التحالف يكسر هدوء المهرة: تدخّل عسكري يقلق سلطنة عمان

02 ديسمبر 2017
الصورة
السعودية تعمل لفرض وجود التحالف في المهرة(أحمد فروان/فرانس برس)
+ الخط -
في أقصى الشرق من اليمن، ظلّت محافظة المهرة المحاذية للحدود العمانية بعيدة عن الصراع السياسي طيلة السنوات الماضية، لكنها عادت لتتصدر المشهد اليمني، خلال الأيام الماضية، بعد قرار التحالف العربي التدخّل عسكرياً تحت عناوين منع "عمليات التهريب وضبط الأمن"، الأمر الذي أثار مخاوف سلطنة عمان.

وجاءت إقالة محافظ المهرة محمد عبدالله كده، يوم الإثنين الماضي، وتعيين الشيخ راجح باكريت خلفاً له، لتؤكد دخول المحافظة حالة استقطاب بين قوى النفوذ المتمثلة في الحكومة الشرعية، التحالف العربي، وسلطنة عمان، خصوصاً مع إعلان باكريت في أول تصريح له بعد تعيينه تلقيه وعوداً بالدعم من التحالف العربي. وأرجع سياسيون إقالة محمد كده من منصبه إلى موقفه الرافض إلى جانب زعماء آخرين، دخول قوات تابعة للتحالف إلى مدينة الغيظة قبل أيام من دون تنسيق مع السلطة المحلية، التي اشترطت لاحقاً بعد دخول تلك القوات إثر تفاهمات، عدم تحويل مطار الغيظة إلى قاعدة عسكرية. وكان كده قد أعلن رفضه الانضمام إلى المجلس الانتقالي الجنوبي الذي أُعلن في مايو/أيار الماضي بدعم من الإمارات. كما أن قوات الأمن في المهرة، كانت قد اعتقلت مسؤول حماية مدير أمن عدن شلال شايع، قاسم الثوباني أواخر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أثناء زيارة قيادة "المجلس الانتقالي" إلى مدينة الغيظة لافتتاح فرع له في المدينة، قبل إطلاق سراحه بعد فترة، وذلك بعد اتهامه بمحاولة تهريب سجناء مدانين بجريمة قتل. وينتمي المتهمون بعملية القتل إلى محافظة الضالع مسقط رأس الثوباني، وهم مطلوبون على ذمة جريمة حدثت شرق محافظة حضرموت قبل أشهر وضبطتهم أجهزة الأمن في المهرة قبل أن تسلمهم إلى أمن حضرموت.

أما المحافظ الجديد باكريت، ذو 42 عاماً، فهو شيخ مشايخ آل باكريت، إحدى أكبر القبائل في المهرة ومعروف عنه الطموح السياسي، وتحمل سيرته السياسية جملة من التناقضات، إذ تنقّل من رئاسة حزب "التضامن" الذي يرأسه حسين بن عبدالله الأحمر، إلى تأييد المجلس العام لأبناء المهرة وسقطرى المطالب بإعلان المحافظتين إقليماً مستقلاً ضمن الدولة الاتحادية، قبل أن يعلن في نوفمبر/تشرين الثاني 2014 من الإمارات تأييده مطلب الانفصال، والانضمام لاحقاً إلى المؤتمر الوطني لشعب الجنوب. وتثير شخصية باكريت جملة من التساؤلات، فعلى الرغم من أنه يحمل شهادة في إدارة الإعمال، إلا أنه تقلّد مناصب أمنية، من بينها تعيينه مستشاراً لمحافظ المهرة لشؤون الأمن في 2013.

ومحافظة المهرة التي باتت ساحة لصراع إقليمي ومحلي جديد، هي ثاني أكبر محافظات الجمهورية اليمنية مساحة بعد حضرموت، وتتميز بموقع جغرافي مهم، إذ ترتبط مع سلطنة عمان بشريط حدودي بري طويل من جهة الشرق، بينما يحدّها من الشمال والغرب محافظة حضرموت، أما جنوباً فتشرف على ساحل يمتد لـ500 كيلومتر على البحر العربي تتخلله عدة موانئ بحرية. أما تركيبتها السكانية فيغلب عليها الطابع القبلي "المنضبط"، ونادراً ما تُسجل المحافظة حوادث جنائية أو قضايا ثأرية.

