البحث عن نهاية الاحتراب الداخلي في ليبيا

31 يوليو 2017
الصورة

هل تنهي وساطة ماكرون الاحتراب في ليبيا؟ (25/7/2017/فرانس برس)

كان احتراب الشعوب الداخلي يسمى الحروب الأهلية، وربما كان لفظ (الأهلية) في غير موضعه، وليس له موقع في عالم المعنى والبحث العلمي، فليست الحرب بين الأهالي والعوائل والطوائف شرطاً لكي نسمّي تلك الحروب أهلية، فهناك حرب أخرى، هي السياق الحقيقي لكل تلك الصراعات وهو توجيه دفّة الحكم، تلك الحروب التي نسيمها اليوم الحروب الداخلية، لنميزها عن الحروب بين الدول، هي أحد تجليات الصراع على السلطة في دول العالم الثالث، وقد عانت 102 دولة منذ العام 1964 إلى العام 2011 من الحروب الأهلية. 40 من هذه الحروب في أفريقيا، 20 في أميركا اللاتينية و18 في آسيا و13 في أوروبا و11 في الشرق الأوسط. هناك إجماع تقريباً حول تناقص عدد هذه الحروب وزمنها، بعد الزيادة الملحوظة التي حدثت في العام 1992، بعد نهاية الإمبراطورية السوفييتية.
في الصراعات التي شهدت تدخلاً دولياً، كان هناك تناقص في عدد الضحايا من ثلاثة ملايين بدون تدخل إلى مليون ونصف المليون بوجود تدخل أجنبي، وتناقص زمن تلك الحروب من عشرات السنين إلى معدل يصل إلى 3-4 سنوات. كما أن الحرب بالوكالة حصدت سبعمائة ألف. كل هذه الأرقام من العام 1964 إلى 2008. وفي مطلع العام 2012، هناك 15.2 مليون مهجر، و28.8 مليون نازح داخل وطنه.
هل يمكن لهذه الإحصاءات أن تعطينا نموذجاً هادياً لمسار الحرب الليبية التي عدّها متخصصون كثيرون نموذجاً من الحرب الداخلية التي تحولت حرباً بالوكالة؟ هذا ما نريد أن نجيب عنه في ضوء المتغيرات التي حدثت أخيراً، فقد شهدت ليبيا نهايةً للحرب في بنغازي، وبدأت مؤشرات تؤكد التحول نحو الاستفادة من مسار الحرب، بوصفها استمراراً للصراع على السلطة في واجهات سياسية أخرى. وتعني النهاية هنا، في هذا السياق، تناقص عدد القتلى بالمعدل السنوي الذي ارتفع بشكل ملحوظ في العام 2015، وأوصله بعضهم، وفق تقديرات مؤسسات ومنظمات حقوقية، إلى 12931 (منذ يونيو/ حزيران 2014 حتى ديسمبر/ كانون الأول، إلى يونيو 2015) من القتلى والضحايا، واختفاء ظاهرة النزوح والهجرة التي وصلت إلى أكثر من أربعمائة ألف نازح ومهجّر، حسب منظمة هيومن رايتس واتش، في تقريرها أمام المفوضية السامية لحقوق الإنسان قبل أيام، فضلاً عن بداية التهيؤ النفسي لمسارات أخرى، كإعمار بنغازي الذي قد يكلف خرينة الدولة الليبية مليارات، والحديث عن الانتخابات، فهل انتهت حقاً الحرب في ليبيا، وما هي المرحلة المقبلة التي تنتظر الثورة الليبية في سياقها الكلي؟

الحرب امتداد للسياسة
المطامع وليست المظالم هي دوافع الحروب الداخلية. وهذا تدل عليه حقيقة أن الدول الغنية
