البيان الإيطالي حول ريجيني: تصعيد الضغط بحثاً عن معلومات جديدة

21 ديسمبر 2019
الصورة
تماطل السلطات المصرية في التحقيق بمقتل ريجيني (Getty)
في نهاية كل عام، ومع اقتراب الذكرى السنوية لمقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني، الذي كان اختفى في القاهرة في 25 يناير/كانون الثاني عام 2016، وعثر على جثته وعليها آثار تعذيب على طريق مصر الإسكندرية مطلع فبراير/شباط من العام نفسه، تتعمّد سلطات التحقيق الإيطالية الكشف عن معلومات ومؤشرات جديدة توصّلت إليها بشأن القضية، أو إعادة التأكيد على عدم تعاون السلطات المصرية معها، سواء القضائية أو الأمنية. ويأتي ذلك بهدف أن تبقى القضية حية في الدوائر المهتمة بالمجال الحقوقي والأمني المصري في أوروبا والعالم من جهة، ومن جهة أخرى لوضع القيادة السياسية الإيطالية أمام مسؤولياتها غير المستوفاة وفق البعض، والتي دائماً ما تتعرّض للانتقاد من قبل وسائل الإعلام، في الضغط على القاهرة لإنجاز تقدّم طال انتظاره في التحقيقات، بتقديم الأشخاص المشتبه بهم على الأقل، أو إخضاعهم لتحقيقات شفافة يشارك فيها الجانب الإيطالي أو يطّلع عليها بصورة كاملة.

هذا العام، اختار نائب المدعي العام الإيطالي، سيرجيو كولايوتشو، تصعيد الضغط الإعلامي على عدد من أصدقاء ريجيني ومعارفه الذين كانوا قريبين منه ومن تحركاته في مصر، ولم يتعاونوا من قبل مع المحققين الإيطاليين عندما حاولوا استنطاقهم والحصول على معلومات عن علاقاته في مصر، وأسباب اهتمام الأجهزة الأمنية به، وعلى رأسها الأمن الوطني التابع لوزارة الداخلية. وربما عدم التعاون من قبل هؤلاء يعود لخوفهم من تبعات ذلك داخل مصر، خصوصاً بعد المضايقات التي تعرّض لها محامي ريجيني إبراهيم المتولي، و"المفوضية المصرية للحقوق والحريات"، بلغت حدّ الاعتقال والمنع من السفر.

وكانت جلسة الاستماع التي عقدها البرلمان الإيطالي لكولايوتشو أخيراً مناسبة مواتية للإعلان عن معلومات جديدة، قال إنّ المحققين الإيطاليين توصلوا إليها، من دون مواجهة المشتبه بهم بالتورط فيها، وتتعلّق في أنّ ثلاثة من أقرب معارفه متورطون في القضية، وهم الباحثة نورا وهبي، وشريكه في السكن المحامي محمد السيد الصياد، فضلاً عن نقيب الباعة الجائلين محمد عبدالله، والذي كان اعترف من قبل وتفاخر بأنه سلّم ريجيني للأمن المصري، بعدما تشكّك في عمله لحساب جهة استخباراتية أجنبية، وهو الوحيد الذي تحدّث بشكل صريح من بين الثلاثة.

وأراد الادعاء الإيطالي أمام البرلمان رسم صورة للموقف، وكأن ريجيني سقط في شبكة عنكبوتية محكمة من "المخبرين"، كما يوصفون في مصر، وهم العاملون مع الجهات الأمنية الرسمية بشكل سري تطوعي أو مدفوع، وذلك منذ قدومه إلى مصر. واستند الادعاء في ذلك، على أنّ كلاً من نورا وهبي، ومحمد السيد، تواصلا مراراً وتكراراً، على مدار الأشهر السابقة على الحادث، بصورة مباشرة وغير مباشرة، مع الرائد مجدي شريف الذي نشر الادعاء الإيطالي اسماً رباعياً تقريبياً له هو "مجدي إبراهيم عبد العال شريف". واللافت أنّ الأخير هو الشخص نفسه الذي قال الادعاء الإيطالي إنه حصل على معلومات من شرطي أفريقي خلال حديث عفوي له، عن تورطه في قتل ريجيني، أو "الشاب الإيطالي" كما وصفه، ناقلاً معلومات بهذا الشأن عن شرطي مصري متورط بالعملية تحدّث أمامه. ولا يبدو هذا الاسم دقيقاً في الواقع، لكنه بالتأكيد أحد الأشخاص الخمسة الذين وجّه الادعاء الإيطالي اشتباهاً صريحاً لهم في ديسمبر/كانون الأول عام 2018 (قبل أسابيع أيضاً من الذكرى الثالثة لمقتل ريجيني)، وأبرزهم اللواء خالد شلبي الذي يشغل حالياً منصب مساعد وزير الداخلية لشمال الصعيد، وكان يشغل وقتها منصب مدير المباحث في مديرية أمن الجيزة.

