البطالة تحاصر التونسيين... رفع سن التقاعد يقلّص فرص العمل

30 نوفمبر 2017
الصورة
مظاهرة ضد البطالة في تونس (الأناضول)
تخشى الأوساط الاقتصادية في تونس من أن يفاقم رفع سن التقاعد إلى 62 سنة أزمة انحسار فرص العمل في ظل وضع معيشي صعب يقلص من عام إلى آخر إمكانيات النفاذ إلى سوق الشغل بسبب قلة فرص العمل المتاحة.

وبالرغم من أن الاتفاق النهائي حول رفع سن التقاعد لم يوقع بعد بين الحكومة والنقابات العمالية إلا أن مصدرا حكوميا، رفض ذكر اسمه، أكد لـ "العربي الجديد" أن الأمر شبه محسوم حيث لن يمانع الاتحاد العام التونسي للشغل في تطبيق هذا القرار بداية من سنة 2019 في إطار دعم إصلاحات الحكومة وتقاسم التضحيات بين مختلف الأطراف.

وتتبنى الحكومة خطة لرفع سن التقاعد إجباريا إلى 62 عاما واختياريا إلى 65 عاما في إطار برنامج لترميم العجز المالي المتفاقم لصناديق المعاشات الذي يتوقع أن يصل خلال الثلاث سنوات المقبلة إلى 50%، حسب تقارير حكومية.

وتريد الدولة توظيف المساهمات الجديدة على أساس مواجهة أزمة هذه الصناديق التي تشكو عجزا ماليا يفوق حاليا 1.9 مليار دينار (791 مليون دولار)، وفق البيانات الرسمية.

ولتحسين مساهمة الملتحقين حديثا بسوق العمل في الصناديق الاجتماعية، قال وزير التكوين المهني والتشغيل فوزي عبد الرحمان إن الوزارة تخطط بداية من العام القادم للاستغناء عن كل أشكال التشغيل الهش وترسيخ ركائز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، كرافعة للاقتصاد الوطني، مؤكدا أنه خلافا لما يقدمه معهد الإحصاء عن عدد العاطلين من العمل الذي يقدره بـ 620 ألف عاطل، فإن المسجلين في مختلف مكاتب التشغيل كباحثين عن عمل يقدر بـ188.349 طالب شغل حتى يوم 25 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي.

وقال الوزير أمام البرلمان أثناء مناقشة الموازنة، هذا الأسبوع، إنه تم تشغيل 18273 عاطلا من العمل من بينهم 10175 امرأة، مشيرا إلى أن القدرة التشغيلية للنسيج الاقتصادي التونسي تقدر بـ 35 ألف موطن شغل.

وأوضح خبراء اقتصاد لـ"العربي الجديد" أن استمرار الأزمة الاقتصادية وانعكاسها السلبي على مختلف القطاعات الإنتاجية، بالإضافة إلى رفع سن المعاش، ستساهم في تصاعد حدة البطالة بين التونسيين.

ويبدي الاتحاد العام التونسي للشغل تحفظات حول حزمة الإصلاحات، ومن بينها مسألة الاقتطاعات المعلنة في الأجور لتخفيف الأعباء الثقيلة على الصناديق الاجتماعية، فضلا عن اقتطاعات على مداخيل الموظفين بعنوان مساهمات استثنائية لدعم موارد الدولة المالية.

وفي هذا السياق، قال عضو المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل عبد الكريم جراد لـ"العربي الجديد" إن تفاقم أزمة الصناديق الاجتماعية يعود إلى تدهور المؤشر الديمغرافي بسبب ارتفاع نسبة المحالين على التقاعد مقابل انخفاض نسبة المساهمين الجدد.

وأضاف جراد أن حزمة الإصلاحات التي اقترحتها الحكومة لإصلاح أنظمة الضمان الاجتماعي ومن بينها الزيادة في سن التقاعد، يجب أن تكون مشمولة بفتح آفاق للشغل أمام الوافدين الجدد على سوق العمل سواء في القطاع الحكومي أو الخاص، معتبرة أن أنظمة الضمان الاجتماعي دورة لا يمكن أن تتحقق إلا بالتوازن بين عدد الوافدين والمغادرين لسوق الشغل.



