الانهيار الكبير

26 سبتمبر 2019
الصورة
هلع من انقطاع الوقود (باتريك باز/ فرانس برس)
فجأة صار الانهيار الاقتصادي والاجتماعي القادم حديث الناس الأول في المدينة. حددّه البعض بنهاية العام الجاري، فيما ربطه آخرون ببداية العام الجديد وقالوا إنه حتمي. انهيار يقول المتنبئون به إنه سيأخذ اللبنانيين جميعاً في طريقه.

حسناً. لا بد من الإشارة بدايةً إلى أن هذا الكلام عن "انهيار وشيك"، لم يكن ليتغذّى وينمو ويكبر لولا الهلع الذي ورثناه وتربينا عليه وعشناه ونعيشه يومياً. تعالوا (مثل الخبراء) نفصّل أنواع هذا الهلع الذي يلتهمنا بالتفاصيل: هلع من قسط المدرسة في بداية العام الجديد. هلع من المستشفى إن خذلتنا أجسامنا واضطررنا إلى دخولها. هلع من الهواء الذي نتنفسه. هلع من المصرف وشركة التأمين ومؤسسة الضمان. هلع من انقطاع الوقود، والمياه، والكهرباء، وخدمة الإنترنت. هلع من فواتير يومية لا تنتهي. هلع من كلّ ما يرتبط بتنظيم حيواتنا والحفاظ عليها.

هذا الهلع من الانهيار، الفردي قبل أن يكون جماعياً، يطاردنا يومياً ويعيش تحت جلدنا في منظومتنا الاجتماعية التي تتهاوى كل يوم وعند كل ضربة جديدة نتلقاها، سواء كانت ضريبة جديدة، أو حادثا عابرا، أو خطابا مذهبيا، أو موقفا عنصريا يبدأ برسم كاريكاتوري ولا ينتهي بدعوة لحفل مضحك نكتشف فيه فضل أجدادنا الفينيقيين على الإبداع المعاصر.

هلع حاضرٌ في تصريحات المسؤولين المتكررة، وفي نشرات الأخبار. هلع منتشرٌ على مواقع التواصل الاجتماعي. هلعٌ من اللاجئ والغريب والمريض والضعيف حتى لو كان جسداً لطفل سوري فقد روحه، جسداً يخاف البعض من أن يجد له مساحة خاصة في حفرة وأن يُهال عليه التراب. الهلع نفسه الذي يوقظنا، لكل هذه الأسباب مجتمعةً ومتفرقة، في منتصف الليل، متعرّقين، مضطربين، وخائفين من اليوم التالي.

الانهيارات في يومياتنا متراكمة ومتلاحقة. نتفرّج عليها كل يوم، كالهائمين، من دون أن نملك أدنى قوة أو رغبة حقيقية في تغييرها. هذه انهيارات في الأمل قبل أي شيء. نغضب ونشتم ونصرخ ونكتب على مواقع التواصل عن حالنا. نحصد الإعجاب تلو الإعجاب، والمشاركة تلو المشاركة. فنفرح ونكتفي. نظن أننا أدّينا واجبنا ونعود للدوران في الحلقة المفرغة ذاتها بانتظار أي تغيير محتمل.




فجأة، انتبهنا أننا وصلنا إلى المحطة الأخيرة قبل أن يتابع قطار الانهيار رحلته ويدخل بنا إلى النفق الأسود. النفق الذي لا عودة إلى أية محطة من بعده. لكن من يدري؟ ربما لا يكون بهذا السوء أن يقع السقف على رؤوسنا مرة واحدة. لعل من بقي منا يعيد بناء البيت من جديد، على أعمدة أكثر صلابة.

وربما أيضاً لا يكون الانهيار الكبير وشيكاً. بل ربما يكون قد تأخّر كثيراً.