البحث عن أيقونات نسوية

10 يوليو 2016
الصورة
لعبت النساء البدويات دوراً كبيراً في الحروب والغزوات(Getty)
+ الخط -
عندما توفي أمير طيئ، فارس المحمد العبد الرحمن عام 1947، احتفظت زوجته الشيخة عنود النايف (التي توفيت عام 1978) بالإمارة على منطقة الجزيرة السورية. طرحت الشيخة نفسها وصية على ابنها البالغ من العمر سنتين، وكانت من الذكاء بحيث احتفظت بمجموع الرأسمال الرمزي الذي كان يحتفظ به أمير القبيلة، فتقلّدت السيف المتوارث (سيف الأمير والد زوجها محمد عبد الرحمن) واحتفظت بالقمقم ودلة القهوة الكبيرة، وقِدر الطبخ الكبير، والذي يعد رمزا للكرم والضيافة. كانت العنود قد اعتادت على أن تجلس بالمضافة مع شيوخ عشائر طيئ، وتحكم في المخاصمات والمنازعات، وتتولى فعليا مسؤولية المواجهات والعلاقات مع المؤسسات الحكومية، وكانت شخصيتها طاغية على الجميع، مما عرّضها لمحاولة انتقام من أبناء عمومتها وغضب رجال آخرين.

لطالما تُصور المرأة البدوية، في معظم الأوساط العربية والإسلامية، بأنها المسجونة الممنوعة من ممارسة أي فعل أو دور قيادي لها داخل البيت أو خارجه، محرومة من الزواج بمن تختاره، متخلفة وأمية، كما رأينا مؤخرا البدويات المنقبات المُستضعفات في مسلسل "الدمعة الحمراء"، وهذا أمر لا يمت للواقع بصلة. في المقابل، تشيد الباحثة والمستشرقة الألمانية دوروتيا كرافولسكي بالمكانة الرفيعة للبدويات، خاصة الطائيات، وتراهنّ محط تقدير وإجلال؛ إذ لعبن دوراً كبيراً في الحروب والغزوات.

هذا التاريخ النضالي تتبناه شابات بدويات اليوم. فمن خلال الأحاديث التي أتبادلها مع كثيرات بخلفيات بدوية، خاصة اللواتي أكملن تعليمهن، ثمة إحالة لجزء كبير من نجاحهن إلى أصلهن البدوي، ذلك أن كثيراً من القيم والرموز البدوية ساهمت في بناء شخصيتهن لاحقاً. لا ينغص عليهن هذا الزهو، سوى الاتهامات العشوائية من بعض النسويات الداعيات إلى القطيعة مع التراث، فلدينا، برأيهن "ما يكفي من العقبات أمام تحرر المرأة اليوم!"، أو من قبل "السلفيين الماركسيين"، كما يدعوهم محمد عابد الجابري، مستنكرين عليهن هذا الانتماء. وشخصياً، لطالما سمعت العبارة التالية في كل مناسبة "كيف لا تشعرين بالخزي لكونك تنتمين إلى ثقافة متخلفة كثقافة البدو"، كما قابلت الكثيرين ممن ينكرون عليّ بدويتي، فلون بشرتي وشكلي لا يوحيان بذلك، على حد تعبيرهم.

ليس هذا الحديث توجهاً للزمن الماضي أو الميت أو ابتعاداً عن التركيز على معركة الحاضر والمستقبل النسوية، ذلك أن هذا الحاضر والمستقبل لا يستقيم بدون ماض. وهنا أستعير رد المرنيسي في كتابها "الحريم السياسي"، قائلة: "السفر في الماضي يفرض نفسه، ليس لأن الحج إلى مكة فريضة، بل لأن تحليل الماضي، ليس كأسطورة أو كملجأ، يصبح ضرورياً وحيوياً". ولماذا لا يطرح السؤال، طالما لا تزال شاشاتنا العربية تكرر الصور النمطية ذاتها في كل عام عن المرأة في المسلسلات التي تتناول المجتمعات البدوية؟

لذا الأحرى بنا بدلا من تنميط فئة مجتمعية معينة ووصمها بالجهل، التوقف والسؤال كيف نجحت عنود البدوية، في أن تتزعم عالما قبليا ذكوريا في التاريخ القريب، في الوقت الذي يعجز فيه الرجال؟ ولماذا لا نفكر جديا في استكمال رحلة المرنيسي في البحث عن أيقونات نسوية عربية ومسلمة قيادية منسيات حولنا، ومن ضمنهن النساء البدويات؟

يذكر تركي علي الربيعو في دراسته "الزواج كنسق سياسي في المجتمعات البدوية: قبيلة طيئ نموذجاً" حادثة لربما تروق لبعض "النقاد المعاصرين"، بأن المرأة البدوية لم تُمنع من البوح علنا بمشاعر الحب تجاه من تحب حتى ولو لم يكن من أبناء العمومة، حيث يعتبر الحب بشكل عام فضيلة تسعى إليها البنات مبكراً، وتقال فيه أجمل الأشعار الشعبية. لا، بل يضيف الربيعو، بأن "فتيات العشيرة يخرقن المحظور في العيد، حيث تخرج الفتيات علنا لتصافح الرجال تقبيلا أمام الأهل والعشيرة"، وهي عادة مازالت مستمرة حتى يومنا، في الوقت الذي اعتادت فيه نساء المدينة طويلا التخفي وراء الأبواب وعدم الاختلاط مع الرجال حتى وإن كانوا ضيوفاً.

المساهمون