الانزعاج المصري من أردوغان: قلق من تدويل وفاة مرسي

الانزعاج المصري من هجوم أردوغان: قلق من تدويل وفاة مرسي

21 يونيو 2019
الصورة
أردوغان: لن نظل صامتين حيال وفاة مرسي(آدم التان/فرانس برس)
+ الخط -

اتخذ التوتر القائم بين مصر وتركيا مساراً جديداً على خلفية هجوم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على النظام المصري، وقوله إن الرئيس المصري الراحل محمد مرسي، الذي توفي الإثنين الماضي خلال إحدى جلسات محاكمته، لم يمت بشكل طبيعي لكنه قُتل، مع مطالبته بمحاكمة النظام المصري أمام المحاكم الدولية، من دون أن يكشف عن خارطة الطريق التي من الممكن أن تتبعها أنقرة أو تقود فيها جهود الحقوقيين المهتمين بهذا الملف.

وشن أردوغان، أمس الخميس، هجوماً جديداً على النظام المصري، وقال إن "المدعو السيسي ظالم وليس ديمقراطياً، ولم يصل إلى الحكم بالطرق الديمقراطية". وأضاف "لن نسكت إزاء وفاة رئيس انتخبه الشعب المصري بنسبة 52 في المائة من الأصوات، حتى وإن لزم الصمت أولئك الذين يعملون على تلقيننا دروساً في الحق والقانون والحرية". وتابع أن "التصريحات الصادرة عن الانقلابيين في مصر بخصوص وفاة محمد مرسي، لم تطمئن الشعب المصري ووجدان الرأي العام". وحول التقرير الأممي بشأن مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، قال أردوغان إن "الأمم المتحدة وجدت أن الموقف التركي حيال جريمة قتل خاشقجي على حق، وآمل أن تتناول وفاة مرسي المشبوهة". وأضاف "لم نرض بنسيان جريمة قتل المرحوم جمال خاشقجي، وكذلك سنفعل حيال مأساة محمد مرسي"، موضحاً "لن نظل صامتين حيال وفاة مرسي في محكمة انقلابية، كما يصمت أولئك الذين يدعون الحق والقانون والحرية، وسنسعى بكامل طاقتنا لكشف ملابسات وفاة مرسي". واعتبر أن "تضييق النظام الانقلابي في مصر على وسائل الإعلام، زاد من الشكوك حول أسباب وكيفية وفاة مرسي".

وقبل أن يصدر عن أردوغان هذا التصريح، وجهت الاستخبارات المصرية المتحكمة في وسائل الإعلام والأحزاب السياسية تعليماتها لإدارات تلك الكيانات لتشديد الهجوم الإعلامي على تركيا. وحاول كل كيان التبرع بمزيد من الهجوم على طريقته الخاصة، فدعت بعض الأحزاب الموالية للنظام، مثل "المصريين الأحرار"، إلى مقاطعة البضائع التركية، فيما اكتفى حزب "مستقبل وطن"، المدعوم من السلطة والذي تولى الدور الأساسي في الترويج للتعديلات الدستورية الأخيرة، بشجب تصريحات أردوغان ووصفه بـ"الديكتاتور وقاتل معارضيه".

واللافت أن البيانات الصادرة من مصر شنت هجوماً لاذعاً على سياسات أردوغان وشجبت تصرفات معينة لا تكاد تنطبق إلا على السيسي. فأول بيان صدر عن وزارة الخارجية المصرية اتهم أردوغان بتقييد الحريات والإطاحة بالمعارضين والتضييق على وسائل الإعلام. وحذا حذوه البيان الصادر عن وزير الخارجية سامح شكري، أمس الخميس، إذ قال فيه إن "أردوغان يرغب في التغطية على تجاوزاته الداخلية والدخول في مهاترات عبثية لخدمة وضعه الانتخابي والعمل حصراً نحو اختلاق المشاكل". وأضاف شكري، في بيانه، أن "الاتهام بقتل مرسي والتلويح بإثارة الأمر دولياً يعتبر تصريحات غير مسؤولة، ولا ترقى لمستوى التعليق الجاد عليها". ثم علق عليها موجهاً الاتهام إلى أردوغان بـ"الارتباط العضوي بتنظيم الإخوان الإرهابي في إطار أجندة ضيقة من أجل النفوذ واحتضان ونشر الفكر المتطرف الذي صاغته جماعة الإخوان الإرهابية، واعتنقه القاعدة وداعش وغيرهما من المنظمات الإرهابية، والذي وظف ليؤدي إلى استشراء النزاعات وإزهاق أرواح الأبرياء".

وتعتبر المواجهة الرسمية بين أنقرة والقاهرة "الأعلى صوتاً" في الآونة الأخيرة، لتصب الزيت على النار، خصوصاً في ما يتعلق بالخلاف القائم والمتجدد بشأن استضافة تركيا لقيادات وأعضاء في جماعة الإخوان المسلمين والتيارات الإسلامية بعد انقلاب يوليو/ تموز 2013، ثم تفجر أزمة الحدود البحرية الاقتصادية والتنقيب عن الغاز، التي تقف مصر فيها إلى جانب قبرص وإسرائيل واليونان ضد التطلعات التركية لاستغلال الثروات الطبيعية المتاحة في المنطقة الاقتصادية البحرية الخاصة بها، والتي لا تعترف بها قبرص، والتي كانت محل خلاف طويل بين الجانبين.



