التحالف الإماراتي الإسرائيلي: الكذب إلى الأبد

13 اغسطس 2020
الصورة

ظلّ الكذب عنواناً للردود الإماراتية الرسمية المكرّرة طيلة 25 عاماً، في كل مرة كانت أبوظبي تُتهم بإقامة علاقات مع إسرائيل، ومن ثم بالتحالف معها، بكل ما يشمله التحالف، أمنياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً. وبقي الكذب كذلك عنواناً للموقف الإماراتي الرسمي، حتى وهو يعلن إبرام اتفاق مع إسرائيل، لم يفعل إلا إسباغ الصفة الرسمية على علاقات قائمة منذ ربع قرن. كان الكذب مفهوماً ما قبل 13 أغسطس/ آب 2020، موعد صدور نَصّ اتفاق التحالف لا مجرد تطبيع العلاقات. لكن ما الداعي للكذب، وقد اتفقت تل أبيب وأبوظبي على المجاهرة بالتحالف بينهما؟ ما هو مبرّر مزحة استحضار ضم الضفة الغربية إلى إسرائيل، وادعاء محمد بن زايد أن اتفاق التحالف بين تل أبيب وأبوظبي هو سبب لتجميد الضم، بينما العالم كله يعرف أن التجميد لا علاقة له ببطولات وهمية لحكام الإمارات، بل بأزمة إسرائيلية داخلية لم يتمكّن بنيامين نتنياهو وبني غانتس من حلّها للاتفاق على تفاصيل الضم، مثلما اشترطت إدارة دونالد ترامب؟ وقاحة نصّ الاتفاق توضع كلها في مكيال، وكذبة بن زايد تستحق أن يخصّص لها مكيال وحدها. كذبة لم يحتملها حتى الإعلام الإسرائيلي، المحتفل منذ سنوات، بزحف حكام الإمارات، وأتباع لهم صوب أصغر مسؤول إسرائيل يلمحونه، فسارعت قناة "كان" إلى تكذيب الكذبة، ونقلت عن مسؤول إسرائيلي رسمي قوله، بعد دقائق من صدور بيان التحالف، إن "فرض السيادة (الإسرائيلية على أراضي الضفة الغربية) لا زال على الأجندة ونحن ملتزمون بتنفيذه"، وكأنها تقول لولي عهد أبوظبي: وفّر علينا وعلى نفسك عنترياتك.

والحال أن الإمارات قدّمت، من خلال الإعلان عن اتفاق التحالف مع إسرائيل، الحصة المطلوب منها تقديمها إلى حملة دونالد ترامب الانتخابية اليائسة. المرشّح الخاسر إلى الآن في انتخابات الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني، كان شديد الاهتمام بتصوير نفسه على أنه الرئيس الأميركي الثالث (من بعد جيمي كارتر "كامب دايفيد" وبيل كلينتون في كل من "وادي عربة" و"أوسلو") الذي يؤدي دور العراب في اتفاقات سلام عربية إسرائيلية، لأنه يظن في ذلك إنجازاً، وإن كان يتيماً لولايته في السياسة الخارجية، يمكن صرفه في انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، في ظل الإخفاق الدبلوماسي الممتد من فنزويلا إلى العلاقات الأطلسية مع أوروبا ومحاولة حصار الصين والإهانات الروسية المتكرّرة وعجزه عن إرغام إيران على توقيع اتفاق بديل عن خطة العمل الشاملة المشتركة للعام 2016، وصولاً إلى استمرار الأزمة الخليجية التي اقتربت، قبل أكثر من شهر، من اتفاق كان يأمل ترامب أن يملأ فيه رصيده الدبلوماسي الفارغ، قبل أن تنقلب عليه لاءات محمد بن زايد.

إذاً، تمت دراسة توقيت إعلان التحالف الإماراتي الإسرائيلي بعناية من قبل الأطراف الثلاثة المعنية، أميركا وإسرائيل والإمارات، لكي تكون هدية دبلوماسية إلى شخص واحد: دونالد ترامب، المرشح لا الرئيس. ولو لم يكن الأمر كذلك، لكانت الإمارات وفرت على نفسها كذبة أخرى استحضرتها في بيان إعلان التحالف، في ادعاء أنه (أي التحالف) جاء بوساطة من دونالد ترامب شخصياً. لكن عن أي وساطة يتحدث هؤلاء؟ أيظنون فعلاً أن أحداً في العالم لا يعرف درجة حرارة علاقات تل أبيب وأبوظبي، على الأقل منذ 20 عاماً؟ أيظنون أن الناس لا تقرأ الأنباء، ولا تشاهد نشرات الأخبار، لتعرف عن المناورات العسكرية المشتركة بين الإمارات وإسرائيل، وعن هبوط الطائرات الإماراتية في مطار بن غوريون، وعن الزيارات الأسبوعية ربما بين مسؤولي الحكومتين وتغريدات الغرام المتبادل بين بنيامين نتنياهو وأبناء زايد، فضلاً عن بقية المسؤولين الإماراتيين الذين يجاهرون بكل أنواع العواطف إزاء حكام تل أبيب؟ أيظنون أن أحداً لا يعرف عن لقاءات سفير الإمارات في واشنطن، يوسف العتيبة، مع كل المسؤولين الإسرائيليين (ونتنياهو شخصياً) وعن حضور العتيبة ذاك إعلان خطة ترامب ــ نتنياهو في 28 يناير/ كانون الثاني الماضي، لمباركة تصفية ما تبقى من القضية الفلسطينية؟ أيظنون أن الناس تجهل فعلاً أن التحالف الإسرائيلي الإماراتي وصل، منذ فترة طويلة، إلى مرحلة المزايدة الإماراتية على إسرائيل في ما يتعلق بهوية الأعداء التي تحلم تل أبيب بأن تشاركها دول عربية في محاربتهم؟

إعلان التحالف الإسرائيلي الإماراتي كان يجب أن يحصل قبل 25 عاماً لتوفير أطنانٍ من الكذب على مسامعنا وأبصارنا، ولإزالة سماكة من الغشاوة عن أعين بعض البسطاء. كم من الحكام العرب يحسدون محمد بن زايد اليوم.