البرنامج الوطني والنضال اليومي

26 يوليو 2020
الصورة
الاستيطان يقضم مسحات من الضفة الغربية (Getty)

يواجه الفلسطينيون تحديات كبيرة وخطيرة على الصعيدين الخاص والعام، أي على المستوى الوطني العام وعلى مستوى التجمعات الفلسطينية العديدة داخل وخارج فلسطين. وهو ما دفع البعض إلى التقليل من أهمية نقاش وتعديل البرنامج الوطني الآن، من أجل تكثيف الجهود على الساحات النضالية اليومية الخاصة والعامة، إذ يعتبر البعض أن نقاش البرنامج الوطني الآن بمثابة مضيعة للوقت وهدر للجهود الوطنية في مرحلة تتطلب نضاليا فلسطينيا كثيفا. لكن نلحظ على الضفة الأخرى السياسية والاجتماعية والقانونية معوقات عديدة تحول دون ذلك، منها؛ على سبيل الذكر لا الحصر؛ حالة انعدام الثقة بين الشعب الفلسطيني وقياداته السياسية وصولا لفقدان الثقة بكامل الجسم السياسي الفلسطيني، بالإضافة إلى تخبط واضح في البوصلة النضالية الفلسطينية، التي تساهم في نفور فلسطيني من غالبية الدعوات النضالية المنظمة من قبل الإطار الرسمي الفلسطيني بشقيه الفصائلي والكياني؛ منظمة التحرير والسلطة؛ وهو ما أعتقد أنه يعود لأسباب متعلقة بقصور البرنامج الوطني الفلسطيني الراهن.

باتت جميع مطالب اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في دول الطوق اليوم بمثابة تدخل في شؤون الدول المضيفة

طبعا لا يعني ذلك إيقاف جميع أشكال النضال اليومية ذات الطابع المطلبي أو حتى الوطني داخل وخارج فلسطين حتى إقرار برنامج وطني جامع، بقدر ما هي إشارة وبحسم إلى مركزية البرنامج الوطني الجامع في حالتنا الفلسطينية، وهو ما يفرض علينا البحث والتداول بشأنه على التوازي مع مساهمتنا النضالية الميدانية الفعلية الوطنية منها والمطلبية. فقصور البرنامج الوطني الحالي والمتمثل بالبرنامج المرحلي وتبني حل الدولتين كسبيل وحيد لحل القضية الفلسطينية واستعادة الحقوق، قد انعكس على وحدة الشعب، نتيجة الانحراف الكبير في تعريف الشعب الفلسطيني واقعيا، أي بعيداً عن جمالية الجمل المنمقة. فسواء عنى مقرو البرنامج المرحلي ذلك أم لم لا، بات من الواضح بالنسبة لجميع الفلسطينيين اقتصار تعريف الشعب الفلسطيني على مواطني مناطق السلطة أو الأراضي المحتلة قبل عام 67 بأحسن حال. وعليه بات على اللاجئين خارج فلسطين وفلسطينيي 48 البحث عن مخارج ذاتية مجتزأة لأوضاعهم وأحوالهم، مخارج قد توفر لهم حدا أدنى من حقوقهم الإنسانية، ولو إلى حين آخر. وبالتالي فقد تحول النضال المطلبي اليومي إلى نضال مناطقي منفصل عن مجمل النضال الوطني، بصورة تتناقض مع الوعي السائد فلسطينيا، الذي كان وما زال يرى في النضال اليومي مقدمة ضرورية لتطوير النضال الوطني العام الهادف إلى استعادة كامل الأرض والحقوق.

إذ باتت جميع مطالب اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في دول الطوق اليوم بمثابة تدخل في شؤون الدول المضيفة، أو محاولة ضغط لتوطينهم، حتى لو كانت مطالب إنسانية محقة كحق العمل والتنقل والتعليم والاستشفاء، على اعتبارهم غير مشمولين بالمعادلة السياسية التي قد يفضي إليها حل الدولتين، واقتصر دور المنظمة والقوى الفلسطينية على مناشدة الدول المضيفة من أجل تحسن ظروف اللاجئين الفلسطينيين. وبالتالي فهم اليوم بمثابة حالة خاصة أو استثنائية تبحث عن مخرج مستقبلي واضح لها، سواء في الدول المضيفة أو في إحدى دول اللجوء والهجرة المعروفة. وكذلك في ما يخص نضالات فلسطينيي 48، التي بات البعض يدفعها باتجاه النضال من أجل حقوق المواطنة المتساوية فقط، حتى لو أضر ذلك بحقوقهم التي كفلها القانون الدولي، كالحق في العودة إلى قراهم ومدنهم وبلداتهم وممتلكاتهم التي هجروا منها، فهم اليوم بالتعريف الرسمي الفلسطيني مواطنون في دولة الكيان!

تحول النضال المطلبي اليومي إلى نضال مناطقي منفصل عن مجمل النضال الوطني

لذلك لا يصح اعتبار نقاش البرنامج الوطني بمثابة ترف فكري لا قيمة نضالية له، بل يجب أخده بجدية كبيرة، كونه في الحالة الفلسطينية تحديدا بمثابة الناظم شبه الوحيد لوحدة الشعب والقضية والأرض. فالقضية الفلسطينية قضية شعب طرد وهجر من أرضه، ومنع عن ممارسة أبسط حقوقه الفردية والجماعية، بما فيها حقه في تقرير المصير وبناء دولته الوطنية، وبالتالي فنحن شعب يمنع من العيش في كنف دولته الواحدة التي يفترض بها أن تجمع شمله، وهي حالة استثنائية نادرا ما حدثت؛ إن حدثت. لذا كانت القضية الوطنية بمثابة الوطن الجامع لمجمل الفلسطينيين، ويعبر عنها ببرنامج وطني واضح وصريح، يعبر عن وحدة القضية والشعب والأرض دون أي مواربة. من هنا يكتسب البرنامج الوطني بعداً تنظيمياً من ناحية وبعداً سياسية وهوياتيا من ناحية أهم وأجدى، وهو الإطار الأفضل لتوحيد الساحات والنضالات المبعثرة، وطنية كانت أم مطلبية.