البؤساء العرب الجدد

16 اغسطس 2014
+ الخط -


"خلقت العادات والقوانين في فرنسا ظرفاً اجتماعياً، هو تنويع على جحيم بشري. فطالما وجدت اللامبالاة والفقر على الأرض، كُتُبٌ، كهذا الكتاب، ستكون ضرورية دائماً". هكذا تحدث الروائي الفرنسي فيكتور هوغو في مقدمة روايته الشهيرة "Les Misérables"، والتي نشرت في سنة 1862، ثم ترجمت إلى العربية لاحقاً، بعنوان "البؤساء". ومع كل ما صاحب هذه الترجمة من جدل ونقاش، فإن المناسب الذي يهمنا الغوص فيه، هنا، وبهذا الصدد، هو المضمون المهم لهذه الرواية التي تتناول موضوع الظلم الاجتماعي في فرنسا ما بعد حقبة نابليون بونابرت (1815)، والأحداث الثورية التي شهدها البلد إبان ذاك، خصوصاً المحاولات التي كانت تستهدف إطاحة الملك لويس فيليب (1832). انتقد هوغو، وبأسلوب أدبي بارع، الظلم الاجتماعي الذي ساد بلاده، بعرض مفصل بأسلوب أدبي راق حياة شخصيات عانت كثيراً، وتلخص في شموليتها وضعاً اجتماعياً قاسياً، كما تقدم طبيعة القوانين، وتمثلها داخله ثم ثنائية الخير والشر.

والحقيقة أن مضمون الرواية، بل والغريب حتى جوانب عديدة من شكلها، أخذاً بالاعتبار ما لهذا الجانب من أهمية بالغة في النقد الأدبي، وفي صناعة رسالة النص، كيفما كان جنسه، شعراً أو نثراً أو نصاً مسرحياً، يمكن أن ينطبق على عالمنا اليوم، وخصوصاً واقع عالمنا العربي الممزق و"البئيس"، في وقتنا الراهن. لكن المثير أن هذا الواقع الذي عاشته شخصيات "بؤساء" الرواية، كما تقدم تفاصيلها أنهم كانوا ضحايا واقع اجتماعي، جاء نتيجة بؤس سياسي، تعددت اعتباراته، فكانوا ضحايا واقع وعوامل، لا دخل لهم في صناعتها بتاتاً، أما في نسخة "بؤسنا" العربي الحاضر، فبؤساؤنا هم أنفسهم من صنعوا مسارات وتراكيب هذا البؤس، والغريب أنهم أنفسهم ضحاياه المباشرون. لكن، في المستقبل، أما في الوقت الراهن، فدولنا وأمتنا وشعوبنا هم الضحايا.

أغلب حكام الدول العربية، في العقود الأخيرة، وفي وقتنا الحالي، يقدمون نسخاً وكأنها طبق الأصل لواقع البؤساء في رواية الكاتب الفرنسي الشهير. ففي العراق، واقع ممزق ووضع يندى له الجبين. هناك حاكم فاته الزمن وتركه القطار، في مثال صارخ على البؤس في أعمق تجلياته. وغير بعيد عنها في سورية الجريحة، هناك كل تجليات البؤس. فأينما وليت وجهك في البلد العربي العريق، إلا وتحدثك كل المخلوقات والمعالم، ناطقة أو جامدة، أن "بئيساً" ما زال يحكم ما تبقى من البلد بقبضة من حديد، مدعوماً من أنظمةٍ، لا يهمّها غير مصالحها العسكرية والاستراتيجية، وحساباتها الماضية والمستقبلية مع القوى الغربية، وسط عجز أممي ونفاق دولي فاضح لم يسبق له مثيل.

أما في مصر أم الدنيا، فواقعها أصبح فعلاً، أضحوكة الدنيا والآخرة. وإذا كان هناك من شرفاء، يقبعون داخل سجونها، وقليلون ما يزالون يرفعون أصواتهم داخل البلد وخارجه، مرددين بمختلف التعابير واللغات: "اللهم إن هذا منكرٌ"، فإن مسار الأحداث المستمرة في البلد، وتطوراتها على المستوى السياسي، تؤكد أن القادم سيكون أسوأ مما كان عليه البلد من ديكتاتورية سياسية، وفشل اقتصادي، وعقم كبير على جميع المستويات، قبل ثورة 25 يناير التي أطاحت بديكتاتور أعاده الانقلابي، عبد الفتاح السيسي، فجأة ليخطب ود المصريين، عبر شاشات التلفزيون الممول من الشعب، وكأنه يلقي خطاباً رئاسياً في مشهد يؤكد أن هناك استعداداً وإعداداً لمفاجأة ما في جلسة الشهر المقبل، سينطق فيها بالحكم من القضاء المصري على المخلوع مبارك.

