التحالف الأوراسيّ: تكتّل واحد في منظمتين

28 ديسمبر 2014
الصورة
بوتين: مجموعات متطرفة تحاول النشاط في آسيا الوسطى(Getty)
+ الخط -

تحاول موسكو عبر السياسة والاقتصاد، تأكيد حتميّة تحالف الجيران المعرّضين للتهديدات نفسها، من قبل إدارة الإرهاب العالمي والاتجار بالمخدرات وافتعال الأزمات الاقتصاديّة والسياسيّة، نحو مواجهة مشتركة للمخاطر وتعزيز أسباب القوة. وها هي موسكو، في منظمتين توأمين: منظمة معاهدة الأمن الجماعي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، توثّق علاقاتها ومصالحها مع جيرانها وتنسّق سياساتها الاقتصاديّة والأمنيّة الدفاعيّة معهم، بدون أن تضطر لاستخدام كلمة حلف، المثيرة للمخاوف.
وفي هذا السياق، يندرج اجتماعا الثالث والعشرين من الشهر الحالي في موسكو، مؤتمر قمّة الاتحاد الأوراسي الاقتصادي ومجلس أمن منظمة معاهدة الأمن الجماعي. وقد شارك في الاجتماعات رؤساء أرمينيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقرغيزيا وطاجيكستان وروسيا.

أقر زعماء الدول المذكورة أعلاه في قمّة منظمة معاهدة الأمن الجماعي 22 وثيقة، من أهمها، وفق ما أورده موقع أخبار الكرملين الرسمي، وثيقة "تشكيل قوات جويّة مشتركة" لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي؛ وأخرى حول تعداد وتموضع الوحدات التي تشارك فيها كل دولة من دول المعاهدة ضمن قوات التدخّل السريع في المنطقة الوسطى من إقليم دول المعاهدة؛ وثالثة عن استراتيجية الدول الأعضاء لمكافحة المخدرات في الأعوام 2015 ــ 2020؛ وبروتوكول للتعاون ضد النشاط الإجرامي في المجال المعلوماتي. ويبدو أنّ أكثر ما يقلق روسيا وشركاءها في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، توسّع "الدولة الإسلامية" (داعش)، وإمكانية توظيف نشاطها لضرب استقلال الإقليم، وروسيا بصورة خاصة، ما يتطلّب بالتالي اتخاذ إجراءات وقائيّة ضدّها.

وفي هذا السياق، ينقل موقع الكرملين الرسمي عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قوله: "تظهر مجموعات مقاتلي ما يسمّى بالدولة الإسلامية التي تهدّد بضمّ بعض مقاطعات أفغانستان إلى ما يسمى دولة الخلافة الإسلاميّة. فالمجموعات الإرهابية والمتطرفة، منذ الآن تحاول النشاط في آسيا الوسطى. وفي هذه الظروف ينبغي على دول منظمة معاهدة الأمن الجماعي أن تكون جاهزة لاتخاذ تدابير وقائية كافية".
تدرك روسيا جيداً أنّ علاقات تربط بين المجموعات المسلّحة التابعة للتنظيمات الإسلاميّة الراديكاليّة على أراضي جميع الدول الأعضاء في المنظمة، ولا بد بالتالي من تنسيق معلوماتي أمني وعسكري رفيع المستوى، لمواجهتها قبل أن تستفحل مخاطرها. وفي هذا الإطار، تنقل وكالة "تاس" عن رئيس كازاخستان، نور سلطان نازارباييف، تأكيده أنّ "المنظمة منفتحة على التعاون البنّاء مع البلدان الأخرى والمنظّمات الدوليّة".

