البريكوِل... العودة إلى الأصل وقراءة الماضي

16 يوليو 2019
الصورة
الماضي يجيب عن سؤال لماذا حدث ما حدث؟ (Imdb)
اشتعلت مواقع أخبار الترفيه بكلمات ج .آر .آر مارتين، وهو يصف الجزء الجديد من سلسلة "لعبة العروش"، الذي سيكون "prequel"؛ أي شكل فنيّ يتناول الأحداث السابقة للعمل الأصلي. قال مارتن إنه وشركة "HBO" يجهزان لمسلسل تدور أحداثه قبل 5 آلاف عام من تاريخ المسلسل الذي نعرفه. وسيحمل اسم "العصر الذهبي للأبطال"، وأكّد أن عائلة "ستارك" ستكون موجودة، كما أن الكائنات الأسطورية التي ذكرت في الكتاب ستحضر، كالماموث والمستذئبين. لكن هذه المرة، لن يكون هناك تنانين.

ليست المرَّة الأولى التي يقوم فيها استديو أو شركة إنتاج بإعادة إطلاق مسلسل أو فيلم، عبر العودة للأصول والحكايات الماضية التي أسَرَت المتابعين. فالأمر تجاريّ بحت في الكثير من الأحيان، كما حصل مع سلسلة "X-Men"، والأفلام الجديدة التي تعود إلى طفولة الأبطال الخارقين، وبداية تأسيس الأكاديميّة الخاصة بالأطفال الموهوبين. فالسلسلة التي أطلقتها "مارفل" منذ عام 2011 وصِفَت بأنها أقل مستوى من الأصليّة. لكنها ترضي رغبة المشاهدين بمتابعة أبطالهم على الشاشة، ومعرفة أكبر قدر ممكن من قصص حياتهم.

هذا الهوس بماضي الشخصيّات يأتي في كثير من الأحيان للإجابة عن تساؤلات المعجبين، بل واختبار مدى معرفتهم بشخصياتهم المفضلة، ومساءلة طبيعة التوقعات التي رسموها عن أسباب تصرف أبطالهم بالشكل الذي يعرفونه. خصوصاً أن الفيلم، أي فيلم، ليس إلا جزءاً من حكاية كبرى، يقوم عادة الممثل بالتعاون مع المخرج ببنائها كي يتمكن الممثل من أداء الشخصيّة وتصديقها. وحين نعود للماضي، يتحول هذا البحث إلى شكل فنيّ، كحالة "وولفرين" وبحثه عن أصله حين فقد الذاكرة، لنكتشف معه تاريخه الشخصيّ في فيلم "وولفرين - الأصل" (2009).

هذه الحكايات عن الماضي التي تشبه رغباتنا بالإجابة عن سؤال: لماذا حدث ما حدث؟ أو كيف انتهى الأمر بفلان بهذا الشكل؟ قد تتحول إلى مسلسلات بأكملها، تكشف لنا عن الصراع الماضي، ذاك الذي نعرف نتيجته، وتغيب عنا تفاصيله، كما في مسلسل "غوثام" الذي تبثه "نتفليكس"، والذي يحكي لنا عن المدينة التي ظهر فيها "باتمان" و"الجوكر" والبطريق والمفتش هارفي، وتاريخهم قبل أن يصبحوا بالصورة التي نعرفهم بها. إذ نراهم أشخاصاً تعرضوا لصدمات وأزمات نفسيّة متنوعة، لا معاتيه ومجانين يريدون تفجير المدينة وتخريبها.

تخاطب "البريكوِلز" أيضاً مخيلة المشاهدين، وتحرِّك فيهم النزعة لاكتشاف الأخطاء والتناقضات بين الحكاية الماضية وبين "الحاضر"، فكيف قتلت "جين غراي" في "إكس مين" الجميع؟ ما هو السبب في تحولها إلى "الفينيق الداكن"؟ هذا ما يحاول الفيلم الصادر هذا العام الإجابة عنه. مع ذلك، تركنا أمام كم كبير من تعليقات المعجبين المتعلقة بالفجوات في الحبكة وتطور الشخصيات، فكيف لا تبدو الشخصيات أصغر بالعمر، كشخصية ماغنيتو، الناجي من "الهولوكست"؟ فشكله بين الأربعينيات والثمانينيات من القرن العشرين لم يتغير.

تقليد العودة للماضي ليس جديداً في عالم الأدب والفنّ، فشكسبير في مسرحياته التاريخيّة كريتشارد الثاني، يكشف لنا عن جوانب خفيّة من ريتشارد الثالث، وكأن الفن والأدب يحوي نزعة لقراءة تاريخه الشخصيّ وحكاياته إعادة بنائها، بل وبإمكاننا نحن أن نعيد ترتيب بعض الروايات والقصص ضمن ترتيب زمنيّ يكشف لنا الماضي. كأن تتحول "أوديسة" هوميرس إلى "بريكوِل" لأوديسة نيكوس كازنتزاكيس، والإلياذة إلى "بريكوِل" لإليادة فرجيل.

هذه العلاقة مع الماضي مرتبطة بالشكل الفنيّ وأسلوب تلقيه، وقدرة كل وسيط على احتواء الحبكة والعناصر المهمة فيها، ففي التقليد المسرحيّ حكاية أوديب أطول من المسرحيّة الأولى لسوفوكل، أما الماضي فنكتشفه على لسان الشخصيات، لا كأحداث تقع على الخشبة أمامنا. في ذات الوقت، هناك الكثير من الأحداث التاريخية والحكايات التي تهملها المسرحيّة والتي تفسر لنا لعنة سلالة أوديب وأسرته ومن هو حوله، وهنا يظهر العمل الفني بوصفه أسلوباً للاقتباس، سواء من تاريخ الفن، أو الواقع، أو حتى تاريخ العمل نفسه. هذا الاقتباس من الماضي يكشف السياسات التي ظهر فيها العمل الأصلي، وكيف تم "الاختيار" سواء جمالياً أو سياسياً، فمسلسل غوثام، الذي يسبق أحداث بات مان، يكشف لنا عن موقف من المرض العقلي، وينتقد ويشير إلى التنمر الذي يتعرض له المصابون بالاضطرابات، وكيف يمكن أن يؤدي ذلك إلى تحولهم لمجرمين خصوصاً في ظل غياب المؤسسة الطبيّة المنصفة.
تعليق: