البغدادي.. ورقة واشنطن في مواجهة أنقرة وموسكو

02 نوفمبر 2019
الصورة
+ الخط -
"اختفى الإعلامي السعودي، جمال خاشقجي، في تركيا بعد أن غادر مبنى قنصلية بلاده في إسطنبول" . "قتل الداعشي أبو بكر البغدادي في منطقة إدلب الحدودية الشمالية، وهو يحاول الدخول مع أسرته إلى الأراضي التركية". السيناريو هو نفسه، والهدف هو محاصرة تركيا بالجرم المشهود. كشفت أجهزة الأمن التركية عن تفاصيل المؤامرة بعد ساعات من قتل خاشقجي. الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، شكر باكرا جدا أنقرة التي ساهمت في العملية الاستخبارية التي أدت إلى قتل رأس تنظيم داعش، البغدادي. عمليات أمنية متسارعة داخل المدن التركية ضد خلايا "داعش" وعناصره، تحسبا لأية ردة فعل انتقامية. تتحدّث أجهزة الأمن التركية عن اعتقال عشرات من عناصر هذه المجموعات التي كانت تخطط لتنفيذ عمليات إرهابية خلال احتفالات عيد الجمهورية قبل أيام. 
يقول الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إن مقتل البغدادي "نقطة تحوّل في المعركة المشتركة ضد الإرهاب". ويقول رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، فخر الدين ألطون، إن أنقرة سعيدة بالقضاء على زعيم تنظيم داعش الإرهابي، وأنها تدعو إلى تحييد قيادات التنظيمات الإرهابية الأخرى في منطقة إدلب. كان بعضهم يبحث عن زعيم "داعش" في العراق، فظهر في شمال سورية. التنسيق التركي الأميركي قائم إذا، لأن القيادات الأميركية تقول إنها كانت تتعقبه طيلة أسابيع، وأنقرة تشير إلى أنه دخل منطقة إدلب قبل يومين فقط من العملية.
ما هي هذه المصادفة التي جمعت قرار الانسحاب الأميركي من شمال سورية وتزامنه مع عملية تصفية البغدادي؟ أليس ممكنا أن يكون رأس البغدادي جزءا من صفقة بين الرئيسين التركي 
والأميركي؟ تصفيته مقابل الضوء الأخضر أمام العملية العسكرية التركية في شمال سورية؟
يحاول بعضهم في أنقرة التحدّث عن الدور التركي الفاعل في عملية اغتيال البغدادي، وأن المعلومات الاستخبارية التي توصلت إليها الأجهزة الأمنية التركية هي التي ساهمت في تحديد مكانه، وهو يحاول تهريب أسرته إلى داخل الأراضي التركية، وأن ترامب أعطى الإذن لتنفيذ هذه العملية بعد يومين من لقاء نائب الرئيس، مايك بنس، مع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في أنقرة في 17 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
ولكن يبدو أيضا أن أصواتا عديدة في العاصمة الأميركية لم تتوقف مطولا عند ما تقوله أنقرة، وأن قرار ترامب تنفيذ العملية في هذه المنطقة الحساسة والجالسة على كفّ عفريت يعني أنه أراد إدخال الفيل الأميركي إلى متجر الخزف التركي الروسي في إدلب، لتدريبه على حركات بهلوانية هناك. وأن تساؤلاتٍ كثيرة ستظل تطارد تركيا وروسيا، بينها أن البغدادي قتل في قرية باريشا شمال إدلب، التي لا تبعد سوى بضعة كيلومترات من الحدود التركية، فكيف وصل إلى هناك؟ وما الذي ذهب يفعله في منطقة تقع تحت إشراف تفاهمات الأستانة؟
وتعني قرارات مجلس النواب الأميركي أخيرا ضد تركيا، في الملفين، السوري والأرمني، أن ما يقوله الرئيس الأميركي للقيادات التركية لا يلزم سواه. لا بل إن قرار واشنطن تنفيذ هذه العملية في منطقة النفوذ التركي الروسي رسالة لكليهما معا بأنها ستطالب اللاعبين في الملف السوري بعد الآن بتنفيذ اتفاقيات غرب الفرات، لناحية القضاء على التنظيمات الجهادية، وإلا فإنها ستتحرّك هي للقيام بهذه المهمة من دون تردّد. وأنها فرضت أمرا واقعا جديدا على الأتراك والروس، وهو ضرورة التنسيق معها بعد الآن ضد الجهاديين في إدلب.