وكان مصدر مصري مطلع قد كشف لـ"العربي الجديد" آنذاك هوية ضابطين من الخمسة المشتبه بهم؛ الأول هو اللواء طارق صابر، وليس صابر طارق كما نشر الإعلام الإيطالي وقتها، وكان خلال الواقعة يعمل مدير قطاع في جهاز الأمن الوطني، وهو الذي أصدر تعليماته بمتابعة ريجيني، بناءً على تقرير رفع إليه من أحد مساعديه عن أنشطته البحثية وتواصله مع نقيب الباعة الجائلين، بمناسبة بحثه عن النقابات المستقلة في مصر. أمّا الضابط الثاني، فهو العقيد آسر كمال، والذي كان يعمل رئيساً لمباحث المرافق بالعاصمة، وتوجد دلائل على أنه هو الذي أشرف على رسم خطة تعقّب ريجيني في إطار التنسيق بين الأمن الوطني والأمن العام، وقد تمّ نقله بعد الحادث بأشهر عدة للعمل بمحافظة أخرى.

وأثار توجيه الاشتباه للباحثة نورا وهبي تحديداً جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية والحقوقية المصرية، في ظلّ تجاهل إعلامي محلي تام لرواية الادعاء الإيطالي. فوهبي تحظى بسمعة طيبة بين الباحثين المصريين على المستويين الأخلاقي والعلمي، كما أنها كانت أوّل من نشر نبأ اختفاء ريجيني نهاية يناير 2016، نظراً لقربها الشديد منه. وهي أيضاً أول من استقبل أسرة ريجيني لدى وصولها للقاهرة في ذلك الوقت، واصطحبت والده ووالدته للمحامين الذين تولوا الدفاع عن حق القتيل أمام القضاء المصري.

وبين التشكيك في الرواية الإيطالية والترويج لها، وحتى التساؤل حول نواياها مع التسليم بصحتها، بدا الخلاف واسعاً بين المراقبين والمهتمين في مصر بشأن هذه المستجدات. وجاءت أبرز التعليقات من الأكاديمية رباب المهدي، التي أشرفت على جزء من رسالة ريجيني، وعلى رسالة نورا وهبي لدرجة الماجستير، إذ طالبت الجميع بعدم الترويج للرواية الإيطالية. ورجّحت المهدي بأنّ ما كشف عنه الإيطاليون أخيراً يأتي في إطار استمرارهم في الضغط على وهبي للحصول على أي معلومات منها، كما فعلوا من قبل مع مشرفة ريجيني الأكاديمية في جامعة كامبريدج مها عبد الرحمن، وهي الأكاديمية التي أدى الضغط الإيطالي عليها إلى استباحة الإعلام المصري الموالي لنظام عبد الفتاح السيسي الخوض في شخصيتها ونواياها وخلفياتها، إلى حدّ القول إنّ هناك علاقة بينها وبين جماعة "الإخوان المسلمين".

وإزاء هذا الإعلان الإيطالي الذي انتهى إلى خلق حالة من التشهير بزميلة ريجيني وجدل حول سلوكياتها وعلاقاتها بالأمن ومشاكل المجتمع الأكاديمي المصري، اعتبر بعض المراقبين أنّ هذه الخطوة لن تؤدي إلا لمزيد من الغموض وإخفاء الحقيقة، لأنها تبعد الأنظار عن بؤرة الأحداث التي تورّط فيها جهاز أمني أو أكثر بما لا يدعو مجالاً للشك، بدءاً من المراقبة اللصيقة لريجيني وصولاً إلى خطفه وقتله.

ويستند هؤلاء المراقبون في رأيهم إلى أنّ سياسة تواصل الأمن المصري مع الشخصيات المحيطة بالأشخاص الأجانب الذين يعيشون في مصر ويعملون بوظائف لافتة أو تتعلّق بالمجال العام "هي سياسة مستديمة، وتخصّص لها فرق كاملة من الضباط والأمناء والمخبرين، لكنها لا تنتهي دائماً بالخطف والقتل، كما حدث في حالة ريجيني".

