البابوية والفاتيكان

21 يناير 2020
الصورة

هوبكنز وبرايس قبل عرض "البابوان" في هوليوود (18/11/2019/فرانس برس)

ما الذي يبدو جاذبا إلى هذا الحدّ في عالم الفاتيكان والبابوية، ليكون موضوع مساءلة وتساؤل طرحتهما وتطرحهما أعمال أدبية وسينمائية؟ هل هو انغلاقه، سرّيته، أم ما يصحّ فيه من شائعات تآمر وصراع نفوذ ومال بين من يفترض أنهم تركوا الهموم الدنيوية، ليكرّسوا حياتهم لنشر تعاليم السماء؟ أم أنه الارتباط الدائم ما بين اللاهوت والناسوت، والدين والسلطة، على الرغم من ادّعاء الفصل بينهما، ما يشكّل موضوعا ذا جاذبيةٍ لا تقاوم في أعين المبدعين والجمهور على السواء. 
لقد رأت العقود الأخيرة إنتاجا لعدّة روايات وأفلام وبرامج ومسلسلات تلفزيونية تناولت الفاتيكان والبابوية، أو استوحت موضوعاتهما، وإنْ بتصرّفٍ أحيانا، ولاقت إقبالا ورواجا، سواء نالت رضى الجهة المعنيّة، أو أثارت سخطها واعتراضها، فالذين يقفون وراء تلك الأعمال مبدعون مهمّون اشتهروا بأعمالهم، ونالوا عنها جوائز وتكريما. في ما يخص الأفلام، هناك على سبيل المثال المخرج الألماني، فيم فيندرز، والإيطالي ناني موريتي، والأميركي رون هوارد، والفرنسي كوستا غافراس، والبرازيلي باولو سورّييتينو، إلخ، هذا ناهيك عن أعمال مهمة أخرى لعب فيها الفاتيكان أدوارا أساسية، وإنْ لم يكن هو موضوعها الرئيس (مثل فيلم العراب 3، ومسلسل آل بورجيا، إلخ).
ناني موريتي، المخرج الإيطالي اليساري المعروف، يروي في فيلمه "هابيموس بابام" (لدينا بابا) اجتماع الكرادلة إثر وفاة البابا لانتخاب خليفته. تجرى بالطبع عدة دورات اقتراع قبل ارتفاع الدخان الأبيض وانتخاب البابا الجديد (ميشال بيكولي) الذي ينتظر المؤمنون ظهوره على الشرفة لتحيّته، إلا أن البابا المنتخب يأبى تحمّل هذه المسؤولية، ويبقى رافضا مقاوما الرضوخ إلى درجة قبوله اتّباع علاج نفسي، ثم فراره متخفّيا من الفاتيكان إلى روما، حيث سيختبئ بين أعضاء فرقة مسرحية. يصوّر موريتي في قالب مضحك عذابات كهلٍ وحداني سيحرّره حبُّه الكلمة والأداء المسرحيّ .. مسلسل "البابا الشاب" (بطولة الممثل جود لاو) للمخرج سورّينتيو، يروي قصة بابا شاب وجميل جدا، لكنه عنيف وقاس ومتعالٍ، وقد قرّر تحويل الكنيسة الكاثوليكية إلى حيّز مغلق، يعلي شأن الصرامة الأخلاقية إلى مستوىً غير مسبوق، فإذا به يفتي بضرورة ملاحقة الكهنة المثليين ومعاقبتهم، يستخدم الترهيب والتهديد، مبعدا معارضيه أو ملوّثا سيرهم .. أخرج الألماني فيم فيندرز فيلما وثائقيا عن البابا الحالي فرنسيس، وقد اتّهمه كثر بأنه أنتج فيلم بروباغندا من تمويل الفاتيكان، لكنّه كذّب الأمر بشدة، قائلا إنه أخرج فيلما مستقلا، وإنه مقتنع بتلك المقارنة التي يجريها بين البابا والقديس فرنسيس، قديسّ الفقراء والمهمشين الذي كان لقبه "الفقير الصغير". ينطلق الفيلم من السؤال: ما العمل في عالم سيبلغ تعداد سكانه قريبا 8 مليارات نسمة، في حين أن مليارا سوف يعاني من الجوع؟ من هنا الردّ: "ماذا لو استنرنا بالقدّيس فرنسيس، وجعلناه نموذجا ومثالا لأخوّة جديدة بين البشر"؟ لقد رأى القدّيس فرنسيس في الفقر المطلق مثالا للتواصل مع البشر والطبيعة، شكّا هذا نموذجا ثوريا حتى في القرن الثالث عشر. اليوم، ينادي البابا فرنسيس الذي ينادي بتحقيق العدالة: "الفقر صرخة.. ينبغي لنا جميعا أن نكون أكثر فقرا".
أخيراً، في ديسمبر/ كانون الأول المنصرم، بدأ عرض فيلم "البابوان" على شبكة نيتفليكس، وهو من إخراج فرناندو ميريلّيس، وبطولة الممثلين أنطوني هوبكينز وجوناثان برايس. يتناول الفيلم سابقةً في تاريخ الفاتيكان هي تزامن وجود بابوين معاً، الأول على وشك الاستقالة من مهامه، والثاني على عتبة أن يُصبح بابا. يلتقي الرجلان بعد دعوة الأول للثاني إلى روما، أي البابا الألماني بينيدكت السادس، للكاردينال الأرجنتيني بغية إطلاعه على قراره بالاستقالة، في حين ينوي الثاني مطالبة البابا بالموافقة على استقالته، لكي يعود كاهن رعية. الموقف غريب والعداوة الفكرية بين الاثنين على أشدّها، لكنّها، وبفضل الحوار والتلازم أياما، ستتحوّل إلى صداقةٍ تجمع بين تناقضات الرجلين، وتتيح تقبّل الآخر وتفهّم أخطائه وشكوكه وزلّاته. رؤيتان للكنيسة وللعالم تتواجهان، الأولى محافظة ترى إلى إبقاء الجدار (استعارة) ثابتا وقائما لتدعيم أسس كنيسةٍ متهاويةٍ يبتعد عنها المؤمنون، والثانية متحرّرة تراه جدارا فاصلا بين الكنيسة والناس، ورديفا للجدران العازلة الأخرى التي ينبغي هدمها...
لا تختصر هذه الأعمال بالطبع كامل الآراء والتوجّهات، لكنها تعبّر حتماً عمّا لهذه الدويلة الصغيرة المستقلة البالغة مساحتها 0.44 كلم مربع وعدد سكانها 940 نسمة فقط، من بالغ تأثير وكبير اهتمام يضعانها والبابوية أمام المحاسبة والمساءلة، أو في ضباب دخان المباخر الأبيض!