البطالة في تونس..بركان على وشك الانفجار

12 مايو 2015
الصورة
من احتجاجات ضد البطالة في تونس (أرشيف/فرانس برس)
+ الخط -
في بلدة المتلوي الغنية بالفوسفات، جنوب تونس، سيجلب اهتمامك، بلا شك، منذ أن تطأ قدماك المدينة، عشرات الخيام التي نصبها معتصمون يطالبون بالشغل.. خيام على الطريق وأخرى على سكة القطار.. خيام على الرصيف وأخرى على هضاب قريبة من مناجم الفوسفات..وحتى أمام البيوت.

الحركة تبدو منعدمة في البلدة. أغلب المتاجر الصغيرة أغلقت، منذ الساعة الحادية عشر صباحا، سوى متجر من نوع خاص بقي مفتوحاً: حائط علقت عليه شهادات جامعية لعاطلين عن العمل وكتب عليه "نقطة بيع شهادات عليا".

قبل أربع سنوات ونصف، أقدم شاب محبط في مدينة سيدي بوزيد على حرق نفسه احتجاجاً على البطالة وأوضاعه الاجتماعية السيئة ليفجر انتفاضة انتهت بإطاحة الرئيس السابق، زين العابدين بن علي، في يناير/كانون الثاني 2011.

وتمكنت تونس خلال السنوات الماضية من إكمال انتقالها الديمقراطي بانتخابات حرة ودستور جديد وتوافق بين الخصوم العلمانيين والإسلاميين. لكن كثيراً من التونسيين لا يشعرون بتحسن الأوضاع الاجتماعية، بل يقرون بأن أوضاعهم الاجتماعية ازدادت سوءاً مع تفاقم البطالة.

وارتفعت معدلات البطالة في تونس إلى 15% حاليّاً من حوالي 11% في 2010. وكان التهميش ونقص التنمية والبطالة من الدوافع الأساسية للانتفاضة التي أنهت 23 عاماً من حكم بن علي.

في المتلوي، الواقعة على بعد حوالي 400 كيلومتر جنوب العاصمة تونس، كثير من الشباب والعائلات المعتصمة في خيام في حرارة تفوق 40 درجة، يقولون إنهم مستعدون للموت ولتفجير شرارة ثورة ثانية إن لم تتحقق مطالبهم في الحصول على شغل ينهي إحباطاً مستمراً منذ سنوات.

وأجبرت احتجاجات واعتصامات مستمرة، منذ أكثر من شهر، شركة فوسفات قفصة المصدرة للفوسفات على إيقاف الإنتاج وكل معاملاتها المالية لأول مرة.

وكانت تونس من بين كبار مصدري الفوسفات في العالم، لكنها خسرت موقعها لصالح منافسين مثل المغرب بسبب الإضرابات والاعتصامات المتكررة منذ الانتفاضة التي أطاحت زين العابدين بن علي في 2011.

وفي 2010، بلغ إنتاج تونس من الفوسفات 8.26 ملايين طن، بينما لم يبلغ إنتاجها منذ 2011 إلى الآن سوى 11.2 مليون طن في أربع سنوات ونصف، في حين بلغت خسائر البلاد من نقص إنتاج الفوسفات ملياري دولار في أربع سنوات.

وفي خيمة نصبت أمام شركة فوسفات قفصة في المتلوي، يروي عاطل عن العمل منذ تسع سنوات معاناته التي قادته إلى اعتصام وإضراب عن الطعام للمطالبة بحقه في التشغيل.

يقول زياد سالم، الحاصل على شهادة في تدريس الرياضيات: "ليس أمامنا أي فرص. لقد اشتغلت في التهريب فمنعوني. بعد الثورة، كان لدينا حلم، لكنهم الآن سرقوا حلمنا وحياتنا وطموحنا".

ويضيف زياد (33 عاماً): "إذا لم يوفروا لنا شغلاً بسرعة، سنجعل حياتهم أكثر سواداً من حياتنا وسنطردهم مثلما طردنا بن علي من قبل".

نصبت الخيام في المتلوي، في كل مكان، حتى أمام البيوت. وتعهد مئات المعتصمين من النساء والرجال بتصعيد احتجاجاتهم في مرحلة لاحقة إذا استمر تهميشهم وعدم توفير استثمارات ووظائف لهم.

لكن توقف الإنتاج بسبب الاحتجاجات قد يزيد من معاناة المنطقة المهمشة، خصوصاً أن قطاع الفوسفات يشغل حوالي 30 ألف موظف.

اقرأ أيضاً: تونس: مطالبات عمالية بزيادة كبيرة في الرواتب والحكومة عاجزة

وقال جلال تباسي، وهو نقابي: "الأمر كارثة حقيقية.. هناك مشاكل المحتجين، ولكن، أيضاً، حوالي 30 ألف عائلة في قطاع الفوسفات قد تجد نفسها ضمن العاطلين إذا استمرت الأزمة".

وأضاف: "الدولة تخلت عن دورها في المنطقة. الناس هنا ينتظرون بارقة أمل. يتعين إطلاق مشاريع تنموية حتى تثق الناس في الحكومة، لأنه دون ذلك يبدو أن الانفجار الاجتماعي سيكون قريباً".

لكن المسؤول الحكومي، لزهر العكرمي، قال، إن الحكومة لديها حزمة إجراءات ستعلن عنها لفائدة منطقة الحوض المنجمي، مطالبا بألا يصبح "الفوسفات رهينة" لدى المحتجين، لأنه ثروة وطنية.

ثورة جياع

وعلى خيامهم المغطاة بأقمشة قديمة وأعلام تونس الحمراء والبيضاء، كتب المعتصمون شعارات من بينها "الشغل أو الموت" و"التشغيل استحقاق ..كفانا وعوداً" و"إضراب الجوع ولا خضوع".

وامتدت الاحتجاجات والاعتصامات إلى كل مدن المنطقة المعروفة بمنطقة الحوض المنجمي، مثل أم العرايس والمظيلة والرديف.

وفي خطوة يائسة، أقدم منذ شهرين حوالي 20 شاباً من حاملي الشهادات العليا في مدينتي قابس وجبنيانة على الدخول في إضراب تام عن الطعام والشراب للمطالبة بالتوظيف.

ورغم أن الشباب في قابس أوقفوا إضرابهم، فإن آخرين في جبنيانة يواصلون الإضراب عن الطعام منذ شهرين رغم أن حالتهم الصحية تدهورت ونقلوا للمستشفى مرات عدة.

وفي الجنوب، أيضاً، أحرق محتجون في بلدة الفوار مركزاً للشرطة، واشتبكوا مع الشرطة، يوم الأحد، للمطالبة بفرص شغل، مما استوجب تدخل قوات الجيش في المدينة لإعادة الهدوء الحذر.

واحتجاجات الفوار تحد جديد يواجه الحكومة الائتلافية، التي تضم علمانيين وإسلاميين، والتي تواجه صعوبات اقتصادية وعجزاً كبيراً في الميزانية، إضافة إلى ضغوط المقرضين لخفض الإنفاق العمومي.

وفي مؤشر على توتر الأوضاع الاجتماعية، بشكل غير مسبوق منذ ثورة 2011، قال حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، ذي التأثير القوي في البلاد، إن "الوضع الاجتماعي ينبئ بانفجار وفوضى اجتماعية لن تستطيع السلطة كبح جماحها لأن الجوع كافر"، مضيفاً، أن "هناك بوادر انتفاضة ثانية".

لكن الرئيس التونسي، الباجي قايد السبسي، سارع بالرد على تصريحات العباسي، ورفض الحديث عن انتفاضة ثانية قائلاً: إنها بمثابة حلم لن يتحقق، متعهداً بأن تبذل الحكومة جهودها، لكنه شدد على أن الحكومة الحالية لا تمتلك عصا سحرية لتغيير الأمور بسرعة.

وقال عمار عمروسية، القيادي في حزب الجبهة الشعبية، ذات التوجهات اليسارية، إنه يتعين على الحكومة اتخاذ إجراءات ملموسة في الحوض المنجمي خلال اجتماعها المقبل، مهدداً بتصعيد التحركات إذا استمر الجمود.

وتابع: "الناس لا يمكن أن تنتظر إلى ما لا نهاية، والأمور قد تخرج عن السيطرة".

اقرأ أيضاً: تونس: قرارات حكومية لتهدئة غضب الجنوب

المساهمون