، ماليا، ودفْعها إلى الزاوية، باقتطاع قسمٍ من "أموال المقاصَّة" التي تجنيها إسرائيل، وفق اتفاق باريس. ولم تكن المسألة ماليةً فقط، بل كانت ضربة رمزية حساسة، ومحاولة لتجريد السلطة الفلسطينية، ومِن ورائها منظمة التحرير، مما تبقَّى لها من التزاماتٍ وطنيةٍ تجاه الشهداء والأسرى، وأُسَرهم.
حصل هذا التخلِّي عن العملية السياسية، بعد أن قطعت إسرائيل، وبدعم أميركي مطلق، مرحلة مهمِّة، في طيّ مسائل الحلِّ النهائي، من تهويد القدس، وتمديد الاستيطان؛ وصولا إلى ضمّ الضفة الغربية والأغوار، واستهداف اللاجئين بخفض المساعدات، والتضييق عليهم في أكثر أماكن اللجوء، حصل ذلك بعد أن وفَّرت الآمال بالحلِّ السلمي بيئةً مناسبة لإسرائيل، دولة الاحتلال، في التحرُّك، بسرعة، وأريحية أكبر، في فلسطين المحتلة، وفي المنطقة العربية.
ويبقى السؤال، عربيا: ألا يستدعي هذا المآلُ الصريح الذي آلتْ إليه القضيةُ الفلسطينية، والمآل الذي آلَ إليه "السلام" الخيار الأوحد، عربيا، بإمضاء لرئيس الفلسطيني، الأكثر حرصًا على الخيارات السِّلمية، وعلى استدامة التنسيق مع الدول العربية الشقيقة، والحريص على التوافق معها في تجنُّب أيّ "نهجٍ نضاليٍّ لا تحتمله، تلك الدول"، ألا يستدعي ذلك منها موقفا جديدا؟