البرلمان اللبناني يقرّ موازنة 2020... ماذا في تفاصيلها؟

27 يناير 2020
الصورة
جلسة واحدة أقر فيها النواب الموازنة الجديدة (موقع البرلمان)
+ الخط -
أقرّ مجلس النواب اللبناني، اليوم الاثنين، مشروع موازنة 2020، في جلسة تصويت سرّية بعد مناقشة علنية تخللها عرض لأبرز تفاصيل الموازنة، والتي وردت في تقرير لرئيس لجنة المال والموازنة، إبراهيم كنعان. فماذا في تفاصيل الموازنة الجديدة؟ 

الجلسة التي عُقدت على وقع هتافات المحتجين في الخارج، تأخر انعقادها قليلاً عن موعده ريثما اكتمل النصاب القانوني بحضور نواب من "كتلة المستقبل" التي يتزعمها رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، وكان لافتا فيها أن نواب "حركة أمل" و"حزب الله" لم يتحدثوا في جلسة نقاش الموازنة، بعدما أعلن رئيس المجلس نبيه بري (زعيم حركة أمل حليفة حزب الله) نية إنجازها في الجلسة الصباحية. 

كنعان كان قد استهل الجلسة بحضور 76 نائباً ورئيس الحكومة الجديد حسّان دياب منفرداً من دون أعضاء وزارته، بتلاوة تقرير اللجنة عن مشروع الموازنة العامة والموازنات الملحقة لعام 2020 (الصيغة الديناميكية)، وقال: "بين مستندات مشروع موازنة العام 2020 الموزع عليكم، تقرير مفصل عن هذا المشروع يتناول كل ما تضمنه من مواد قانونية، وتقدير للواردات، وتخصيص للاعتمادات، وما أجرته لجنة المال والموازنة على كل منها من تعديل وإلغاء وإضافة".

وتابع: "لن أتلوه حرفيا عليكم كما درجت العادة، إذ يمكن لمن يرغب في معرفة ما أجري بالتفصيل، إن لم يكن قد فعل ذلك، أن يعود إلى هذا التقرير، فيجده في صفحاته الاثنتين والعشرين".
وأضاف: "لبنان اليوم على مفترق مصيري على صعيد الوضع المالي برمته يتطلب من الجميع إخراج هذا الملف كليا من دائرة التجاذبات السياسية، وتسجيل المواقف، إلى العناية الفائقة، والمقاربات العلمية والجدية المسؤولة توصلنا إلى خطة إنقاذية فعلية وقابلة للتنفيذ بالتعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية".

قبل الثورة ليس كما بعدها 

وتابع: "وبالعودة إلى الموازنة، فنحن أمام مشروع أعد قبل 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019، وشكل إلى حد ما بداية انتقال جدي من نهج كلاسيكي قائم على تأجيل الإصلاحات البنيوية المطلوبة، والتخلف عن إجراء المسح الشامل لنفقات الدولة التشغيلية والاستثمارية، كما للقطاع العام على مستوى التوظيف والتعاقد وغيرها من التسميات المبتكرة خارج إطار القانون، كانت لجنة المال والموازنة قد كشفتها في تقرير مفصل وموثق، وهو ما يتكرر منذ سنوات، إلى انطلاقة، وإن خجولة، لهذا المسار الاصلاحي، عملنا وما زلنا في المجلس النيابي، لكي يصار إلى اعتماده من قبل الحكومات المتعاقبة".

واستدرك قائلاً: "لكن أحداث السابع عشر من تشرين الأول 2019 وانعكاساتها بدلت كثيرا بتوقعات وتقديرات مشروع الحكومة، فجاء تقدير واردات الموازنة العامة فيه بمبلغ 19815 مليار ليرة، أي بما يفوق تقدير نفقاتها بمبلغ 933 مليار ليرة. ولولا سلفة خزينة بقيمة 1500 مليار ليرة لمؤسسة كهرباء لبنان، لأمكننا القول إننا لن نضطر إلى الاقتراض خلال العام 2020".