وتعكس هذه الرؤية ثغرات في الربط الإيطالي القائم بين مراقبة ريجيني لسنوات، وبين الخطف والقتل، وضرورة مسؤولية جهاز واحد عن الأمرين. فلا أحد يملك دليلاً واضحاً على أنّ الأمن الوطني هو نفسه من تورّط في الخطف والقتل، كما لا يملك أحد دليلاً على تدخّل أجهزة أخرى، لكن هناك العديد من الإشارات المضطربة للأمرين.

فالدليل القولي الوحيد المنقول عن مسؤول مصري كان صادراً عن شرطي، وهو ما انتقل لروما عبر المصدر الأفريقي، لكن في المقابل لا يختصّ الأمن الوطني بمتابعة ومراقبة المتهمين أو المشتبه بهم بالتجسس، فعند نقطة ما، تنتقل ملفات مراقبة الأجانب من الأمن الوطني إلى المخابرات العامة في هذا السياق.

وعلى مستوى آخر، فإنّ قتل 5 أشخاص من "عصابة سرقة" وزعم أنهم خطفوا ريجيني بغرض السرقة، كانت تصرفات شرطية في الظاهر، لكن إنكار النيابة العامة المصرية هذه الرواية مع عدم تحريكها إلى الآن أي دعوى ضدّ المسؤولين عن قتل أفراد العصابة، أمر لا يتّسق مع كون الشرطة وحدها مسؤولة فعلياً عن اختراع هذه الرواية المضللة التي ما لبثت أن فقدت منطقيتها.

وعلى مستوى ثالث، فإنّ الثابت من التحقيقات أنّ ريجيني شوهد مُلاحقاً من قبل عناصر أمنية، وتواجد في قسم للشرطة قبل اختفائه، لكن في المقابل لا يتسق أن تكون الشرطة وحدها المسؤولة عن عدم دقّة تقرير الطب الشرعي الذي تم تغييره مرتين على الأقل، قبل أن يثبت من اختلاف توقيت الجروح والإصابات أنّ ريجيني راح ضحية تعذيب طويل الأمد لاستنطاقه أو للحصول على معلومات لا أحد يعلم ماهيتها، استمر نحو 4 أيام حتى كُسرت عنقه.

وبالتالي، فإنّ هناك العديد من الشواهد المحيّرة للمحقّقين الإيطاليين، والتي تضطرهم للمبادرة بالضغط على المشتبه بهم أو معارف ريجيني في مصر لمحاولة الحصول على معلومات إضافية، في ظلّ تمسّك السلطات المصرية بمحاولات متتالية لإضاعة الوقت، وتضليل التحقيق كما حدث مرات عدة من قبل، بقصة العصابة، وقصة مشاجرة ريجيني مع شخص قبيل اختفائه، وقصة تورطه في علاقة جنسية، والتي باءت جميعها بالفشل.

في السياق، رأى مصدر دبلوماسي مصري كان على صلة بملف ريجيني حتى الصيف الماضي، أنّ "الخطوة الإيطالية الأخيرة باستدعاء الادعاء العام للبرلمان للمرة الأولى، هي مقدمة لحراك سياسي أوسع في الفترة المقبلة، وربما إصدار قرارات أو توصيات ضدّ النظام المصري"، والذي استطاع إلى الآن إهدار الوقت من دون طائل. وربما يأتي ذلك أيضاً، وفق المصدر نفسه، في إطار إعادة السفير الإيطالي للقاهرة عن طريق ثلاثة ملفات رئيسية هي: عقود استكشاف وتصدير الغاز التي تم إبرامها لمصلحة عملاق الطاقة الإيطالي "إيني"، والتنسيق في ليبيا على الرغم من اختلاف الرؤى حول المستقبل السياسي هناك، وأخيراً الزيادة القياسية في استيراد الأسلحة الإيطالية للجيش والشرطة على حد سواء، كما كشفت وثيقة صادرة عن الخارجية الإيطالية نشرت تفاصيلها "العربي الجديد" في يوليو/تموز الماضي.

واعتبر المصدر في الوقت نفسه أنّ مستوى المعلومات التي أدلى بها الادعاء الإيطالي يدلّ على عدم وجود دلائل قوية وعلى عدم قدرتهم على الوصول لشيء ملموس، وأنّ كل ما أثير "مبني على نزر يسير من المعلومات القديمة، بما في ذلك الخاص بزميلة ريجيني التي رفضت من قبل الحديث"، مما يدلّ على صعوبة موقف روما واحتياج ادعائها لأي معلومة جديدة.