وبينما تشهد محافظات يمنية عديدة اضطرابات أمنية، بفعل الحرب مع الحوثيين، وهجمات "القاعدة" و"داعش" جنوب ووسط اليمن، تبرز جملة من العوامل السياسية والجغرافية والاجتماعية، جعلت من محافظة المهرة واحدة من أهدأ مناطق البلاد، وهو ما دفعها للإعلان عن عقد مؤتمر للاستثمار في المحافظة منتصف ديسمبر/كانون الأول الحالي، سيستضيف رجال أعمال من داخل وخارج اليمن لعرض فرص الاستثمار في المحافظة.

لكن اختراق هذا الهدوء بات هاجساً يؤرق أبناء المحافظة، بعد تدخّل التحالف العربي عسكرياً في المحافظة من خلال دخول قوة تضم 21 ضابطاً من أبناء المحافظة بإشراف سعودي منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي مطار الغيظة، والدفع بتعزيزات عسكرية كبيرة لاحقاً إلى المحافظة، فضلاً عن تعزيز حماية منفذي صرفيت ووشحن البريين مع سلطنة عُمان بقوات من الألوية المرابطة في المحافظة، بإشراف التحالف أيضاً.
وفي سياق المشهد الأمني، شهدت مدينة الغيظة عاصمة المحافظة، حادثة اغتيال بعد أيام فقط من مجيء القوة التي يشرف عليها التحالف، وعلى الرغم من أن المصادر المحلية تؤكد أن لا دور اجتماعياً أو دينياً للمجني عليه، إلا أن مراقبين يرون أن الحادثة لا يمكن فصلها عن مجمل التطورات الأخيرة في المحافظة، خصوصاً أن الكثير من المناطق جنوب اليمن شهدت جولات من العنف قبل دخولها من قبل قوات التحالف كذريعة لإيقاف الانفلات الأمني.


وإجمالاً، جاءت التطورات الأمنية ضمن إجراءات ما بعد إطلاق الحوثيين صاروخاً بالستياً استهدف العاصمة السعودية الرياض، وعلى إثره فرض التحالف حصاراً شاملاً على اليمن، وأعلن حالة من الاستنفار لفرض رقابة على منافذ اليمن البرية والبحرية الواقعة في محافظة المهرة ومنها منفذان بريان ومنفذ بحري.
وكان لافتاً بروز الدور السعودي في وضع قدم للتحالف في محافظة المهرة هذه المرة، مع تراجع الدور الإماراتي، الذي اصطدم بمواقف رافضة خلال الأشهر الماضية خصوصاً من القبائل التي تتمتع بعلاقة جيدة مع سلطنة عمان، التي هي الأخرى يشوب علاقتها بالإمارات نوع من الحساسية منذ عام 2011 حين ضبطت مسقط خلية تجسس تعمل لصالح أبوظبي.
وبالنظر إلى الترابط الاجتماعي والمصالح المتبادلة، تبدو السعودية أقرب إلى "المهريين" من الإمارات، نظراً إلى حجم المقيمين والحاصلين على الجنسية السعودية من مشايخ قبائل محافظة المهرة، وهو الأمر الذي تحاول السعودية الاستفادة منه للإمساك بالملف الأمني في المحافظة.

وعلى الرغم من ذلك، كان موقف القبائل رافضاً لقدوم أي تشكيلات مسلحة من خارج المحافظة، إذ اعترض مسلحون قبليون قبل أيام القوة التي كانت في طريقها لاستلام مطار الغيظة الدولي لساعات على مداخل المدينة قبل أن تتوصل إلى تفاهمات ويتم تسوية الموقف بالتنسيق مع السلطة المحلية. كما وضعت السلطات المحلية في المهرة شروطاً للحفاظ على هدوء المحافظة، من بينها عدم استخدام مطار الغيظة كقاعدة عسكرية، وإبقاء الطاقم الإداري والأمني والعسكري للمطار على ما هو عليه، إضافة إلى التنسيق الدائم مع السلطة المحلية وعدم تجاوزها.