بالموارد مع وجود ضعف في الدولة تكون عرضةً أكثر من غيرها للحروب، واقتصاديات الحرب التي تنشأ لها علاقة بأطراف خارجية، تتأثر مباشرة بالعولمة الاقتصادية. ما يعني أن الحروب الداخلية تشكل فرصة لسماسرة الحروب، وأن استمرار الحرب هدف مستقل بذاته بالنسبة لهذه الأطراف الخارجية، وهذا ما يمكن أن نراه بوضوح في حالاتٍ، كما في سيراليون وليبيريا عام 1990. لذا، لا بد من البحث عن مسار تكوين الدولة لفهم هذه الظاهرة التي تشهدها ليبيا، وهي الجنوح إلى الحلول السياسية، من أجل الاستفادة من الحرب، ووضعها في سياق سياسي، وهو تكوين الدولة وفقاً لشروط الحرب، ومن جديد تلك الصراعات قبل أسابيع أن مناوشاتٍ سرعان ما انتهت، في منطقة القرة بولي، على مشارف العاصمة الليبية طرابلس، وعدّها بعضهم انتصاراً للمجلس الرئاسي على مناوئيه من حكومة الإنقاذ بقيادة خليفة الغويل، وهناك أحداثٌ لا تزال تشهدها بنغازي. لكن لا يمكن مقارنتها بما حدث في حمّى الحرب في العام 2014-2015، بعد إعلان عملية الكرامة، بقيادة الجنرال خليفة حفتر، وهي العملية التي كانت، بالمعنى العلمي، بداية للاحتراب الداخلي، لأنها وفرت كل الشروط التي تتسق مع الحروب الداخلية، من انقسام سياسي وعسكري، واستخدام موارد البلد الواحد في الحرب الدائرة، ووجود قتلى من طرفي الحرب قدّر بألفٍ في السنة، وكان كل طرف في بنغازي، من مجلس الشورى وكتائب عملية الكرامة التي يطلق عليها الجيش الوطني الليبي من جهة، والقوات الخاصة، وكتيبة الإسناد، وكتيبة أولياء الدم، وكتيبة التوحيد السلفية، من جهة أخرى، قادراً على أن ينال من الآخر (اشترطت دراسات أن ينال كل طرف من الآخر مائة قتيل كما يشترط بعضهم) خلال المدى الزمني للمعارك التي تحدث في الحرب الداخلية في العامين 2015 و2016.
يجعلنا هذا الإطار نضع ما قام به رئيس المجلس الرئاسي، فايز السراج، من إعلان عن خريطة طريق في 16 يوليو/ تموز الجاري، ومضمونها إعلان انتخابات رئاسية وبرلمانية في مارس/ آذار من العام 2018، وكذلك توجه لجنة الحوار التي شكلها البرلمان الليبي في الشرق، والمجلس الأعلى للدولة في الغرب في لاهاي، قبل ثلاثة أيام من إعلان السراج عن خريطته والتي ناقشت تعديل الاتفاق السياسي، وكذلك مستقبل المجلس الرئاسي، والمادة الثامنة من الاتفاق السياسي المتعلقة بالمناصب السيادية في الدولة. وفي السياق نفسه، نجد توجه بعض الشخصيات الليبية إلى الحديث عن جاهزيتها للعمل والترشح للانتخابات، والمبادرات التي تحاول أن تضع حلاً للأزمة السياسية التي تعانيها الدولة تقدّمها مؤسسات وأحزاب وحكماء ولجان للمصالحة. وأخيراً كان إعلان باريس في 24 يوليو الجاري في لقاء بين الجنرال خليفة حفتر وفايز السراج للاتفاق على مبادئ حاكمة الأمر. وبالفعل كان الاتفاق على إعلان انتخابات، كما هي مبادرة السراج، ووقف إطلاق النار وتوقيع اتفاق بين الطرفين على إنفاذ اتفاق الصخيرات الذي رعته الأمم المتحدة.

