الانفصال عن إيران لاستقرار المنطقة

08 أكتوبر 2019
الصورة
قال المعمّم الإيراني، آية الله أحمد علم الهدى، وهو إمام جامع مدينة مشهد، وعضو مجلس خبراء القيادة وممثل الولي الفقيه في محافظة خراسان، في خطبة جمعة الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول): "اليوم ليس فقط نحن إيران. إيران ليست محدّدة بالحدود الجغرافية. اليوم الحشد الشعبي في العراق هو إيران، حزب الله في لبنان هو إيران، أنصار الله في اليمن هم إيران، الجبهة الوطنية في سورية هي إيران، حركتا الجهاد الإسلامي وحماس في فلسطين هما إيران. جميعهم باتوا إيران. لم تعد إيران فقط نحن، سيد المقاومة (نصر الله) أعلن أنّ المقاومة في المنطقة لها إمام واحد، وهذا الإمام هو المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، هل تدركون حتّى أين هي إيران؟ تريدون أن تعلموا؟ أليس جنوب لبنان هو إيران؟ أليس حزب الله هو إيران؟ طائرات الدرون اليمنية التي تسببت بأضرار كهذه للسعودية. أليست إيران هناك؟ تقولون إن طائرات أتت من الشمال وليس من الجنوب. شمال وجنوب، ما الفرق؟ إيران هما الاثنان. شمالكم وجنوبكم".
يدرك المتابع الجيد لسياسة منطقة الشرق الأوسط، منذ بداية الألفية، أنّ لإيران ومشروعها 
الاستراتيجي الذي تسمّيه "تصدير الثورة الإيرانية" أثرٌ كبير في تطور الأحداث الكبرى في المنطقة، وتوجيهها نحو العنف، فعلى الرغم من أن المنطقة شهدت أحداثا جليلة، بدايةً من الانتفاضة الفلسطينية عام 2000 وما تلاها من اعتداءات إسرائيل المتوالية على غزة، ثمّ الحرب على الإرهاب في 2001، ثمّ الثورات العربية منذ 2011، إلاّ أنّ غاية إيران وعملها الدؤوب في تصدير ثورتها كان محرّكًا أساسيًّا في المنطقة، ولا مبالغة في القول إنّه كان من أشد الأحداث تأثيرًا، فعبر التحريك المستمرّ لعوامل وأنصار داخليّين في معظم الدول العربية، استطاعت إيران فرض تقسيم جديد، وصيرورة معينة للمنطقة؛ ولذلك باتت مقولة "تصدير الثورة الإيرانية" الأكثر تأثيرًا من مقولة "الاستبداد" أو "الثورات" أو "الإرهاب" أو "الحرب على الإرهاب"، لأنّها أشعلت فتيل حروبٍ ضارية، أهمّها حربا اليمن وسورية، واستدرجت السعودية والإمارات للحرب معها على أراضي غيرها، فدفعت شعوبٌ أخرى لها مصالح مخالفة لمصلحة هذه الدول الثلاث أثمان حروبٍ ضارية.
لم تكتفِ إيران بالعمل على تغيير ديمغرافية العراق، بل تعمل أيضا على تغيير ديمغرافية سورية منذ بداية الثورة، بل وقبلها، وسوريون كثيرون لن يعودوا إلى بيوتهم، وسيحلّ محلّهم سكّان جدد، ليس بالضرورة أن يكونوا عربًا، موالون للنظام الأسدي الموالي لإيران تمامًا. وليس أدلّ على أهمية سورية لإيران من تصريح قائد الحرس الثوري الإيراني، محمد علي جعفري، إنّ "حلب هي الخطّ الأمامي للثورة الإسلامية"، حين كان فيلق القدس مزهوًا بانتصاره في حلب في ديسمبر/ كانون الأول عام 2016، بعد أن دكّ الطيران الروسي 
المدينة على رؤوس على قاطنيها. وعبر دعمها حركتي حماس والجهاد الإسلامي، استطاعت إيران التأثير على القضية الفلسطينية، وعبر دعمها أنصار الله (الحوثيين) في اليمن، استطاعت استدراج السعودية إلى حربٍ على الأراضي اليمنية لتكون الخاسر الأكبر.
تحليلات وتخوفات كثيرة حالياً من اندلاع حرب مباشرة مع إيران، ولكن إيران أتقنت الحرب بالوكالة في العراق وسورية ولبنان واليمن. فلمَ تحارب حربًا مباشرة. وفي وسعها تحاشي ويلات حروب وعداوة شعوب، وترك تلك العداوة لتصبح من نصيب السعودية والإمارات اللتين تحاربان في اليمن، وتسببان كارثةً إنسانية عليهما مسؤوليتها.
ثمةَ أمرٌ يمكن أن يسهم ببداية تحقق الاستقرار في المنطقة، وهو الانفصال التام عن إيران في دعم القضية الفلسطينية، فبدعوى هذه القضية، كسبت إيران حزب الله في لبنان، وكسبت نظام الأسد في سورية، وهو ما تبين محض كذبه، فهذا استغلال لها، وليس مناصرةً لها. والانفصال هو التوقف عن طلب العون من إيران في دعم المقاومة الفلسطينية ضد إسرائيل؛ لتعود فلسطين قضية عربية تخص الفلسطينيين والدول العربية، وليست قضية إسلامية، فضلاً عن أن تكون 
إيرانية، وبالتالي ليس لإيران بها صلة. كما أنه لا يمكن أن تكون إيران نصيرًا في قضية حقّ شعب في أرضه، وهي ترتكب جرما مشابها في سورية المجاورة. وحين يكون العرب هم الوحيدين المسؤولين عن فلسطين، فسيفقد بالتالي حزب الله وظيفته، وسيفقد نظام "الممانعة" الأسدي وظيفته كذلك، وسيظهران على حقيقتهما: تنظيمين تابعين وموالييْن لإيران، ومنفذين لمشروع تصدير الثورة الإيرانية. وهو ما سيجعل وجودهما غير ذي أهمية بالنسبة للمحيط العربي.
إدراك أنّ القضية الفلسطينية بالنسبة لإيران لا تعدو أنها ضرورة خطابية، بل وقشرة ظاهرية لمشروعها الحقيقي في تصدير ثورتها، ومدّ نفوذها في الجوار العربي، هو خطوة أولى إلى استقرارٍ منشود في المنطقة.
4FD1CF2E-2644-4CC1-8828-87204B0E3728
خديجة جعفر