البارزاني وامبراطورية الولي الفقيه

31 أكتوبر 2017
لم يعد خافيا أنّ دخول القوات الإتحادية العراقية، معزّزة بالحشد الشعبي، إلى كركوك، وما عرفت بالمناطق المتنازع عليها مع إقليم كردستان، وإعادتها الى طاعة الدولة المركزية، نتيجة للاستفتاء الذي جرى في إقليم كردستان أواخر سبتمبر/ أيلول الماضي، ما هو إلا ذريعة وبداية لكرة الثلج التي بدأت تكبر يوما بعد يوم، فالمدينة على الرغم من أهميتها الاقتصادية لم تكن الغاية والهدف الأوحد.
كما أنّ الإستفتاء لم يكن السبب والمبرّر. فمع اختلاق ملفات ودعاوى قضائية، وإصدار مذكرات استجواب بحق رئيس إقليم كردستان، مسعود البارزاني، وبعض شخصيات حزبه، بدأت تتكشف أهداف وغايات أخرى أكثر خطورة من المعلن، ما يفيد بأنّ الأمور لن تقف عند هذا الحد، وأنّ وراء الأكمة ما وراءها، وأن السيناريو الذي أعدّ للعراق كاملاً، من جنوبه إلى شماله، منذ سقوط بغداد في التاسع من إبريل/ نيسان عام 2003، وما تبعه من وضع دستور طائفي، مكّن الإيرانيين من الهيمنة على الدولة العراقية، بواسطة عملائها من العراقيين، وقد آن الأوان لتنفيذ المرحلة النهائية منه بالسيطرة على الشمال العراقي المتمثل بإقليم كردستان وضمه إلى الحظيرة الإيرانية قبل فوات الآوان، سيما وأنّ حكومة الإقليم بدأت تنزع إلى الخروج من شرنقة العراق المدمر والضعيف، لتكوين قوة كردية مستقلة "سنية المذهب"، وهو ما يتعارض ومشروع الهيمنة الإيرانية على المنطقة، ذلك المشروع الضرورة للمشروع الغربي، بحكم كونه المتماهي معه، من حيث إشاعة الفوضى والتخريب والتدمير الذي هو المقدمة لرسم المنطقة من جديد وفق النظرية الغربية.
وعليه، لا توحي السيطرة على كركوك، وما رافقها من تصريحاتٍ متبادلة، وزيارات ميدانية لقادة عسكريين إيرانيين، بأنّ هناك حلولا تلوح في الأفق بين حكومة بغداد التي ليس لها من أمرها شيء، ولا تعدو كونها مكتبا تنفيذيا لمشروع الولي الفقيه، وحكومة الإقليم.
النوايا الإيرانية ببسط السيطرة على كامل الإقليم، وإن لم تكن جديدة، أصبحت الآن من الأولويات، ولتحقيقها لا بد من التخلص من زعامة البرزاني التاريخية، باعتباره رمزا كرديا يشكل عائقا وعقبة في وجه المصالح والأطماع الإيرانية البعيدة المدى في المنطقة، وما الإستفتاء إلا شماعة تمّ توظيفها للتخلص منه، لإفساح الطريق أمام فصائل وتيارات سياسية على الساحة الكردية، تخدم المشروع الإيراني، من خلال مساهمتها بالتدمير الذاتي وإشاعة الفوضى في الإقليم، مستغلة النزعة الانتهازية لمثل هذه التنظيمات التي حجبتها زعامة البارزاني عن دور أو موطىء قدم على الساحة السياسية الكردية فيما مضى.
لم يكن الرجل خلال مسيرته السياسية على توافق مع طهران مطلقا وعلاقته معها، إن حصلت كانت حذرة جداً، وهو إن لم يقف بالضد من المشروع الإيراني علنا إلا أنه، ومن وجهة النظر الإيرانية، غير موثوق ولا مرغوب فيه.
إيران التي غذت الحروب البينية في تسعينات القرن الماضي، من خلال قيامها بإذكاء نارالفرقة والخلاف بين الفصيلين الرئيسين في الإقليم، ودعمها أحد أطرافه، والتي كان من نتيجتها الاحتراب الكردي الكردي، لا يمكن أن تنسى للبارزاني وقوفه بوجه أطماعها من خلال استعانتة بالقوات العراقية عام 1996 وانتزاع أربيل من أيدي حلفائها في السليمانية، بعد أن أوشكت أن تبسط سيطرتها على كامل الإقليم (آنذاك) بواسطة قوات الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يتزعمه الراحل جلال الطالباني، كما لا يمكن أن تضمن عدم تكرار ذلك منه بأشكال أخرى.
لذا، أصبح إبعاد البارزاني الخبير بالتلاعبات الإقليمية والدولية بالقضية الكردية والمواكب لكبواتها، عن المشهد السياسي الكردي وإظهاره بمظهر المهزوم والمستبد والمتفرد بالقرار الكردي أصبح حاجة وضرورة إيرانية ملحة في الوقت الراهن، خصوصا وأنّ بقاءه في المشهد السياسي الكردي يحول دون عودة الصراع بين الشركاء، والذي يتم الإعداد له، بعودة قيادات الاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية إلى سابق عهدها بالتناغم مع السياسة الإيرانية.
وسط هذه الأطماع والمخططات الإيرانية التي لم تعد خافية، بقي الموقف التركي سلبيا، وأحيانا مساندا للرؤية الإيرانية، على الرغم من أنهم (الأتراك) ليسو في منأى عن تداعيات هذه المخططات، وإن بعد حين. فهم المتضرّر الأكبر من أيّ تغيير لقواعد اللعبة في العراق، خصوصا ما يتعلق منها بالأوضاع في إقليم كردستان، لما لمثل هذا التغيير من انعكاسات تطال الأمن القومي التركي، فالأتراك لا ينقصهم أوجلان ثانيا بخسارة البارزاني، سواء بالمشاركة بمؤامرة إطاحته بشكل مباشر أو بالوقوف على الحياد مما يحاك ضده، فالمصلحة التركية تتطلب التمسك بزعيم كالبارزاني، لطالما كان الحليف الأخلص لهم.
8CB3FD68-1D2C-446E-AED0-CCD3D080C303
موسى الهايس (سورية)