لن نفاجأ بعد اليوم، بعد الخطاب الذي ألقاه المخلوع، من حملة إعلامية توجه ذهن المصريين تدريجياً لأمر يخطط له في الردهات والكواليس. لن يفاجأ أحدٌ، مهما كان الحكم الذي سيصدر لصالح المخلوع، بل لن يفاجأ العالم في حال إطلاق سراحه نهائياً، وإسقاط كل التهم التي يُتابع بشأنها، بل وحتى بتصدر المشهد من جديد في مقابل ابتداع تهم جديدة، تكال للرئيس المنتخب المعزول، محمد مرسي، ما دام السيسي ونظامه اختارا مشاهد مقززة كهذه لتمرير الذكرى الأولى لمجزرته التي لن ينساها التاريخ، في ميداني رابعة العدوية ونهضة مصر، التي قتل فيها ما لم يقتله أي احتلال في مصر أو كارثة عبر تاريخها.

لا يمكن بأي حال القول إن انتفاضات شعوب دولنا العربية، في دول معروفة، منذ 2011، صنيعة خارجية، كما يحاول بعضهم ترويج ذلك. لكن، يمكن وينبغي التأكيد على وجود توجيه ومحاولات خارجية متكررة ومتنوعة، وبوسائل مختلفة، للركوب على مطالب الشعوب بعد تحركاتها المجيدة والالتفاف عليها مراراً. هذا وارد وحدث، وما يزال مستمراً. لكن، ما إن تبقى الكلمة مستمرة في يد الشعوب، فلا خوف على هذه الأمانة العظيمة، التحرير الشامل.

كيف يمكن لهؤلاء الحكام أن يمسحوا عنهم عار هذا البؤس، وهم يتفرجون على مذابح إسرائيل في غزة المحاصرة، من دون أن يحركوا ساكناً، بل ومنهم من يتواطأ في استمرارها، بدعوى "إرهاب" حركة المقاومة الإسلامية حماس، التي تحكم القطاع، وتقاوم ضد الاحتلال الصهيوني الاستعماري. لا ندري كيف يتأملون هذا البؤس الذي تسببوا فيه لأمةٍ، كان الأولى لها أن تقود البشرية، وتقدم دروساً راقية في جميع المجالات للعالم بأسره، فيما هم وضعوها تحت أرجل أميركا، وقرارات صناديقها المالية وقراراتها الظالمة حتى باتت ممزقة، ولا وجهة لها ولا مشروع وطنياً أو قومياً واضحاً. لا شك في أن الخروج من هذا البؤس سيكلف ثمناً لن يكون سهلاً، ووقتاً لن يكون قصيراً. لكن، من يتأمل جيداً في مثل هذه الدروس والآيات المعجزات التي سطرتها المقاومة في غزة بالتحام قادتها بإرادة شعب محاصر يبدو، الآن، أنه يقاوم الغرب بأسره، حيث نصبح، صباح مساء، على تبريرات واهية لأسر جندي إسرائيلي، أو قتل آخر على أعلى المستويات الدبلوماسية، فيما مئات الفلسطينيين لا يتحدث عنهم أحد، ولا يحصلون حتى على إدانة أممية لإراقة دمهم، أو بياناً تافهاً، بعدما بات موقف الإدانة على مستوى "البؤساء" العرب أقوى ما يمكن انتظاره.

ما سطرته المقاومة، وصمود شعب غزة واستعداده للثبات حتى آخر رمق لإنهاء آخر استعمار على مستوى العالم بأسره، هو ما أعطى قوة غير مسبوقة لمفاوضات وموقف الطرف الفلسطيني، الذي يواجه الكيان الصهيوني في القاهرة، بوحدة واتحاد غير مسبوقين. وإذ يتمنى كل عربي وكل حر لهذا الموقف الفلسطيني مزيداً من الاتحاد والصمود بين أطرافه كلها، على الرغم من خلافاتهم كما هم النساء والأطفال ورجال المقاومة صامدون، فإنه لا بد من التأكيد على أن بقية هذه الشعوب العربية هي المستأمنة على أن لا يكون مستقبل هذه البلدان تحت حكم بؤساء جدد، قد يظهرون بأقنعة وتلاوين جديدة. وفي انتظار ذلك الصباح، دامت الكرامة والعزة لغزة وأهلها.

avata
محمد الوحماني (المغرب)