ولا خلاف على أن الخطوة الأميركية تركت أنقرة وموسكو وجها لوجه، حيث بدأت الأخيرة تتحرّك عبر النظام في المنطقة لحسم ملف النصرة واسترداد الاعتبار الذي فقدته بسبب هذه العملية. موسكو ستعمل بعد الآن على طريقتها هي في إدلب إذا لم تتحرك القوات التركية ضد مجموعات النصرة لأن الوعود التركية لم تنفذ ولأن هذه المجموعات تقوى ميدانيا يوما بعد الآخر، مما يزيد من صعوبة اقتلاعها من المنطقة. توقيت العملية لا يمكن فصله عن التفاهمات التركية الأميركية والتركية الروسية في شمال سورية وإعادة تقاسم النفوذ الميداني والسياسي في المنطقة لكنها تقلص فرص أنقرة بعد الآن في رفض أي اقتراح روسي بتبني الخيار العسكري في إدلب، حيث إنها لم تحسم هي المسألة على طريقتها مع هذه المجموعات.
وتقول واشنطن لأنقرة وموسكو إن العملية التي وقعت في منطقة نفوذ مجموعات جبهة النصرة، تكشف عن أن علاقة ما بين هذا التنظيم وبين مجموعات داعش لم تنقطع أبدا على الرغم من كل ما قيل حول 
الطلاق والقطيعة بينهما. لا بل هي تردّد على مسامع الأتراك والروس أن البغدادي كان يعرف أن مجموعات "حراس الدين" التي لم تقطع علاقاتها بداعش ستوفر له الحماية جنبا إلى جنب مع ما تبقى من خلايا "داعش" التي هربت إلى المنطقة والتزمت بقرارات النصرة. عملية تتم في مربع تقاطع وجود حركاتٍ جهادية كثيرة قد تكون تضامنت لتوفير الحماية للبغدادي، ولذلك فإن هدف واشنطن قد يكون أيضا إلزام موسكو بقبولها وبضرورة التنسيق معها في غرب الفرات، حيث فشلت بمفردها في إدارة الأمور هناك.
حرّك ترامب الرماد في موقد إدلب "فكلهم أعلنوا أنهم يكرهون "داعش" لكن كان عليهم أن يقوموا بعمل ما". ورقة جبهة النصرة أصبحت بيد واشنطن أيضا، تفجرها ساعة تشاء في العلاقات بين الدول الضامنة إذا لم يقبلوا واشنطن شريكا لهم هناك.
يقول ترامب إن يدنا طويلة، وسنواصل ملاحقة الإرهابيين أينما كانوا. وهو تسيستغل العملية في الداخل الأميركي سياسيا وانتخابيا، وأيضا في الحوار مع الممسكين بالملف الإدلبي الذين يريدون مواجهة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شرق الفرات، لكنهم ينسون الخطر الآخر المتأتي من غربه. هي قبلة أميركية على جبين الدول الضامنة الثلاث، وبامتياز. افسحوا الطريق، فنحن قادمون لنقوم بما عجزتم أنتم عن فعله. احتمال آخر، أن تكون واشنطن، ومن خلال هذه العملية، تريد إطلاق يد موسكو لتسريع عملية الجماعات الجهادية في إدلب، بعدما طلبت أنقرة مزيدا من الوقت والفرص لحسم الموضوع، من دون مواجهات عسكرية تكون مكلفة على أمنها وحدودها عبر اندلاع موجات لجوء جديدة.
سجلت العملية الأميركية اختراقا كبيرا للتفاهمات الثلاثية في إدلب، وفرضت نفسها على الجميع هناك، لتتحرّك كما تشاء، كونها باتت تملك الوثائق والمعلومات المهمة التي حصلت عليها في أثناء عمليتها، كما تقول، وهي أصلا لا تحتاج لإقناع أحد بما تقوله.