التجربة الباكستانية في التعليم

02 مايو 2018
الصورة
التعليم الديني في باكستان (Getty)
+ الخط -



عانت باكستان خلال العقود الستة الأخيرة ويلات الانقلابات العسكرية، وعلى الرغم من تمكن بعض المدنيين من التسلل إلى السلطة، في غفلة ربما من الجنرالات الموجودين في الحكم وقتها، إلا أن الفترة منذ حدوث أول انقلاب عسكري فيها في عام 1958، وحتى عام 2013 لم تشهد انتقالاً سلمياً واحداً للحكم من حكومة منتخبة ديمقراطياً بعد انتهاء مدتها. 

وقبل عام 2010، كان نظام الحكم في باكستان رئاسيا، يتمتع فيه رئيس الجمهورية بصلاحيات كبيرة، إلى أن تم تجريده منها بمقتضى التعديلات الدستورية التي تمت في عام 2010.

بعد ذلك أصبحت باكستان جمهورية برلمانية اتحادية، تتكون من أربع مقاطعات، وتتمتع حكومة كل مقاطعة بدرجة عالية من الاستقلالية. ويبلغ تعداد باكستان حوالي 208 ملايين نسمة، تحتل بهم المرتبة السادسة عالمياً من حيث تعداد السكان، ويقيم أكثر من نصفهم في مقاطعة البانجاب، التي تشهد حالياً نهضة تعليمية كبيرة، على يد رئيس وزرائها، المنتخب بنزاهة، شاهباز شريف.

وللتعليم قصة حزينة في باكستان، حيث تقول الإحصائيات إن أغلب الأطفال يتركون التعليم في سن التاسعة، وإن 3% فقط ممن يلتحقون بالمدارس في باكستان يكملون سنوات الدراسة الاثنتي عشرة، وتعاني البنات هناك من ضعف فرص تعليمهن. 
وفُجع العالم في عام 2012 بحادث الطفلة الباكستانية مالالا، التي كانت تدافع عن حق البنات هناك في التعليم، حين حاولت جماعة طالبان اغتيالها، فأصيبت في رأسها وكتفها وعنقها، لكنها نجت، وسافرت إلى بريطانيا للعلاج، ثم أكملت تعليمها، وبعد الحادث بعامين حصلت على جائزة نوبل للسلام، فأصبحت رمزاً للحق في التعلم على مستوى العالم. 

ولما كان التعليم في مدارس باكستان الحكومية ضعيفاً جداً، فقد أحجم أغلب الآباء عن إرسال أبنائهم للمدارس، لكن مقاطعة البنجاب الباكستانية تشهد حالياً جهوداً غير مسبوقة لإصلاح مدارسها. وفي شهر أبريل من عام 2016، حصل القطاع الخاص والمؤسسات الخيرية على حق إدارة 1000 مدرسة حكومية ابتدائية، واليوم بلغ عدد تلك المدارس 4300 مدرسة، ويقول رئيس وزراء المقاطعة إن عددها سيكون عشرة آلاف بنهاية العام الحالي 2018، ومن أجل هذا، فإنه يتابع ما يحدث في تلك المدارس، لمعرفة مدى التطور الذي تحققه الإدارات الجديدة في المدارس الخاضعة للتجربة. 

ما تشهده مقاطعة البنجاب يمثل تجربة فريدة، حيث يتم منح رواد الأعمال والجمعيات الخيرية حق إدارة المدارس الحكومية المنتشرة في أنحاء البلاد، على أمل تحسين جودة التعليم، وتقليل أعداد المتسربين من العملية التعليمية، والقضاء على التمييز بين البنات والأولاد في الحصول على هذا الحق المقدس.