اتحاد اقتصادي
تبدو الفكرة الأوراسيّة بالنسبة لروسيا، أكبر من أن تكون اقتصاديّة، فهي الهويّة التي يرتكز عليها الكرملين في سياساته الداخليّة والخارجيّة. وثمة من يقول بين منظّريه، إنّ الاتحاد السوفياتي نفسه كان اتحاداً أوراسيّاً، لذلك فالتنسيق مع الجيران الأوراسيين بمقدار ما يحمل طابعاً جيوسياسياً، فله معادل محلي في روسيا نفسها المتعدّدة الأعراق والقوميّات والأديان.
وهكذا، فقد اجتمع رؤساء دول منظمة معاهدة الأمن الجماعي، تحت مسمّى آخر، هو المجلس الاقتصادي الأوراسي، وهو الهيئة العليا في الاتحاد الجمركي بين روسيا وكازاخستان وبيلاروسيا. وبات معلوماً أنّ هذه الدول الثلاث مع أرمينيا، تؤسّس في ما بينها، بدءاً من الأول من شهر يناير/كانون الثاني المقبل، "الاتحاد الأوراسي الاقتصادي". وقال بوتين في المؤتمر الصحافي عقب انعقاد المجلس الاقتصادي الأوراسي الأعلى، في الثالث والعشرين من الشهر الحالي: "وقعت قيرغيزستان للتو الاتفاقية"، لكنّها ستنضم عملياً إلى الاتحاد في بداية شهر مايو/أيار المقبل. وقد سبق لرؤساء روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وأرمينيا أن وقعوا في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، اتفاقاً حول انضمام أرمينيا إلى الاتحاد الأوراسي الاقتصادي.

وللوقوف على طبيعة الاتحاد الأوراسي، كما يراه الكرملين، يمكن العودة إلى ما نقلته وكالة "تاس" عن بوتين، الذي أشار إلى أنّ "المشروع التكاملي الذي نقوم بإنجازه، فريد من نوعه، ليس فقط من ناحية حجمه ومحتواه إنما روحه. فهو مؤسَسٌ على مبادئ النديّة والثقة والاحترام المتبادل وأخذ كل طرف مصالح الآخرين بعين الاعتبار". ويضيف: "إلى ذلك، فإنّ المشاركين فيه، لا يتخلّون عن سيادتهم ويحافظون على هويّتهم الوطنية".
وفي موقف يعكس كيفية فهم الكرملين لطبيعة "الاتحاد الأوراسي"، من خلال وظائفه ومهامه، تنقل وكالة "ريا نوفوستي" عن بوتين، إشارته إلى أنّ "الدول الأعضاء في الاتحاد، سوف ينسّقون سياستهم في عدد من المجالات المفصليّة، بما في ذلك في الصناعة والزراعة والمواصلات والطاقة، ويسعون لاعتماد معايير مشتركة صحيّة ــ بيطريّة وتقنيّة، والدفاع عن حقوق المستهلكين".

وفي إطار تأكيده لانفتاح "الاتحاد الأوراسي" على التعاون مع الجيران والشركاء، قال بوتين: "الاتحاد الأوراسي منفتح على العمل مع جميع جيراننا، وفي إطار رابطة الدول المستقلة، ومنفتح على شركائنا في الشرق والغرب". لكنّ انفتاح "الاتحاد" المعلن، لا يخفي حقيقة أنّ تشكيله يحصل في ظلّ ظروف مواجهة حقيقيّة بين روسيا والغرب الأطلسي، وهي مواجهة يحاول شركاء روسيا ألا يقحموا بلدانهم فيها، فيما تحاول موسكو جرّهم إليها بسلاسة وليونة عبر المصالح المشتركة.

ولما كانت الدول المنضوية في المنظمتين، منظمة معاهدة الدفاع الجماعي والاتحاد الأوراسي الاقتصادي، هي نفسها، باستثناء طاجيكستان المتاخمة لأفغانستان والتي تربطها ضرورات أمنيّة بمنظمة معاهدة الأمن الجماعي، فإنّه يبدو واضحاً أنّ تنسيق السياسات الاقتصاديّة، وما يخدمها من اتصالات ومواصلات، وصولاً إلى معايير موحّدة حيويّة وتكنولوجيّة، من شأنه أن يعزّز مصلحة كلّ طرف في الأطراف الأخرى وفي الاتحاد نفسه. كما يجعل مسألة الدفاع الجماعي مسألة تلقائيّة، وخصوصاً أنّ مواجهة مخاطر تصاعد النشاط الإرهابي والاستثمار الخارجي لتنظيم "داعش" الإسلامي في الإقليم، تتطلب تنسيق الجهود بين دول معاهدة الدفاع المشترك، التي تجمعها مصالح اقتصاديّة وحيويّة مشتركة تحت مسمّى آخر، هو "الاتحاد الأوراسي الاقتصادي".

المساهمون