البيت من الداخل: كلام في الشعر

21 مارس 2017
الصورة
هيرمس ديليسيو/ البرازيل
+ الخط -

من ينظر إلى البيت من الخارج لن يرى سوى النافذة المفتوحة، لكن من يعيش داخل الدار سيرى ما لا يراه العابر، إذ يبدو أن لكل دار "صنعة"، وكذا صنعة الشعر وصنعة العلم، حين يلتقي الشاعر والعالِم في ذلك الفضاء الفسيح من الدار، كرواقييْن يبحثان في أصل "الحكمة".

لكلّ صنعةٍ أدواتٌ إذن، وحين يبدو أن الشاعر لا يحتاج سوى إلى ورقة وقلم وخيال مجنّح مثلاً، فإن العالِم يحتاجها أيضاً، أما ما يلي ذلك فشُغل الشاعر وشُغل العالِم.

إن طريق الشاعر نفسها تقريباً طريق العالِم، وإن بدا (ظاهرياً) أنهما متوازيتان، لكنهما (جوهرياً) متقاطعتان، ذلك أن جُلّ الأفكار جاءت من حُلم يقظة أو منام، أو على حدّ تعبير شكسبير في سياق مشابه: "إننا مصنوعون كما الأحلام من المادّة نفسها"، هذه هي نقطة البداية التي يلتقي فيها الشاعر والعالِم، الحُلم بفكرة، فكرة مجرّدة.

هنا فكرة عند الشاعر أو قلْ قدح شرارة، وهناك فكرة عند العالِم أو قلْ "ملاحظة" ما، ثمّ يشرعان في بناء "برج بابل" وإن بأدوات مختلفة، الشاعر يحاول القبض بـ"الإلهام" في كلمات أشبه بعبارة نيتشه شاعراً: "أحسُ بأنفاس مجهولة"، والعالِم يضع "فرضية" على ملاحظته، الشاعر يلاحظ بدوره، يتأمّل ويتألّم أيضاً، يُدوْزِن الكلمات، تنثال المشاعر والروائح، الصور والأصوات، الذكريات والأحلام، تشتغل الحواس فتختلط الأوهام بالوقائع، الوعي باللاوعي، اشتغال عوالم لا يعلمها إلاّ هو، والعالِم يجرّب فرضيته من خلال "القياس" و"التفسير". حين تنشأ الجملة الأولى لدى الشاعر، تنشأ الخطوة الأولى لافتراضات العالِم، دون أن يعي كلاهما - والشاعر الأقل وعياً باللعبة الخطرة؛ خُلاصة العمل.

الشاعر يشخبط جملة مُبهمة، سرعان ما يمحوها أو يدمغها في جملة أخرى، العالِم يضع فرضية ما أشبه بجملة الشاعر. الشاعر يختبر الكلمة، جرس العبارة، دلالاتها، إيحاءاتها، عمقها النفسي، وقْعها عليه وعلى قارىء مفترض، الكلمات "يأخذ بعضها برقاب بعض" كما السحاب، وكأنها هي من تقوده إلى نبع الشعر لا هو، أو "كما شدّة ائتلاف في شدّة اختلاف"، وفق توصيف عبد القاهر الجرجاني، والعالِم بدوره يضع "الفرضية"، يجرّب صحّتها من عدمه، رابطاً بين "المقدّمات" و"النتائج"، وقد يمحوها كما الشاعر في تيه الرؤية والرؤيا التي هي "ضربٌ من النبوة".

حين يبدأ الشاعر في ترتيب فوضى "قصيدته"، وهو ذاهل حتى عن نفسه، يبدأ العالِم في ترتيب ما توصّل إليه من خلال "التفسير والتجريب" وهو بكامل بصره وبصيرته، وحين يكاد الشاعر أن يضع (اللمسة الأخيرة) لقصيدته، يكون العالِم قد استخلص "النتائج"، وحين يتنفّس الشاعر الصعداء عند (نهاية) قصيدته، يصيح العالِم: "وجدتها"!

لكن- واأسفاه- مثل كلّ عمل إنساني يوجد النقصان في اكتماله، كما توجد جرثومة الموت في الولادة، يشعر الشاعر بعد سنوات بغربةٍ إزاء نصه الشعري أحياناً، وأحياناً أخرى برغبة في إعادة كتابته، في ما الزمن كما النهر لا يعبره الشاعر مرتين، لكن عزاءه بأن كلّ شاعر في "الحقيقة" وفي "الخيال"، يحاول أن يكتب في حياته قصيدة واحدة، وإنْ تنوّعت أشكالها ومضامينها الشعرية بـ"أنفاس مجهولة" تخصّ الشاعر وحده.

وأن كلّ الشعراء كذلك - كما قيل أيضاً - يحاولون كتابة قصيدة واحدة مشتركة، وإنْ تنوّعت "الاستعارات"، والتي على حدّ تعبير بورخيس "تُحال إلى عدد قليل من الأنماط الأساسية"، منذ ما قبل هوميروس، أو عربياً منذ ما قبل دُوَيْد بن زَيْد صاحب "أَليَومَ يُبنى لِدُوَيدٍ بَيتَهُ"، والبيت هنا القبر.

وكذلك العالِم في عَمَلِهِ وعِلْمِهِ، حين تدحض نظرية جديدة نظريته، يشعر برغبة في تطويرها إلى أن يثبت الزمن نقيض ذلك، وكأن العالِم كما الشاعر استمرار في "تجريب" العالَم، وكأنهما يلتقيان أخيراً في عبارة الفارابي المُدوّخة في صدق بُرهان العِلم مقابل "الشعر بُرهان كاذب"، أو يلتقيان حتى عند "موسيقى النجوم" حقيقة ومجازاً، بحسب تعبير فيثاغورس، "جامعاً بين الموسيقى وحركات النجوم".

دلالات

المساهمون