وأردف أن واقع الحال تغير كليا بعد 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019 من عدة نواح:

1- تقدير نفقات الموازنة عالج شكليا مبلغ 5 آلاف مليار ليرة بالتفاهم مع مصرف لبنان وجمعية المصارف ينتهي مفعوله بانتهاء العام 2020، ليعود هذا المبلغ فيظهر في مشروع موازنة العام 2021.

2- تقدير الواردات انخفض - حسب تقدير وزارة المال في اللجنة - إلى 13325 مليار ليرة، أي بنقص يبلغ 6491 مليار ليرة.

3- هذه الواردات المعاد تقديرها لا تكفي حتى لتغطية أربعة أنواع من النفقات الحتمية البالغ مجموعها 14454 مليار ليرة، وهي: الرواتب والأجور، المنافع الاجتماعية، خدمة الدين العام، والمساهمة للرواتب والأجور في المؤسسات العامة.

4- التفاهم مع مصرف لبنان وجمعية المصارف حصل قبل السابع عشر من تشرين الأول، إذ في حال عدم الالتزام بهذا التفاهم، كان العجز سيرتفع إلى أكثر من 12 ألف مليار ليرة.

وأمام هذا الواقع، كانت لجنة المال والموازنة أمام خيارين: إما الانكفاء، وبالتالي اقتراح رد مشروع الموازنة لإعادة النظر به من قبل الحكومة الجديدة، أو حتى من قبل حكومة تصريف الأعمال. أو القيام بدور استثنائي ومسؤول على هذا الصعيد، لا سيما في ضوء استقالة الحكومة ودخول لبنان في نفق تصريف الأعمال، ما يعني استحالة إعادة النظر بمشروع الموازنة.



4 محاور لمقاربة موازنة 2020

وأوضح أن اللجنة قاربت مشروع موازنة 2020 على 4 محاور:

1- الطلب من وزارة المالية وضع تقدير واقعي بعد 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019 عن الواردات المرتقبة خلال العام 2020.

2- التأكد من استمرار الالتزام بالتفاهم الحاصل مع مصرف لبنان وجمعية المصارف.

3- العمل على إجراء تخفيض على الاعتمادات المقدرة في مشروع الموازنة.

4- إضافة عدد من المواد القانونية الاستثنائية على مشروع الموازنة تندرج في قسمين: الأول إصلاحي بنيوي يحمي المال العام ويعزز الرقابة على الإنفاق، والثاني اجتماعي استثنائي يعالج تداعيات الأزمة على عامة المواطنين. فكان أن وضعت وزارة المالية تقديرا جديدا للواردات المرتقبة، فبلغ 13325 مليار ليرة كما سبقت الإشارة.

كما عقدت اللجنة جلسة بحضور حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس جمعية المصارف سليم صفير، تم التأكيد أثناءها على الالتزام بالتفاهمات الواردة في المشروع، مع الإشارة إلى قلق، عبرت عنه جمعية المصارف، يتعلق بقدرتها على الالتزام بالجزء المتعلق بها بسبب الظروف المستجدة. ووضعت اللجنة اقتراحا لتخفيض مبلغ 984 مليار ليرة، استقر نهائيا بعد الأخذ بملاحظات وزارة المال على 720 مليار ليرة.

وذكر بأن "المالية العامة" لا يمكن أن تستمر في العمل على نسق قد لا تكون فيه الواردات المعاد تقديرها واقعية أيضا، في ضوء الانكماش الاقتصادي وربما عدم القدرة على السداد من جراء الإجراءات المصرفية المعتمدة في توفير السيولة لعملائها، حتى بالليرة اللبنانية.

