التحرر من وهم الدولة

التحرر من وهم الدولة

26 سبتمبر 2015
الصورة
غزة بعد العدوان (تصوير: ماجا هيتيج)
+ الخط -

سبق نشوء فكرة "دولة فلسطينية" على أية قطعة أرض ولو كانت مرقد عنزة، مسارٌ طويل إلى حدٍّ ما تم خلاله تدمير فكرة التحرر والتحرير. وحين يجري الحديث عنها على أنها استبدال الدولة بحركة المقاومة والتحرير، أو اعتبارها استكمالا لمسار المقاومة والتحرير والتضحيات الجسيمة. ولا يعدو هذا الحديث عن كونه غفلة واستغفالاً، غفلة بعض المتحدثين واستغفال الفلسطينيين، من تشرّد منهم وفقد بيته وأرضه، ومن ينتظر أن يفقد مثلما فقدوا.

المسار إلى فكرة "الدولة" الجادة لا يمر بما مرت به الحركة الفلسطينية بعامة من تدمير للعلاقة بالبيئة العربية المحيطة بفلسطين، أي قطع خطوط الإمداد المادي والمعنوي التي تصلنا بها، وتحويل هذه البيئة الحيوية إلى بيئة معادية، ولا يمرّ بمنع، بل ومحاربة، مأسسة المجتمع الفلسطيني، أي تنظيم قواه في مؤسسات اقتصادية واجتماعية وثقافية وعسكرية وقانونية، ولا بقطع دوائر الوجود الشعبي الفلسطيني الثلاث عن بعضها البعض؛ فلسطين المستعمرة منذ العام 1948، وفلسطين الشرق وقطاع غزة، وفلسطين المخيمات، ولا يمرّ بتكديس ملايين الدولارات في حسابات "القادة".

ما حدث هو أن مسار التحرير تعرض للقطع والتقطيع والتشويه في عدة محطات، فلم تُنظم قوى الشعب الفلسطيني الفاعلة في مؤسسات، لا في أماكن اللجوء ولا في الداخل، ولم تترسخ لغة واضحة وصلبة على صعيد الثقافة السياسية والاجتماعية، ولم تمنح الجموع الفلسطينية ولو مرة واحدة فرصة التعبير عن نفسها سياسياً واجتماعياً.

ولا يجب أن تخدعنا أسماء مثل "المجلس الوطني" و "الصندوق القومي" و"فصائل المقاومة"، و"اتحاد الكتّاب والصحافيين".. وما إلى ذلك، فهذه ليست بذور دولة، لأنها لم تكن سوى هياكل خلت من أي فاعلية وتأثير بعد سنوات قليلة من الفوضى التي رافقت بروز حركة مقاومة بلا علمٍ ولا علماء.

ومن هنا ولدت فكرة "الدولة" في خواء كامل؛ جاءت إعلانَ اسم بلا مسمى، الغاية منه كما اتضح لاحقاً، ليس محو مفهوم "تحرير فلسطين" فقط، بل وقطع الطريق على أي مسار بديل يصحح المسارات ويعيد ترميم الذاكرة الفلسطينية التي أصابها العطب، ويعيد التسمية إلى الخريطة التي زرعها المستعمرون الصهاينة بالمستعمرات، وكأن "قادة" المسيرة الفلسطينية استكملوا مهمة الصهاينة، فغرسوا هذه المستعمرات في عقول الفلسطينيين، بوساطة إعلامهم الدبق ونذالة صحافتهم.

كان القول الذي شاع: ما أكبر الفكرة وما أصغر الدولة، تضليلاً. فهل يمكن قيام دولة، صغرت أو كبرت، من دون مقومات؟ أو بتبسيط أكثر؛ هل يمكن أن تسير عربة وحصانها محمولٌ على ظهرها؟ وأي نوع من الأحصنة!

"دولة" مثل هذه بحاجة إلى أكثر من قاص مثل عبّاد يحيى يسرد على الفلسطينيين أخبارها وأوهامها، وإلى أكثر من فنان مثل ناجي العلي يكشف عن صفقات ومباذل سماسرتها، وإلى أكثر من باحث ينبه إلى المسار الذي جاء بها، وإلى أكثر من مقاوم يخلص الشعب الفلسطيني من أكثر من رقيع من العاملين في دكانها تحت اللافتة المعلقة على واجهتها، والتي يراها العابرون ويكتفون بهز رؤوسهم آسفين فقط.


(كاتب وناقد فلسطيني)


اقرأ أيضاً: "الفلسطيني" الذي جرى تمثيله

المساهمون