واتسم موقف السلطة المحلية والقبائل بطابع "ندي" في التعامل مع تحركات التحالف العربي، بخلاف ما يجري في المحافظات الجنوبية الأخرى التي تهيمن فيها الإمارات على مفاصل اتخاذ القرار، وتشرف على وحدات عسكرية وأمنية موالية لها. وغالباً ما يأخذ موقف السلطات المحلية ومعظم المكونات السياسية والاجتماعية بالمحافظة، في التعامل مع أي تطور أمني أو سياسي تمر به البلاد، اتجاهين اثنين، الأول النأي بالمحافظة عن الصراعات والحفاظ على هدوئها، والثاني عدم التأثير على العلاقة الاستراتيجية مع سلطنة عُمان، التي تعتبر هي الأخرى محافظة المهرة عمقها الأمني، وفي سبيل ذلك تقدّم لها دعماً للبنية التحتية ورفد الخدمات الصحية فضلاً عن توفير المشتقات النفطية، إضافة إلى التسهيلات في جانب الإقامة ومنح الجنسية العمانية لزعماء كثر من العشائر، إضافة إلى السماح للحالات الطارئة بالعلاج في مستشفيات السلطنة. كما أن سلطنة عمان ترتبط بعلاقة اجتماعية وثيقة مع محافظة المهرة، إذ تتوزع الكثير من القبائل للعيش على الجانبين.

وحفاظاً على نفوذها الواسع، جاء رد سلطنة عمان على التطورات الأمنية في محافظة المهرة سريعاً، إذ شهدت مديرية حوف شرق المحافظة احتفالاً بمناسبة العيد الوطني الـ47 لسلطنة عمان والذي يصادف 18 نوفمبر/تشرين الثاني بحضور مسؤولين محليين، وكان واضحاً حجم الاحتفاء بالعلاقة مع عُمان ورفع علمها وصور سلطانها قابوس بن سعيد. كما أن شوارع مدينة الغيظة عاصمة المحافظة ازدحمت بصور سلطان عُمان بعد ساعات فقط من دخول قوات التحالف، في رسالة تؤكد من خلالها مسقط حجم نفوذها في المحافظة.

وتزامناً مع الحراك الأمني في المحافظة، عاد رئيس المجلس العام لأبناء محافظتي المهرة وسقطرى الشيخ عبدالله بن عيسى آل عفرار، إلى الواجهة من جديد من خلال تصريح قال فيه، إن قوة مجلسه "لا يمكن أن تضاهيها أي قوة أخرى سواء في محافظة المهرة أو سقطرى". وبن عفرار هو نجل آخر سلاطين الدولة العفرارية (واحدة من دول ما قبل قيام جمهورية اليمن الديمقراطية في جنوب اليمن) ومعروف بعلاقته القوية مع سلطنة عمان. والمجلس العام لأبناء المهرة وسقطرى هو مكوّن يطالب بإعلان محافظتي المهرة وسقطرى إقليماً مستقلاً في إطار الدولة الاتحادية، ويرفض ضم المحافظتين لإقليم حضرموت، الذي أقره مؤتمر الحوار الوطني في العام 2014.
وكانت وسائل إعلام يمنية ودولية ذكرت أن سلطنة عمان أصدرت في أغسطس/آب الماضي مرسوماً يقضي بمنح الجنسية العمانية لـ69 شخصاً من أسرتي آل عفرار في المهرة التي ينتمي إليها رئيس مجلس أبناء المهرة وسقطرى، وآل العطاس في حضرموت، في توجّه أرجعه مراقبون إلى مخاوف عمانية من توسع النفوذ الإماراتي جنوب اليمن، ومحاولتها كسب أدوات محلية لمواجهته.