وكشف المصدر أنّ الخارجية المصرية ردّت على الطلب الإيطالي الأخير في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي لتجديد التعاون القضائي والدبلوماسي في قضية ريجيني "بصورة دبلوماسية باردة" من دون التعهد بأي شيء، مما أبقى الوعد الذي أطلقه النائب العام المصري الجديد حمادة الصاوي، للمدعي العام الإيطالي بضرورة استئناف التعاون "قيد التجميد"، في ظلّ غياب اتفاق سياسي جاد على إحداث حلحلة لهذه الأزمة.

وتتابع دائرة السيسي بقلق التطورات الحالية في البرلمان والحكومة ومقاربتهما لقضية ريجيني، مع خروج الحليف الأبرز للسيسي في روما، زعيم حزب "رابطة الشمال"، ماتيو سالفيني، من التحالف الحكومي، وزيادة عدد المقاعد الوزارية الخاصة بحركة "الخمسة نجوم"، وتولي زعيمها الشاب لويجي دي مايو وزارة الخارجية، والذي سبق ودعا لاستخدام طرق غير تقليدية وقاسية ضدّ القاهرة، خلال وجوده في المعارضة عام 2016. وبعد دخوله حكومة جوزيبي كونتي وزيراً للتنمية الاقتصادية العام الماضي، كان دي مايو الضيف الإيطالي الأثقل على الرئيس المصري، عندما حذّر بشكل واضح في أغسطس/آب 2018 لدى زيارته القاهرة، من انهيار العلاقات المصرية الإيطالية بسبب القضية. هذا فضلاً عن تصاعد مطالبة نواب اليسار باتخاذ قرارات اقتصادية ضدّ مصر.

وكان آخر ضغط سياسي على مصر بالطرق الدبلوماسية قد حدث بعد تشكيل حكومة كونتي الأولى باستدعاء السفير المصري لدى روما هشام بدر في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أيضاً، لحثّه على نقل الغضب الإيطالي من التباطؤ المصري في التعامل مع القضية، بعدما أصرّت النيابة العامة المصرية على عدم منح نظيرتها الإيطالية تفاصيل التحقيقات التي من المفترض أنها أجرتها في قضية مقتل أفراد عصابة السرقة.

وسبق أن قال مصدر قضائي مطلع على ملف التعاون بين الدولتين بشأن القضية، لـ"العربي الجديد"، إنّ النائب العام الجديد يرغب في اتباع أسلوب مختلف في التعامل مع الأزمة، مغاير لما استخدمه سلفه نبيل صادق، يقوم على إعطاء الإيطاليين معلومات عديدة استجدت بحوزة النيابة. ولكن إلى الآن لا يوجد أي قرار بتسليم متهمين محددين للعدالة، أخذاً في الاعتبار أنّ الادعاء الإيطالي، وفقاً للقانون الدولي والاتفاقيات المشتركة، لا يملك حق توجيه اتهام من جانب واحد لأي مسؤول مصري، وهو ما أكد عليه ممثل الادعاء الإيطالي كولايوتشو أمام البرلمان منذ 4 أيام.

يذكر أنه تمّ تعليق التنسيق بين الطرفين تماماً منذ ديسمبر/كانون الأول 2018، عندما زار وفد إيطالي دبلوماسي قضائي مشترك القاهرة، للتعرف على مصير الطلبات الإيطالية بتسليم التحقيقات الخاصة بقضية مقتل أفراد عصابة السرقة، قبل أن يعلن الطرفان، المصري والإيطالي، عن استحالة حدوث تلك الرواية وسقوطها من اعتبارات المحققين.

وفي تلك الفترة، قالت النيابة المصرية إنها رفضت طلباً من نيابة روما، بإدراج بعض رجال الشرطة على قائمة ما يسمّى في قانون الإجراءات الجنائية الإيطالي "سجلّ المشتبه فيهم"، وذلك لما أبداه الجانب الإيطالي من شكوك بشأن سابقة قيامهم بجمع معلومات عن ريجيني، وذكرت أنّ التحقيقات التي أجرتها النيابة العامة في مصر وإيطاليا، تخلو من قرائن قوية، وليست سوى شكوك في ما تتطلّبه القوانين الإيطالية ذاتها للإدراج في هذا السجل.

وطرح المصريون آنذاك تساؤلات على الإيطاليين بشأن "دخول ريجيني إلى مصر بموجب تأشيرة دخول سياحية، من دون التأشيرة اللازمة لقيامه بإجراء أبحاث خاصة برسالة الدكتوراه عن النقابات العمالية المصرية المستقلة"، مما اعتبره الإيطاليون تهرباً واضحاً من قبل النيابة المصرية، وغلقاً لباب التعاون في القضية، والتفافاً على مواجهة الجريمة الحقيقية.