وقال مصدر دبلوماسي مصري في ديوان الخارجية إن الانزعاج المصري الواضح من تصريحات أردوغان الأخيرة سببه التخوف من أن يأخذ الرئيس التركي على عاتقه مهمة الحشد السياسي والأممي لإنشاء لجنة تحقيق مستقلة، تابعة للأمم المتحدة، في ظروف وفاة مرسي، لإثبات أنه تعرض لظروف قاسية، ولم يحصل على الرعاية الصحية الملائمة أو التواصل مع أسرته وأطبائه ومحاميه خلال فترة حبسه. وأضاف المصدر أن الدعوة إلى تشكيل لجنة تحقيق تبدو خافتة حتى الآن، لكن أردوغان قادر على الحشد لها من خلال مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أو مجلس حقوق الإنسان الأممي الذي تشغل عضويته حالياً دول يمكن الرهان عليها لتكوين رأي عام مؤيد لفكرة التحقيق المستقل، علماً أن مصر تشغل حالياً عضوية هذا المجلس، الذي يضم كذلك الولايات المتحدة. كما أن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان كان قد سبق وطالب بندب لجنة تحقيق مستقلة لهذا الغرض على غرار ما حدث في قضية مقتل خاشقجي، الأمر الذي يخشى نظام السيسي من أن يؤدي بدء التحقيق فيه، وبغض النظر عن نتائجه، لإحراج مضاعف للنظام أمام شركائه الدوليين بما في ذلك واشنطن والعواصم الأوروبية.

وأكد المصدر أنه من شبه المستحيل اتخاذ إجراءات محاكمة دولية للمتسببين في وفاة مرسي إلا إذا استطاعت الدول المناهضة للنظام المصري والمنظمات الحقوقية الكبرى، وعلى رأسها "العفو الدولية"، حشد تأييد دولي لندب لجنة تحقيق مستقلة أولاً، وخصوصاً أن حادث الوفاة لا يمكن أن يكون سبباً لاستصدار قرار استثنائي من مجلس الأمن بإنشاء محكمة خاصة على غرار حادث اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، أو حتى إحالة الواقعة للمحكمة الجنائية الدولية نظراً لعدم توافر شروط الاختصاص في هذه الواقعة.

وفي السياق نفسه، قال مصدر قانوني مصري، سبق وعمل في بعض القضايا الدولية التي كانت الحكومة المصرية طرفاً فيها، إن سلوك الطرق الأممية للتحقيق في وقائع لا تحمل في ظاهرها إمارات الجرائم، يشترط أمرين اثنين: الأول حشد سياسي كبير ومحاولة للضغط والاتصال بدوائر سياسية وحقوقية عديدة في الدول الغربية الكبرى، والأمر الثاني جمع عدد كبير من الأدلة والقرائن، التي حتى وإن فشلت في إثبات الجريمة فإنها من الممكن أن تؤدي لصدور تقارير حادة ومحرجة للدول المتورطة أو الأنظمة المشتبه في تورطها. وأضاف المصدر أن نظام الأمم المتحدة، الذي أتاح تكوين لجنة تحقيق مستقلة في واقعة قتل خاشقجي، يمكن أن يُنتج بمزيد من العمل لجنة للتحقيق في وفاة مرسي وفي الظروف الصحية والإنسانية الصعبة في السجون المصرية، لكنه أيضاً يغل يد الأمين العام للأمم المتحدة، فلا يجعله قادراً على نحو منفرد بإحالة التحقيق إلى المحاكمة العاجلة، بل يجب أن يحصل أولاً على تفويض من هيئة أممية، كمجلس الأمن أو الجمعية العامة.

وأكد المصدر القانوني أنه في مثل حالة وفاة مرسي فإن العمل الأكثر إيجابية وإفادة هو ضرورة العمل على صدور تقارير، واضحة ومدعمة بالأدلة والصور والشهادات من المجموعات الحقوقية المستقلة التي لها علاقات وطيدة بالأمم المتحدة، والأفضل لو كانت صادرة عن تجمع من تلك المجموعات والمنظمات، بحيث تكون هناك إدانة واضحة للممارسات التي أدت لوفاة مرسي وفضح للتصرفات الحكومية المصرية وإحراج للنظام، وقد تؤدي لضغوط لتغيير واقع السجون المصرية، من دون الدخول في طرق شبه مسدودة للمساءلة الرسمية. ورصدت منظمات حقوقية عديدة، مهتمة بأوضاع السجون المصرية، زيادة ضخمة في أعداد المحتجزين الذين توفوا في السجون منذ انقلاب يوليو 2013، ليبلغ عددهم 825 حالة، وفقاً لإحصاء أعلنته منظمة "من أجل العدالة" التي يديرها المحامي المصري أحمد مفرح، في مارس/ آذار الماضي.

المساهمون