البزق الكردي

البزق الكردي

13 أكتوبر 2014
+ الخط -
بثّت وسائل إعلام محلية، قبل يومين، مشاهد فيديو من داخل شوارع مدينة عين العرب (كوباني)، قد تكون أكثر ما تجسد رموز معركة "ستالينغراد أكراد سورية". التسجيل بالصوت والصورة، يأخذ المشاهد من الشوارع النائية، إلى داخل مبنى يتجمع فيه عدد من جرحى المقاتلين الأكراد ضد تنظيم "الدولة الإسلامية".

أحد هؤلاء مستلقٍ ومضمّد في كل أنحاء جسمه تقريباً، لا يئنّ ولا ينوح، بل يبدو سعيداً لأن يديه نجتا من الإصابات، فيظهر حاملاً آلة البزق الكردية، يعزف عليها ويغنّي. طبعاً، بساطة اللقطة وعفويتها لا تعطيها ما يكفي من الوزن السياسي لتتصدر تعليقات صحف العالم المتفرج على المأساة. لكن أغلب الظنّ أن هذا التسجيل القصير يحمل من الرمزية ما يجعله، بالنسبة لمن يفكر ملياً في اللقطة، يحتل مكانة جد متقدمة في فهم سوسيولوجيا المعركة السورية الأشرس حالياً.

تجرّد اللقطة مشهد معركة عين العرب من كل تعقيداتها، إذ تُظهر جولة الكاميرا في شوارع المدينة المهدمة، كيف أن عين العرب هي "أكثر مدينة كردية في سورية"، لناحية أن الوجود العربي يكاد يكون معدوماً فيها، وهي التي يقول السوريون إنها لطالما كانت، هي وتدمر في بادية حمص، رمزين لـ "نفي" موظفي الحكومة السورية في التشكيلات الإدارية والعسكرية.
يخرج البزق الكردي من الكادر ليختصر الروح المعنوية التي تقود الأكراد في قتالهم، وهي التي تعكس التناقض العمودي بين الأكراد وأعدائهم من "داعش". فالبزق الكردي أحد رموز القومية الكردية، وهو يختلف حتى عن البزق التركي المعروف، وعن البزق اليوناني والعربي وإن بنوتات قليلة.

المهم هنا هو ما يوحي به البزق: هو رمز للقومية الكردية التي يكرهها مقاتلو التنظيم الإسلامي، مثلما يكرهون كل قومية وكل حدود وكل هوية وطنية... مثلما يكرهون كل شيء، وخصوصاً الموسيقى العزيزة على قلوب الأكراد على كل حال.
تذكّر لقطة المقاتل الكردي الجريح العازف على آلته، بمشاهد المقاتلين الإيطاليين وقيثاراتهم في الحرب العالمية الثانية. صحيح أنه لا إمكانية للمقارنة بين شراسة المقاتلين الأكراد الأسطورية، و"نعومة" الإيطاليين، لكن الرسالة تبقى واحدة: مثلما لا يمكن للموسيقى أن تموت، كذلك لا يمكن لظلمة "داعش" أن تنتصر أبدياً.

المساهمون