منحنى الحرب
تدلنا دراسات الحروب الأهلية على حقيقة مثيرة، هي أن الحروب التي تتجه فيها الأطراف
المقاتلة إلى المفاوضات بعد سنة من نشوب الحرب، لا تمتد، في الغالب، إلى أكثر من أربع سنوات (58% من الحروب التي خبرها العالم)، كما أنها تقول لنا إن الحروب التي تكون في سياق البحث عن السلطة، وليس لها جذور في بنية المجتمع، كوجود الطوائف والأعراق، والتي تسمى الحروب الأيديولوجية هي في الغالب قصيرة، وتنتهي في المدى الزمني نفسه، أي أربع سنوات، وذلك إذا افترضنا بقاء العوامل الخارجية بعيداً عن المعادلة، كالتدخل العسكري الإقليمي أو التدخل الدولي. وكان الحديث عن المفاوضات قد بدأ في ليبيا مبكراً، فقد بدأت عملية الكرامة في مايو/ أيار 2014، وبدأت أولى جولات الحوار في سبتمبر/ أيلول عام 2014، ثم كان هناك غدامس 2، والتقى المتحاورون في جنيف في يناير/ كانون الثاني 2015، وثانية في جنيف بعد عشرة أيام، واستمرت المفاوضات في ظل وجود صراع دام متصاعد، من جنيف إلى تونس إلى الصخيرات المغربية حيث وقعت أطراف الحوار على اتفاق الصخيرات في 17 ديسمبر/ كانون الأول عام 2015، ونشأت بعده ظاهرة يمكن تسميتها الحرب الثانية، وقد تكرّرت في تجارب كثيرة في الكونغو وليبيريا وسيراليون، وهي استئناف الصراع المسلح بعد الاتفاقات التي ترعاها الأمم المتحدة، وهذا ما حدث في ليبيا، فما أن وقع اتفاق الصخيرات، حتى صار الصراع يتمحور حول الاتفاق السياسي، وصار هناك أتباع للصخيرات ومعارضون. لذا حاولت أطراف أن (تختطف) الاتفاق بتعطيل المجلس الرئاسي المنبثق عنه، والاستمرار في الصراع المسلح الذي دار حول الهلال النفطي والجنوب الليبي، وانتهى إلى وضع مختلف في الجنوب، بسيطرة قوات حفتر على قاعدة عسكرية مهمة في المنطقة. واستطاعت في الوقت نفسه قوات البنيان المرصوص التي توصف بأنها تابعة للمجلس الرئاسي، السيطرة على مدينة سرت، ووجدت قوى مناوئة للاتفاق السياسي في المنطقة الغربية، فضلاً عن الجنرال حفتر، الذي رفض الاتفاق هو الآخر.
بعد أن أعلن حفتر "تحرير" بنغازي في الخامس من يوليو/ تموز الجاري، إلا أن سلوكه بعد ذلك بدا وكأنه يسعى إلى التحول نحو خيار الانتخابات، فبدأ بالظهور كأنه جزء من المشهد السياسي بتجاوزه مجلس النواب، وظهرت قوى عديدة معارضة لحفتر، خصوصا بعد تسريب أنباء عن اجتماع للقبائل في المنطقة الشرقية مع الجنرال حفتر، لم يجد فيها التجاوب المعهود معه من بعض القبائل المهمة في المنطقة. نحن هنا أمام مؤشراتٍ على نهاية الحرب: الأول متعلق بعدد القتلى، والذي وصل إلى مداه في منتصف العام 2015، وهذا يعني حالة من الإرهاق أصابت الجميع، فبمراقبة الأحداث، نجد أن الشارع الليبي لم يعد مهيَأً لسماع أعداد القتلى والجرحى، كما أن الرأي العام بات يبحث عن حل بأي وسيلة، وهذه ظاهرة متكرّرة، بل جعلها الباحثون من أسباب نهاية الصراع، هو الإرهاق والبحث عن ضوء في آخر النفق.
الموشر الآخر هو إنتاج النفط الليبي، وهو الذي انخفض بمعدلاتٍ متفاوتة، ارتبطت كلها بالصراع المسلح في الهلال النفطي، والصراع بشكل عام. نجد الآن أن إنتاج النفط الليبي قد عاد إلى مستويات سابقة، فقد وصل إلى أكثر من مليون برميل يومياً، وأن القتال توقف في أغلب المناطق، على الرغم من استمرار حصار مدينة درنة، والقصف الذي يقوم به الطيران التابع لعملية الكرامة على مناطق مرتفعة في المدينة، وقَصَف أخيرا مصيفا عائليا في مداخل مدينة درنة، من دون أضرار بشرية، كما أن بنغازي تشهد مناوشاتٍ مع من تبقوا من مقاتلي مجلس شورى بنغازي، وتشهد المدينة كذلك صراعات كثيرة بين مجموع الكتائب الموجودة في المدينة، لكن ذلك كله لا يقارن بالفترة التي كانت الحرب فيها مستعرةً، وتمثل النموذج الظاهر للاحتراب الداخلي في ليبيا .

سيناريوهات مقبلة
يوحي هذا المنحنى بأننا أمام نهاية للحرب في ليبيا، وأن الملف الليبي برمته صار دولياً، لكن سياق تكوين الدولة والمرحلة الانتقالية لا يزال طويلاً، فهناك فرقٌ بين انتهاء الحرب الداخلية
والمرحلة الانتقالية، فالتناقضات السابقة كلها مرشحةٌ لأن تكون في واجهة الأحداث. وكما هي التجارب السابقة في الحروب الأهلية، يعتقد المجتمع الدولي أن الانتخابات هي الحل، لذا كان الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، جذلان فرحاً بالاتفاق التاريخي الذي سينتهي بعقد الانتخابات في مارس/ آذار المقبل.
