التحدّي الفلسطيني وعقلية الصفقات البديلة

التحدّي الفلسطيني وعقلية الصفقات البديلة

29 مارس 2017
الصورة
+ الخط -
ثمّة أوهام كبرى، لا يتوانى أصحابها عن رؤية العمى نوراً ساطعاً، ما جعلهم يراهنون على تغيير في الموقف الأميركي، يعادل الانتقال من النقيض إلى النقيض، وهذا ما أمكن ملاحظته واستقراؤه في التعاطي مع مكالمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مع الرئيس محمود عباس، وكأنه فاتحة هذا التغيير، ومبتدأه الذي سوف يفضي إلى تحقيق أحلام بعضهم وطموحاتهم في مفاوضات حل سياسي يمهد لتتفيذ "حل الدولتين"، ناسين أو متناسين أن معطيات الوضع الفلسطيني لا ولن تتيح التوصل إلى مثل هذه النتيجة المشتهاة، الأمر الذي يتطلب تعاطيا مختلفا على الصعيد الوطني العام من كل الأطراف، للعودة إلى المواقف الصلبة التي كانتها الجبهة الوطنية الفلسطينية المتحدة، أي منظمة التحرير، قبل الانقسام السياسي والجغرافي، وفي ظل تطاول أجهزة أمن السلطة وبعض المحسوبين على الصف الوطني على شعبهم وقضيته الوطنية، واستسهال التعاطي معها بخفة، الأمر الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه اليوم من تردّيات الأحوال وعواقب سوء المآل.
يجري هذا كله في عهد إدارة أميركية جديدة، تؤمن بسرديات "الصفقات"، ولم يظهر عليها حتى الآن إيمانها الجدّي بجهود التفاوض. لهذا لم يكن مستغرباً أن يوفد الرئيس الأميركي أول موفديه إلى المنطقة للتمهيد للصفقة الإسرائيلية – الفلسطينية، محامي العقارات النيويوركي جيسون جرينبلات، وكأنه يضفي على المسألة طابعا عقاريا، لتتحول مسألة التفاوض إلى نوع من المقايضات، من قبيل عقد صفقة عقارية، تغيب عنها مسألة حقوق الشعب الفلسطيني، وتكون مسكونة بهواجس تبادل أراض وسكان، في لعبٍ على المسألة الديموغرافية التي تبقي للمحتلين الإسرائيليين كل مناطق احتلالهم أو معظمها، ولا تمنح الفلسطينيين دولتهم الموعودة، وأقصى ما يمكن الحصول عليه من اليمين المتطرّف مناطق حكم ذاتي منفصلة وموزعة على أكثر من منطقة، بعيدا عن الاحتكاك بالمستوطنين ومستوطناتهم وطرق مواصلاتهم.
وفي ظل تناغم العقلية الاحتلالية الإسرائيلية، وعقلية التاجر الأميركي، وهما تغبّان من مستنقع "تشايلوكي" واحد، لا يمكن "لإبداع" أصحاب الصفقات و"الحقائق البديلة"، وأصحاب
المماطلات الخبيرة في الهروب من مواجهة حقائق التسوية الممكنة، أن يوصلونا إلى "صفقة سياسية" معقولة ومقبولة، وتشهد لنزاهة القائمين بها، وكل ما سوف ينتجه أسلوب الصفقات لن يتعدّى محاولة فرض تسوية ذات طابع عقاري، يجري من خلالها التلاعب بديموغرافيا الـ "هنا" والـ "هناك"، من دون أن يستعيد أو يستفيد الفلسطينيون من وطنهم إلا أقل القليل، فلا يربحون وطنا حقيقيا لهم، بينما يربح المستوطنون كل شيء ليس لهم، ولم يكن لهم في أي يوم.
