الانقلاب في صياغة القرار الأميركي: الخارج يتقدم على دور المؤسسات

11 أكتوبر 2019
الصورة
تحقيقات عزل ترامب مستمرة (تولغا آكمن/فرانس برس)
+ الخط -

الاستعانة بالخارج في شؤون السياسة الأميركية، وفي صياغة القرار في زمن الرئيس دونالد ترامب، صارت نمطاً، إذ بدا هذا التوجه وكأنه استولى، وإلى حدّ بعيد، على دور المؤسسات الدستورية، وهو نهج اعتمده الرئيس المختلف عن كل أسلافه، منذ دخوله البيت الأبيض، وتكررت حلقاته وأثارت الكثير من الاعتراضات والمخاوف من العواقب على موقع أميركا وتحالفاتها، كما على انتظام العملية الدستورية وآلياتها. 

ولم يأبه الرئيس بالانتقادات والتحذيرات، بل أصرّ و"دوبل" على مواصلة خطه. اتكأ في ذلك على قاعدة صلبة في موالاتها، ولو أنها أقلية، كما على أغلبية جمهورية في الكونغرس، بمجلسيه، أول سنتين، وفي مجلس الشيوخ بعدها وحتى الآن. 

وقد تجلّى ذلك في أبرز صوره بثلاث محطات هامة، وقد تكون فاصلة: التدخل الروسي في انتخابات 2016 الذي أكدته المؤسسة الاستخباراتية -الأمنية الأميركية، والمعروفة قصته بتحقيقات المحقق الخاص روبرت مولر، تبعتها محاولة الاستعانة بأوكرانيا للتدخل في انتخابات 2020، والتي انفضح أمرها مؤخراً وأدى إلى البدء بالإجراءات التي قد تنتهي بالتصويت على قرار بـ"إدانة" الرئيس

والمحطة الثالثة كانت في الضوء الأخضر الذي أعطاه الرئيس لتركيا بعد مكالمة هاتفية قبل أيام من الرئيس رجب طيب أردوغان.

الخطوة التركية أثارت هبّة عارمة ضده، شملت عموم الساحة تقريباً، خاصة في أوساط النخب السياسية والعسكرية سابقاً، كما في الكونغرس، وبالتحديد في مجلس الشيوخ، ما عدا 2 من أعضائه، خاصة وأن تسويغاته بدت واهية، وأحياناً غريبة، والزعم بأنه "حان وقت وقف الحروب العبثية"، لم ينطلِ، ولا التذرع بالكلفة والالتزام بالوعد الانتخابي. ولا طبعاً التذرع الأغرب بأن الأكراد "لم يساعدوا أميركا في الحرب العالمية الثانية، ولا في إنزال النورماندي" آنذاك!. وهو تسويق عزز الاعتقاد بأن الضوء الأخضر لم يكن ابن ساعته بقدر ما كان "طبخة روسية تركية" موضوعة على النار منذ فترة، بتعبير واندي شيرمان، المعاونة السابقة لوزير الخارجية. 

وهذه قراءة يشارك فيها عدد كبير من المراقبين والمحللين الدبلوماسيين والعسكريين السابقين، فحواها أن التوغل التركي يبعد الأكراد عن الأميركيين، ويفتح الطريق لانسحابهم، وبما يترك الساحة للروس، وهي رغبة كان الرئيس ترامب قد أعرب عنها صراحة، وحاول ترجمتها في أواخر السنة الماضية، لكنه اضطر للتراجع بعد الاصطدام مع وزير الدفاع جيمس ماتيس، وبما أدى إلى استقالته.  

ولم تكن الشكوك أقل في الحيثيات التركية التي بررت العملية بمحاربة الإرهاب وضرورات الأمن، وتوطين اللاجئين، وذلك "بعد ثلاثة أيام من التطمينات التي أعربت عنها أنقرة وارتياحها لصيغة الدوريات المشتركة في المنطقة الحدودية"، كما قال البنتاغون. وعليه، فإن المسألة تبدو أبعد من الاعتبارات التي علل بها كلاهما قراره، وإن بدت سردية الطرفين مقبولة في ظاهرها.

الخشية في واشنطن مزدوجة. من جهة هناك مخاوف جدية من العواقب السلبية على صعيد التحالفات الخارجية، كما على المستويات الأمنية والجيوسياسية والإنسانية، وبما قد يستدعي العودة إلى الساحة، كما حصل بعد الانسحاب من العراق في 2011. 

ومن جهة ثانية، هناك قلق عميق على التدهور في صناعة القرار وتلزيمه بشكل أو بآخر إلى الخارج، أو استباحته من جانب هذا الأخير. 

اليوم جرى إلقاء القبض على اثنين من الجنسية الأوكرانية قبيل مغادرتهما مطار واشنطن الدولي، بتهمة إنفاق أموال في أميركا لغايات انتخابية، وتبين، حسب التقارير الأولية، أنهما سبق وعملا مع محامي الرئيس رودي جولياني، وهو دليل آخر على تداعيات دخول الخارج على خط القرار الأميركي، وتراجع حضور المؤسسات في صناعته. 

وهذه الحالة بدأ التيقظ لمخاطرها يتبلور في الجدل والصراع الدائر حول رئاسة ترامب، التي بدأت تعاني من خروجه عن الأطر الأساسية المعمول بها في إدارة دفة الحكم. 

المساهمون