وعلى الرغم من أن الانتخابات لم تكن حلاً في أيٍّ من التجارب التي شهدت حروباً داخلية، لأنه كما بيّن إدوارد نيمان، المتخصص في الحروب الأهلية من جامعة كامبريدج وله عدة كتب في نقد الأمم المتحدة، أن هناك تصوراً خاطئاً لدى المنظمة الدولية بأن الإشكال الوحيد داخل هذه الدول هو السلطة، بينما يتناسى المجتمع الدولي السياق السياسي والمجتمعي، وغياب مؤسسات الدولة التي يمكن أن تحفظ الاتفاقات والبنود التي تكسب منها القوى الدولية نصراً دبلوماسياً، يجعلها أكثر فاعلية في المجتمع الدولي، كما الحال مع الرئيس الشاب ماكرون.
لذا، فإن عدة سيناريوهات سابقة طرحت بالنسبة إلى المشهد الليبي يبدو أنها بدأت في التراجع، فسيناريو الانقسام مثلاً لم يعد يحمل القدرة على تفسير المشهد، إذ إن محاربة حفتر الطرح الفيدرالي، وحرصه على المشاركة السياسية، التي ستكون عبر الانتخابات، تجعله يبحث عن استثمار الحرب التي دمرت بنغازي، ورقة سياسية ترشحه لرئاسة ليبيا بأكملها. في المقابل، هناك سيناريو آخر، أن تضم مصر شرق ليبيا وشمال السودان، وهو المطروح من المستشرق والمنظر برنارد لويس، في كتابه الصادر عام 2013، عن نهاية الحداثة في الشرق الأوسط قد فقد موجباته، مع أن بعضهم يجادل بأن القاعدة التي افتتحها الرئيس عبد الفتاح السيسي في منطقة سيدي براني أخيراً والتي عدت الأكبر في الشرق الأوسط، قد تكون فاتحة لاجتياح مصري لليبيا، لكن قوات "أفريكوم" التي تسيطر على الشرق الأوسط، وتتجه، في بعض الأحيان، إلى البحر الأحمر، لن تسمح بأي معادلةٍ قد تؤدي إلى اندلاع حربٍ في الشرق الليبي، ومن ثم في منطقة شمال أفريقيا، إذ إنه لا يمكن تصوّر أن يقبل الليبيون باجتياح مصري لأراضيهم، وخصوصاً أن البلاد قد دخلت في حالة من السكون، والتطلع نحو نهاية الحرب.
السيناريو الأقرب أن تظل الإشكالات المؤسسية والاجتماعية والقانونية قائمة في ليبيا، وأن حالة غياب الدولة ستستمر، وأن الانتخابات لا يمكن أن تحل الإشكالات القائمة في البلاد، وأن الاستقرار والسلام الدائم يجب أن يمر بمراحل، منها نهاية الحرب، ثم بناء مؤسسات الدولة، ثم الحفاظ على هذه المؤسسات التي يجب أن تكون قادرةً على حفظ السلام، أخشى ما نخشاه أن تكون الانتصارات الدبلوماسية وكسب الشرعية من خلال الانتخابات الوسيلة المقترحة لحل التناقضات الإقليمية والصراعات الدولية، ويبقى الشقاق والإشكالات العميقة للدولة الليبية، كما هو، وهذا هو النموذج الذي تعلمناه من الثورة الليبية، فبعد عمليات حلف شمال الأطلسي (الناتو) وإطاحة معمر القذافي، كان الكل يريد أن يستفيد من هذه النهاية، من دون أن يلقي بالاً لحجم التركة التي تركها القذافي، وكذا هم اليوم سيصنعون واقعاً صنعته أيدي الباحثين عن السلام. وتظل إشكالية الدولة والتاريخ، فضلاً عن الانقسام المجتمعي، والعنف الجمعي، والأزمة الاقتصادية الخانقة، والإحباط النفسي، وغياب العدالة، فضلاً عن الإنسان الذي شوّهته أيدي الطغيان والجهل، كما هي، فيترك الشعب يواجه مصيره، بعد أن ضمن كل مقعده ومصالحه من الأزمة الليبية.
(كاتب ليبي)