التجربة الباكستانية تستحق منحها فرصة في مصر، حيث تتهدد فرص الكثيرين، خاصة في المناطق الريفية، في الحصول على التعليم الجيد. في مصر، يختار الآباء إما أن يدخل الابن المدرسة ويستمر فيها حتى نهاية تعليمه ما قبل الجامعي، أو أن يخرج منها ليعمل ويساهم في توفير نفقات المعيشة له ولأهله، ولا عجب أن يختار كثير من الآباء الاختيار الثاني، لا سيما وهم يرون كثيراً من الشباب ينهون تعليمهم المدرسي بلا تعليم حقيقي، فلا يستطيعون دخول جامعة يرجى منها تعليم عالٍ، ولا يمكنهم المنافسة في سوق العمل مع من تلقوا تعليماً أفضل.
حال المدارس الحكومية في مصر لا يسر أحداً، والتجربة الباكستانية تمثل فرصة جيدة لتوفير الإصلاح المطلوب، بشرط ألا تخرج الحكومة من العملية التعليمية ومن هذه المدارس، وتتركها للقطاع الخاص.

وجود الحكومة ضروري للإبقاء على مصاريف المدارس عند مستويات مقبولة، ولو خرجت الحكومة لوجدنا أصحاب المدارس يفرضون رسوماً مبالغ فيها، ولا يدفعون الضرائب الحقيقية، ولن يحصل الأبناء يومئذٍ على تعليم مقابل ما يدفعه الآباء من أموال.

التجربة تمثل فرصة لتعاون حقيقي بين القطاع الخاص والحكومة. كما أن منح القطاع الخاص فرصة إدارة تلك المدارس، مع الابقاء على الرقابة الحكومية سيؤدي إلى استغلال أصول مصرية معطلة، ممثلة في آلاف المدارس الحكومية المنتشرة في المحافظات المصرية، وسيعيد أبناء الطبقة المتوسطة إليها.

الجمعيات الخيرية والمؤسسات غير الهادفة للربح يمكنها أن تلعب دوراً كبيراً في هذه العملية، مع عدم زيادة المصاريف على فقراء التلاميذ. وفي باكستان، توجد واحدة من أكبر المؤسسات الخيرية في العالم التي تعلم أكثر من مائتي ألف طالب في مدارس لا تهدف للربح، وبدأت تلك المؤسسة في بناء المدارس باستخدام نماذج موحدة، تتكلف الواحدة منها 250 ألف دولار (أربعة ونصف مليون جنيه)، يتم جمعها بالكامل من التبرعات، فتوفر فرص العمل والتدريب للمدرسين، كما توفر فرص التعليم الجيد قليل التكلفة للطلاب، ودون الحاجة إلى إنفاق مبالغ طائلة على الدروس الخصوصية.
توفير التعليم الجيد بأسعار مناسبة هو أفضل وسيلة لمحاربة الإرهاب، والاستثمار في البنية الأساسية التعليمية الموجودة يوفر على الدولة مليارات الجنيهات. وفي مصر، كما في أغلب دول العالم، تستحوذ رواتب المدرسين على حوالي 87% من المبالغ المخصصة للإنفاق على التعليم في الموازنة، مما يحد من المبالغ المتاحة للإنفاق على استثمار حقيقي في التعليم. وقد يكون للبنوك دور في مرحلة لاحقة، بدلاً من تكديس أموالهم في أذون وسندات الخزانة الحكومية وودائع البنك المركزي. 

أسوأ ما في الوضع الحالي بمصر هو أن كثيرا من القرارات والتوجهات ما زالت تتم في الاتجاه الخاطئ، ولا تزال السيارة تسير في الاتجاه العكسي، الأمر الذي يهدر الكثير من الموارد والوقت، بالاضافة إلى ما سيتطلبه ذلك من موارد ووقت إضافيين للعودة إلى المكان الذي كنا فيه، ثم موارد ووقت إضافيين جديدين للوصول إلى ما نأمله. وهذه التجربة هي واحدة من الخطوات القليلة التي يمكن القيام بها في الفترة الحالية، في محاولة لانقاذ أي شيء يمكن إنقاذه، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

دلالات

المساهمون