البالاما: تحدّيات موسيقيّة وحضاريّة بـ3 أوتار

20 ابريل 2015
البالاما إرث أحمد الماجري ومستقبله (تصوير: نائلة الحامي)
+ الخط -

شاب في نهاية العقد الثاني من العمر، اختار آلة موسيقية جديدة على العالم العربي، درسها وتمكّن من تقنياتها، واختصّ في عزفها، ثم كوّن فرقة موسيقية هي مركزها، إنها آلة "البالاما"، ذات الجذور التركية. كانت سبب شهرته فارتبط اسمه بها: أحمد بالاما.

و"البالاما" آلة موسيقية وترية، تشبه العود، لكنها ذات عنق طويل وجسم أصغر. هي آلة شبيهة في الشكل بآلة "البُزُقْ"، لكنها تختلف عنها في الأصوات والأوتار. وهي تُصنع من خشب خاص موجود في تركيا والمناطق المجاورة. تتكوّن من ثلاثة أجزاء وتتميّز بثلاثة أوتار، كل وتر يجمع أصواتاً غليظة وأخرى حادّة، وتقدّم بذلك أصواتاً متناغمة.

نشأ أحمد الماجري بين تركيا وتونس من أمّ تركية وأب تونسي، درس علوم الموسيقى في تونس ودرس في تركيا العلاج بالموسيقى عن طريق الآلات التقليدية التركية ومنها "البالاما".
يتحدّث أحمد عن آلته، لـ"العربي الجديد"، قائلاً: "جذبتني البالاما منذ طفولتي لأن صوتها عذب، وهي غير معروفة في عالمنا العربي. لم أكن أملك المال لشرائها فتعلّمت بداية على قطعة خشب بمقاسات مشابهة لها".

من أجل البالاما، درس أحمد عند أبرز أساتذة هذه الآلة في تركيا، رغم المقابل المادي المرتفع جداً، وتأثّر في عزفه بمحمد القصبجي وفريد الأطرش، حسب قوله. يتابع عازف البالاما حديثه لـ"العربي الجديد" قائلاً: "أنا الوحيد المختص في البالاما في العالم العربي. البعض يعزفون أجزاءً من مقطوعات معروفة لا أكثر، لكني درست الموسيقى التركية وتعمّقت في البالاما لسنوات وتجاوزت مرحلة عزف المقاطع المعروفة إلى التأليف الخاص ثم مزج الموسيقى التركية بموسيقات أخرى".

ويضيف: "العزف على البالاما ليس هيّناً، فهي تعتمد الحركة والسرعة، كما أنها آلة متطورة عبر الزمن بحيث صارت تستخدم في عزف أنواع موسيقى مختلفة، وهو ما يتماشى مع انفتاحي الموسيقي".

اقرأ أيضا:ميشال فاضل: أقدّم موسيقى مختلفة

شارك الماجري مع العديد من الفنانين التونسيين خلال حفلاتهم، أمثال لطفي بوشناق والمنشدين فوزي بن قمرة وأحمد جلمام، وركّز من خلال هذه الحفلات على دمج النغمات التركية مع المقامات التونسية والعربية.

يخبرنا أحمد عن استعمال السلاجقة لآلة "البالاما" في حروبهم، لتشجيع الخيول والفرسان أثناء المعارك، فأنغامها تبعث فيهم الحماسة والطاقة: "لا يمكن للفارس استعمال العود، لقصر رقبته وضخامته، باستخدام "البالاما" يمسك الفارس سرج الحصان بثلاثة أصابع ويمسك "المزراب"، أو الريشة، بالسبابة والإبهام للنقر على أوتار البالاما".


وللمزراب مكانة عند "أحمد بالاما"، فهو اسم الريشة التي يعتمدها للعزف على آلته، وهو أيضاً اسم مجموعته الموسيقية التي أسسها منتصف سنة 2012 في تركيا، والتي يقول عنها: "مزراب جزء مني، أسستها منذ 3 سنوات مع فريق من العازفين الأتراك الشبان عندما كنت أدرس الموسيقى في تركيا. شاركنا في الأولمبياد التركي، وكانت هذه انطلاقتي الحقيقية. عندما عدت إلى تونس تغيّر الفريق أكثر من مرة، وهو الآن يتكون من 6 موسيقيين، منهم مغنية أوبرا وعازفة بيانو يابانية وعازفي قيثارة كلاسيكية وقيثارة (باس وباتري) تونسيان".