وبالعودة إلى معطيات الواقع الفلسطيني، يتأكد، يوما بعد يوم، أن التضاد الحاصل بين المشروع الوطني الفلسطيني وقواه المقاتلة من أجل تحقيقه، والمشروع السلطوي بنسختيه السياسية والدينية، يتعمق أكثر فأكثر، وبما يتخطّى تلك الخلفيات ذات الأوهام السياسية، أو تلك الأخرى ذات العماء الأيديولوجي، فكلاهما يعملان وفق أجنداتٍ لا علاقة لها بمصالح الشعب الفلسطيني وتطلعاته وقضيته الوطنية، كما تجسّدت في بدايات احتلال الوطن الفلسطيني في 1948، وتشريد شعبه وإقامة كيان استيطاني استعماري على أنقاضه، بل هما يعملان وفق الرؤى والتصورات التي أعقبت الاحتلال الثاني عام 1967، وتداعيات الحلول والتسويات التي جاد بها "الأمر الواقع"، وما فتىء يجود بأمثالها، نظرا لقصور الرؤى الاستراتيجية الفلسطينية وتصوراتها المحدودة، والتشوهات التي ترى إلى كيان العدو (إسرائيل) كياناً يمكن التعايش معه على قاعدة "نحن هنا وهم هناك"، في وقتٍ تنظر معظم قوى الكيان إلى الفلسطينيين على قاعدة "نحن هنا ونحن هناك أيضا"، وأنتم هنا وهناك بقايا شعب و"شلايا" من الأقليات غير الموحدة؛ لا في تماسكها المجتمعي، ولا في جغرافيتها السياسية أو السيادية، ولا في هويتها الوطنية، على ما هو حال الضفة الغربية وقطاع غزة اليوم، وما يعايشه الأخير من مؤشرات انفصالٍ باتت واضحة، في ضوء هيمنة عقلية عسكريتارية على أبرز المواقع السياسية التي باتت تتصدّى لإدارة القطاع.
هكذا، ومنذ البداية، حملت السلطة التي تشكلت وفق "أوسلو"، بذور تحولها إلى حاملة للأوهام
التي تنافت وتتنافى مع الهموم الشعبية والجماهيرية لكل قطاعات الشعب الفلسطيني، على امتداد كامل أرض فلسطين التاريخية. وها هما سلطتا "الأمر الواقع" تصطدمان بأنهما أبعد ما تكونا عن التعبير عن آمال شعبهما وطموحاته الحقيقية، في الحرية والاستقلال والكرامة والتحرّر الوطني من الاحتلال، والتحرّر السياسي والاجتماعي من قوى القهر السلطوية، وتغوّلها الاستبدادي في الدفاع عن مصالحها الطبقية والزبائنية، وعبر الشراكات الاستثمارية المحمية بمظاهر عديدة من التنسيق الأمني التي تحولت بموجبها السلطة إلى روابط قرى أكبر مما كانته روابط القرى القديمة، والثانية وهي تتحول إلى سلطة فئوية تعمه في سياساتها الأيديولوجية، وتسعى إلى الحفاظ على هوية دينية، على حساب أي هوية سياسية أو وطنية. والاثنتان تصرّان على مواقفهما الداعمة للانقسام السياسي والجغرافي، من دون العمل حثيثا وجديا على إنهاء حالة التشرذم، حالهما حال أي سلطة استبدادية، تسعى إلى الاحتفاظ بمكاسبها ومصالحها الخاصة، من دون تعريض ذاتها للمحاسبة أمام المؤسسات الشرعية التي ذهب بها التآكل والتفكك إلى حد إفقادها أي إمكانيةٍ لإعادة التوافق على توحيدها، وجعلها صمام الأمان السياسي والمجتمعي والوطني في مواجهة الاحتلال.
مثل هذا الواقع بمعطياته التي لا تسرّ صديقاً، وتقهر أصحاب الشأن قهراً مخيفاً، يستدعي استعادة ألق المشروع الوطني، باستعادة وحدة قواه وكل عناصره وعوامله الفاعلة، وهذا يستدعي وقفة صلبة، عمادها صحوة كفيلة بإنقاذه، ووضع حد لعبث العابثين، ووقف ظلامات التنسيق الأمني مع الاحتلال، وتدخلات الظلاميين وتداخلاتهم واعتداءاتهم المتواصلة على القيم الوطنية التي تجمع الشعب الفلسطيني، وقضيته الأقدس في مقاومة الاحتلال، لفرض تراجعات استراتيجية عليه، بما تنطوي عليه تلك التراجعات من تقديمه تنازلاتٍ تتيح تحقيق بعض الأماني والتطلعات الوطنية الفلسطينية، قبل أن تختفي وظيفة المشروع الوطني، وفي طياته مقاومة الثورة المسلحة ونزوعها للتحرّر الوطني، من دون أن تتحقق الدولة المستقلة العتيدة المنشودة.