البحث عن مخرج من "عدم اليقين"

24 ديسمبر 2019
الصورة
شهد دور الشباب في العالم العربي تغيراً نوعياً وجوهرياً ملحوظاً، خلال المرحلة الأخيرة، خصوصا منذ إرهاصات الربيع العربي، إذ ثمّة توافق كبير، في أغلب التقديرات والتحليلات الموضوعية والمعارضة والسلطوية، بأنّ شريحة الشباب كانت المحرّك الرئيس للانتفاضات والاحتجاجات الشعبية العربية التي أطاحت حكاما عديدين، وأدّت إلى تغيير معادلات السلطة والقوة والأمن، بل في إعادة صياغة وتعريف مفهوم المجال العام في المنطقة، على حد تعبير الباحث الأميركي، مارك لينش.
لم يقتصر هذا الاهتمام الجديد في "ملف الشباب" العربي على الجانب السياسي، ولا حتى على ما يمكن ملاحظته بسهولة في التحوّلات التي حدثت في "السياسات العربية" تجاه الشباب في أغلب الدول، بل أيضاً هنالك صعود ملحوظ في الدراسات والمشروعات والمؤسسات المعنية بملف الشباب، على صعيد البحث والدراسات، وجدل معرفي بين الخبراء والباحثين في إعادة تعريف مفهوم الشباب، بوصفهم شريحة اجتماعية، أو موضوعاً من الموضوعات الدراسية، أو حتى حقلاً معرفياً وبحثياً جديداً نتيجة التحولات السياسية السابقة، بالإضافة إلى جملة من المتغيرات المجتمعية والاقتصادية والسياسية والثقافية التي تجعل من موضوع الشباب مجالاً بحثياً له خصوصيته وإطاره العام، على الرغم من حجم الفوارق والاختلافات الهائلة في أوساط الشباب اليوم.
بالنتيجة، نحن أمام تنامٍ ملحوظ في الدراسات والتقارير والأبحاث والاهتمامات السياسية في 
موضوع الشباب، يمكن أن يُلاحظ من خلال العديد من الدراسات والمشروعات المسحية والكتابات والأبحاث العلمية الجديدة التي بدأت تظهر في الأعوام الأخيرة، ومنها تخصيص تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2016، والذي حمل عنوان "الشباب وآفاق التنمية"، وكان بمثابة إنذار مهم أولي من معدّيه بضرورة العمل على تغيير السياسات الشبابية وتلك المحيطة بالشباب، ووصل التقرير إلى اعتبار طريقة التعامل مع ملف الشباب بمثابة "مسألة وجودية" بالنسبة للمجتمعات العربية!
ضمن هذا الاهتمام البحثي، بدوافع سياسية بالطبع، نقرأ الكتاب الجديد المهم الذي صدر أخيرا عن دار الساقي في بيروت "مأزق الشباب العربي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، تحرير يورغ غرتل، ورالف هكسل، لمصلحة مؤسسة فريدريش أيبرت الألمانية، وهي المؤسسة التي كان لها دور كبير في إنجاز هذا المشروع المعرفي، بالتعاون مع مؤسسات غربية أخرى، قبل قرابة ثلاثة أعوام، إلاّ أنّ النسخة العربية من الكتاب صدرت قبل أشهر، بعد الطبعة الإنجليزية، التي جاء عنوانها معبراً أكثر عن نتائج الدراسة الكلية "Copying With Uncertainty"، أي حالة عدم اليقين لدى الشباب في هذه المنطقة.
بنيت فصول الكتاب على دراسة مسحية شملت قرابة تسعة آلاف شاب عربي في ثماني دول (البحرين، لبنان، المغرب، الأردن، تونس، مصر، اليمن وفلسطين، بالإضافة إلى اللاجئين السوريين في لبنان)، ما بين الـ 16- 30 عاماً، وتناولت قضايا مهمة ورئيسية عديدة، ترتبط بموضوع الشباب العربي، مثل القيم والأولويات والتحديات والتدين والجندر والحياة المدنية وغيرها.