وانعكس تباطؤ النمو الاقتصادي في البلد خلال السنوات السبع الأخيرة على وضعيات تلك الصناديق بعد أن باتت ترزح تحت وطأة عجز مالي كبير، إلى درجة أن الأوساط الاقتصادية تتحدث عن إفلاسها.

وبالرغم من أهمية إيجاد الحلول لضمان التوازنات المالية لصناديق المعاشات عبر رفع سن التقاعد، إلا أن خبراء الاقتصاد يعتبرون أن لهذا الإصلاح وجها ثانيا وهو تمديد سياسة الأبواب الموصدة في وجه الوافدين على سوق الشغل، معتبرين أن التمديد في سنوات عمل الموظفين يعني عدم فتح باب الانتدابات لسد الشغورات التي يخلفها المغادرون للمعاش بمختلف أصنافهم.

وأكد الخبير الاقتصادي رشيد تمر أن الحكومة تبحث عن متنفس عبر رفع سن التقاعد على حساب سوق الشغل في ظل العجز عن ضخ مزيد من الأموال من ميزانية الدولة لفائدة صناديق المعاشات، مشيرا إلى أن تأجيل التقاعد سنتين يساوي مزيدا من تحصيل المساهمات بعنوان التقاعد التي تقتطع من الأجر الخام للأجراء سواء في القطاع الحكومي أو الخاص.

ولفت تمر في حديث لـ"العربي الجديد" إلى أن مساهمات الأجراء المشرفين على التقاعد أكبر بكثير من مساهمة المنتدبين الجدد من الشبان بحكم مراكمة سنوات العمل، فضلا على أن أشكال التشغيل الهش التي تعتمدها الحكومة غالبا ما تكون معفية من المساهمات بصندوق التقاعد، موضحاً أن هذا الاختلال في منظومة المساهمات ولد ضغطا كبيرا على الصناديق الاجتماعية انتهت باقترابها من العجز على صرف المعاشات.

وقال الخبير الاقتصادي إن رفع نسب النمو وتحويل الدولة للأموال التي يقع ضخها سنويا لإنقاذ الصناديق الاجتماعية نحو المشاريع التنموية سيساهم في حلحلة أزمة البطالة في البلاد. وشدّد على أهمية توسيع قاعدة المساهمين في الصناديق الاجتماعية وتحسين التشريعات الحالية لضمان ديمومة أنظمة المعاش وفق تقديره.

وحسب القانون التونسي، يقع احتساب معاشات التقاعد عند المغادرة على قاعدة الأجر الأعلى الذي تقاضاه الأجير خلال السنوات العشر الأخيرة من مدة مساهمته وهو ما يجعل الحكومة تتبنى خيار الرفع في سن التقاعد للانتفاع بالمساهمات لمدة سنتين إضافيتين وتأجيل دفع المعاشات خلال ذات المدة.

ووفقاً لدراسة لمركز الدراسات الاجتماعية لاتحاد الشغل، يبلغ معدل مدة الانتفاع بالمعاشات لدى التونسى بـ22 سنة وارتفع من 57.8 سنة عام 1976 إلى 75 سنة حاليا.

وينتقد مراقبون في تونس ضعف التغطية الاجتماعية للمنتدبين الجدد، معتبرين أن التوظيف غير القانوني، أفضى إلى تدهور الوضعية المالية لصناديق التقاعد والتغطية الاجتماعية بسبب تراجع عدد المشتركين، مقابل ارتفاع عدد المنتفعين بالمعاشات.

وأكدت دراسة مركز البحوث، أن نسبة التشغيل غير المنظم بلغت نحو 32% من إجمالي الوظائف التي يوفرها الاقتصاد التونسي حتى نهاية عام 2016، وتلك نسبة تعادل أكثر من مليون عامل، معظمهم من فئة الشباب ولا يتمتعون بالتغطية الاجتماعية.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن عجز الصناديق الاجتماعية سيتفاقم خلال السنوات المقبلة، إذا لم يتم إيجاد حلول عاجلة وجذرية، ما يفسر تعجيل الحكومة الإعلان عن رفع سن التقاعد حتى تخفف العجز المتوقع خلال ثلاث سنوات بنسبة 50%.

وتشير التقديرات إلى أن عدد المغادرين للتقاعد في الفترة بين عامي 2017 و2019 سيبلغ نحو 50 ألف موظف في القطاع الحكومي.