ويضيف أحمد: "وجدت إشكاليات كبرى في بداية مسيرتي مع "مزراب" في تونس. فللأسف فكرة المجموعات الموسيقية غير متطورة، وأغلب الفنانين الشبان غير منضبطين، وأنا تعلمت أن الموهبة لا بدّ أن تقترن بالانضباط والمثابرة وتجنب الغرور".

أحمد الأكاديمي
أحمد، الذي درس في المعهد العالي للموسيقى في تونس، يعتبر أن التعليم الموسيقي في تونس يركز على التنظير بدل التطبيق، والحفظ بدل التمارين الموسيقية، وهو ما يفسّر، حسب رأيه، ندرة العازفين المميّزين في تونس.

يُقدم أحمد دروساً في "البالاما"، في مركز ثقافي تركي خاص بالعاصمة التونسية، ويقول إنّه ينقل من خلال هذه الدروس حبّ "البالاما" لتلاميذ صغار لم يتجاوزوا التاسعة من العمر، وأيضاً لمن تجاوز الستين، وللسفير التركي في تونس، ولكل من سحرتهم آلته.

اقرأ أيضا:إمام الروك.. تركي يمزج بين الفن والدين

من يستمع لأحمد "بالاما" يتبيّن له بسرعة حجم الطموح والثقة لديه. شاب مفعم بالرغبة يدير فرقة موسيقية ويحرص على التعريف بها وبموهبته بإمكانياته الخاصة والبسيطة. يشرح لنا أهدافه: "في تونس لا نعرف إلا النغمات الغربية والعربية، وأنا أريد دمج النغمات التركية والكردية وحتى الهندية والفارسية مع النغمات التونسية. من المهم الانفتاح على أنواع موسيقى أخرى، ولنترك للأذن حرية الاختيار.. أريد أن أثبت للموسيقيين الشبان أن العمل في تونس ممكن، وأن لا ضرورة لانتظار دعم من وزارة الثقافة قد يطول أمده وقد لا يأتي مطلقاً".

انطلق قائد فرقة "مزراب" إلى العمل مبكراً في العديد من المهن البسيطة أثناء مواصلته دراسته، يقول إنه لم يكن يحتاج المال، لكنه كان يصرّ على اكتشاف عوالم أخرى، وبالتوازي مع عمله الفني يقوم الآن بالترجمة نظراً لإتقانه اللغة التركية. انطلق خلال الأشهر الماضية في سلسلة عروض بأكبر الجامعات التونسية، يقول إنه بذلك يكسب جمهوراً يافعاً منفتحاً، وجمهوراً سيكبر معه وينشأ على نغمات "البالاما" ومعزوفات "مزراب" التركية التونسية.

وقدمت "مزراب" العديد من الحفلات في تونس، أبرزها عروض في مهرجان المدينة سنة 2013 ومهرجان توزر الدولي أواخر 2014 وحفلات أخرى ناجحة بشهادة المتابعين في "الأكروبوليوم قرطاج" والمركز الثقافي الطاهر الحداد. ويتحدّث أحمد عن عروضه المقبلة: "بدأنا نجني ثمرة التعب تدريجياً. تمّت دعوتنا إلى تقديم حفل في فرنسا في الثالث من يونيو/ حزيران القادم، ولنا عروض مرتقبة في الولايات المتحدة الأميركية وتركيا ودول أخرى".

يحلم عازف "البالاما" بالسفر إلى سورية. هو يراها معقلاً للفنّ العربي، ويرى في موسيقاه تحدّياً لصنّاع الموت، لكن "الحروب وأزمات السياسة منعته"، على حدّ تعبيره، ويضيف، في حديثه لـ"العربي الجديد": "أنا رجل سلام وقوتي تكمن في هذه الأوتار".
دلالات
المساهمون