عملية تجميلية للنفقات

ولاحظ أن التفاهم مع مصرف لبنان وجمعية المصارف أجرى عملية تجميلية موقتة للنفقات ينتهي مفعولها بعد سنة، مشيرا إلى أن 
الإجراءات المعتمدة في تقسيط تعويضات الصرف على مدى 3 سنوات هي من قبيل الهروب إلى الأمام. كما أن وقف التوظيف لم يحد من التحايل عليه عن طريق بدلات الأتعاب والدراسات، ولم يصل إلى حد صرف أي شخص من أصل 5 آلاف تم توظيفهم خلافا لأحكام القانون، فيما لا يزال ترشيد الإنفاق من التوصيات والأمنيات، إذ أن مسؤولينا يفتقرون إلى ثقافة ترشيد الإنفاق وشد الأحزمة.
وأضاف، والحديث لكنعان، أنه "لا يمكن الاستمرار في التعامي عن الهدر من جراء عدم حل مشكلة الكهرباء منذ العام 2011 مهما كانت الأسباب، ولا عن التلزيمات بآلاف المليارات من الليرات في مجالات الطرق والصرف الصحي، وإذا بالوقائع تكشف أن التنفيذ غير سليم وأن من كلف بالمراقبة ربما تواطأ مع المتعهد على حساب المال العام.

واعتبر أنه "لا يمكن الاستمرار في تجاهل حل مسألة الحسابات المالية، لأنها الطريق الوحيد لمعرفة مدى الالتزام بإجازتي الجباية والإنفاق ولإبراء الذمة. ولا يمكن أيضا التغاضي عن عدم وضع قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص موضع التنفيذ. كما لا يمكن الاستمرار باعتماد سياسة الفوائد المرتفعة بهدف استقطاب الودائع المصرفية، لأن هذه السياسة ستجعل وارداتنا الذاتية عاجزة حتى عن تغطية خدمة الدين العام، التي يتوقع، في ضوء أسعار الفوائد الحالية، أن تصل إلى حوالى 12 ألف مليار ليرة عام 2021".

6 توصيات

وتابع أن "كل ما تقدم، لا سيما الحلول التي نقترح، شكل مضمون التوصيات المرفقة مع تقرير اللجنة والتي يمكن اختصار عناوينها بالآتي:

1- إقرار موازنة 2020 ضمن المهلة الدستورية لأول مرة منذ سنوات.

2- التقيد بسقف الاعتمادات وتطبيق الإصلاحات الواردة فيها وفي التوصيات.

3- وضع خطة حكومية إنقاذية محورها الأساسي معالجة عجز الكهرباء من خلال احترام القوانين وقرارات مجلس الوزراء ذات الصلة، كما معالجة الوضع المصرفي من خلال تصوّر عصري متكامل يستعيد الثقة بهذا القطاع من جهة، مع ما يعني ذلك من تخفيض للفوائد، ويضع الإجراءات المصرفية تحت سقف قانون النقد والتسليف والتشريعات ذات الصلة، كما اضطلاع الحكومة بدورها في تحديد السياسات المالية بالتعاون مع الجهات المحلية والدولية والإسكانية والصناعية والزراعية من خلال رؤية اقتصادية شاملة من جهة أخرى.

4- وضع قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص موضع التنفيذ.

5- إنشاء الحكومة الإلكترونية، وإنهاء المسح الشامل للإدارة بهدف إعادة الهيكلة وفق حاجات المرحلة، بعيداً من الاعتبارات الطائفية والحزبية والانتخابية.

6- إقرار منظومة اقتراحات القوانين المتعلقة بمكافحة الفساد، من استرداد للأموال المنهوبة ورفع الحصانات والسرّية المصرفية والمحكمة الخاصة للجرائم المالية، في إطار واحد ومنسق محوره قانون الإثراء غير المشروع".

وخلص إلى القول "نحن في أزمة مالية بنيوية، وعلينا الاعتراف بذلك أولا، والعمل الجدي على المعالجة ثانيا. كفانا دفنا للرؤوس في الرمال، فهذه سياسة لا تبني أوطانا. لقد حاولنا بتصدينا لمشروع موازنة العام 2020 بالدرس والتعديل والإضافة أن ننير شمعة في سبيل معالجة الأزمة، إلا أن عملنا هذا لا يكفي ما لم يستتبع بخطة عاجلة للخروج من الأزمة وبلوغ بر الأمان. وهذه مسؤولية الحكومة مع استعدادنا للتعاون المطلق والمحاسبة".

المساهمون