حاول مؤلفو الكتاب (مجموعة من الباحثين والمتخصصين من مؤسسات غربية وعربية متعدّدة، مع لجنة استشارية من خبراء معتبرين) الإجابة عن سؤالين رئيسين: كيف تبدو صورة الشباب العربي بعد خمسة أعوام على أحداث الربيع العربي (الدراسة أجريت بداية من صيف 
2016)؟ وكيف يستطيع الشباب العربي التكيف مع حالة "عدم اليقين" التي بدا واضحاً أنّه مفتاح لفهم الوضع العربي وهي مرتبط بالشعور بفقدان الأمان؟
يقدّم الكتاب صورة جديرة بالتوقف والتحليل عن معالم الحالة العامة للشباب العربي اليوم، من زوايا عديدة، لكن الغالب عليها الجانب السلبي فعلاً، وهو غياب اليقين المرتبط بفقدان الأمان على الصعيد الشخصي، سواء الوجودي أو الاقتصادي، والاجتماعي، وفي إطار العلاقة مع الدولة، وشيوع حالة من الإحباط والسلبية تجاه الوضع العام، خصوصا في الجانب الاقتصادي، إذ لا تتوفر فرص العمل، أو لا شعور بالأمن الوظيفي، أو حتى عدم القدرة على التكيف مع الأوضاع الاقتصادية، مع فقدان الثقة بصورة ملموسة بالحياة السياسية والنخب والأحزاب والقدرة على التغيير عبر العمل السياسي والعام.
ثمّة انعكاسات مهمة لهذه الظروف والأحوال والمشاعر على مختلف جوانب الحياة لدى الشباب، خصوصا في ترتيب القيم وأولوياتها، فنجد أنّ القيم التي تحكمهم بصورة مجملة وعامة هي أولاً الإيمان بالله، ثم تأمين الحياة المقبولة اجتماعياً، وأخيراً في ذيل الاهتمامات نجد المشاركة السياسية، وهو، وفقاً لمعدّي التقرير، يمثل انحداراً كبيراً في الثقة بالحكومات والعمل السياسي التقليدي. ولا تعني هذه النتيجة الاستسلام لحالة الإحباط بصورة عامة لدى الشباب، ففقدان الثقة في التغيير عبر العمل السياسي أو المشاركة السياسية مؤشّر على عدم صلاحية اللعبة السياسية القائمة، ولكن مقاومة الإحباط والشعور باليأس لن تكون فقط بالبحث عن فرص عمل أفضل، بل عن تغييرات سياسية هيكلية، وهو بالفعل ما بدأ يحدُث في انتفاضات الربيع العربي الأولى، ويتجدّد مع الموجة الحالية، ولكن منطق التغيير لدى الشباب سينحو نحو العمل الثوري 
والاحتجاجي بدلاً من الإصلاحي التقليدي، أو حتى التغيير السلبي عبر الإحجام عن المشاركة في الحياة السياسية، وبالتالي تجذير الأزمة القائمة اليوم في العالم العربي وعزلة السلطات والحكومات عن الشارع والمجتمع!
من ضمن النتائج المهمة في الكتاب ما يتعلق بمسوحات التديّن، وهي أيضاً ترتبط بالطرف الآخر من المعادلة في المشهد العربي، والمقصود حركات الإسلام السياسي، فبالرغم من أنّ التقرير يفيد بأنّ منسوب التدين بالإجمال ازداد بصورة ملحوظة في العالم العربي، إلاّ أن أنماط التديّن واتجاهاته اختلفت أيضاً بصورة جذرية، وتحوّلت من الوجهة الأيديولوجية التي ترى فيه حلاً للمشكلات السياسية، وتأخذ طابعاً جماعياً أو حركياً، إلى اعتباره شأناً فردياً للانضباط الفردي والذاتي، وهي نتائج مع المؤشرات الأخرى تتطلب وقفات ودراسات مفصّلة مستقلة أخرى!
إذن، نحن أمام تغييراتٍ عميقة وتحولات كبيرة في حالة الشباب العربي، وتبدّلات مرتبطة بمتغيرات عميقة، لكنها تؤكد جميعاً أنّ الشباب اليوم أصبحوا عاملاً رئيساً من عوامل التغيير وتحديد مستقبل المنطقة ومصيرها، على الرغم من حالة عدم اليقين أو الإحباط التي تحيط بهم، بل ربما هي التي تحرّكهم بحثاً عن مخرج!
تعليق: