الانخراط الفرنسي بأزمات أفريقيا: حماية المصالح بغطاء محاربة الإرهاب

الانخراط الفرنسي بأزمات أفريقيا: حماية المصالح بغطاء محاربة الإرهاب

06 يناير 2015
الصورة
لودريان أمضى أعياد رأس السنة في تشاد (فرانس برس)
+ الخط -

قرّر وزير الدفاع الفرنسي، جان إيف لودريان، قضاء أعياد رأس السنة مع الجنود الفرنسيين في قاعدة عسكرية في نجامينا، في تشاد، في بادرة رمزية قوية، تثبت أن فرنسا عازمة على المضيّ قدماً في انخراطها العميق بالأزمات التي تعصف بالقارة الأفريقية، وفي محاربتها لما تسميه بالإرهاب، كما تؤكد أن السياسة الفرنسية في أفريقيا لم تتغيّر، إذ لا تزال تحظى بإجماع سياسي داخلي منقطع النظير.

وأمام 1100 جندي من بين 3000 جندي تشملهم عملية "برخان"، التي تستهدف "محاربة الإرهاب" وكل أنواع التهريب والجريمة المنظمة، كرر الوزير الفرنسي ما يقوله الكثير من القادة الأفارقة، بضرورة حصول تدخّل دولي لمواجهة ما يسمى بالنشاط "الجهادي" في ليبيا، الذي يرى فيه رئيس دولة النيجر، محمد يوسف، تهديداً لمنطقة الساحل كلها. في حين يطالب الرئيس التشادي، إدريس دِبي، المعروف بتسرّعه وابتعاده عن الدبلوماسية، بشكل صريح، من حلف شمال الأطلسي التدخل في ليبيا "لإصلاح ما دمّره بعد إطاحته" بنظام العقيد الراحل معمر القذافي.

تدخُل فرنسا إذاً، العام 2015 وهي تنخرط في جحيم النزاعات الأفريقية التي لا تنتهي، وتأتي أحياناً بمفاجآت لا تستطيع الاستخبارات الفرنسية التنبّؤ بها، وليس سقوط رئيس بوركينا فاسو، بليز كومبواريه، صديق فرنسا، والمُفاوِض الصبور عنها مع الجماعات المسلّحة، إلا مثالاً من هذه المفاجآت.

وعلى الرغم من التفاؤل الرسمي الفرنسي والحديث عن إنجازات الجيش الفرنسي في أفريقيا، ومالي بشكل خاص، إلا أن الحقائق على الأرض لا تشي بهذا الأمر. وليس أدلّ على هذا من التصريحات المختلفة، الفرنسية والأفريقية، التي تتحدث عن تسلل نشطاء مسلحين من جنوب ليبيا وتدفق أسلحة، بعضها بالغ التطور ويهدد الطيران العسكري، إلى كافة دول الساحل الأفريقي.

وتحاول فرنسا إظهار عملية "برخان" على أنها الجواب الحاسم على النشاط "الجهادي"، ولا تتوقف عن الإشادة بمجموعة الخمسة (موريتانيا، تشاد، النيجر، بوركينا فاسو، مالي)، التي تعتبرها نموذجاً للتعاون لضبط حدودها. ولكنها تعرف محدودية دور هذه الدول، خصوصاً أن الدول الإقليمية الكبرى غير مشمولة بهذا التعاون، وهي الجزائر ومصر ونيجيريا، بسبب حرصها على الإبقاء على نوع من الاستقلالية وحرية القرار.

أوراق فرنسا الرابحة ومحدوديتها

تعتمد فرنسا في منطقة الساحل الملتهب على "دركي" أفريقيا الصغير، تشاد، رئيسة مجلس الأمن الحالي، التي انتشرت قواتها في مالي والنيجر وأفريقيا الوسطى، والتي دفعت ثمناً قاسياً للتدخل في دول أفريقية، تمثّل في سقوط العشرات من جنودها في مناطق مختلفة، في أفريقيا الوسطى ومالي، وإن كان رئيسها لا يعير أهمية للخسائر البشرية.

ويكتسي التعاون العسكري الفرنسي مع دولة تشاد أهمية قصوى، وهو ما يجعله يضاهي في أهميته دور جيبوتي والسنغال وساحل العاج. فهذا البلد الذي ساهم الجيش الفرنسي بقوة في حماية رئيسه من عدة محاولات انقلاب، بل ومن هجوم صاعق للمعارضة العسكرية المدعومة من السودان وصلت إلى أبواب العاصمة نجامينا، والذي تساعد فرنسا اقتصاده الضعيف، يَدين لفرنسا بالكثير، وهو ما يدفعه لتلبية كل الطلبات الفرنسية في القارة الأفريقية، إلى درجة أنه تحول إلى "دركي" أفريقي محلي يعاضد فرنسا في دورها، أيضاً، كدركيّ لأفريقيا.

ولهذا السبب لن يفاجأ المرء من وجود القوات التشادية في كل مناطق النزاع في أفريقيا التي تكون فرنسا طرفاً فيها، في مالي والنيجر وعلى الحدود الليبية وحتى في نيجيريا، حتى أن الرئيس التشادي أعرب عن فخره، علانية، بقتل قياديين في تنظيم "القاعدة" وتحرير بعض الرهائن من "بوكو حرام"، في أفريقيا الوسطى، التي لا تزال تعيش شبه حرب أهلية.

وأمام تقاعس الحلفاء الأوروبيين وحلف شمال الأطلسي عن مؤازرة فرنسا، باستثناء توفير الولايات المتحدة بعض المعلومات الاستخباراتية التي تحصل عليها طائراتها المنتشرة في الأجواء الأفريقية أو يرصدها بعض مخبريها على الأرض، تنكفئ فرنسا على حلفائها المحليين، وتحتمي بهم للدفاع عن مصالحها الاستراتيجية والعسكرية، خصوصاً اليورانيوم في دولة النيجر، وحماية الأنظمة الموالية لها.

ولكن فرنسا لا يمكنها أن تظل دائماً صانعة ملوك أفريقيا، لأسباب عديدة، منها أنها تجد نفسها تدافع عن أنظمة استبدادية في مواجهة شعوبها، كما أنها، اقتصادياً، لم تعد قادرة على فعل الكثير، ومن هنا يُفهَم إلحاح فرنسا على دول الاتحاد الأوروبي لمؤازرتها، ماليّاً على الأقل، في مالي وأفريقيا الوسطى.

وكان الكثيرون يتصورون أن التدخل العسكري الفرنسي المباشر في القارة الأفريقية أصبح من الماضي، ولكن الدولة الأوروبية لم تستطع أن تَقْطع مع تاريخها الاستعماري السيئ، بل شاركت في الانقلاب على نظام في ساحل العاج وهرّبت رئيساً مخلوعاً ومنبوذاً في بوركينا فاسو.

وفي هذا السياق، يشير الكثير من المراقبين إلى خوف فرنسي جديّ ومتصاعد من حدوث تغييرات سياسية كبرى في دولتي تشاد والكاميرون، بسبب عدوى بوركينا فاسو وغياب أي أفق سياسي وديمقراطي في هذين البلدين الخاضعين لحكم استبدادي وتسلطي، وهو ما يهدد المصالح الفرنسية واستراتيجياتها.

طائرات من دون طيار إضافية

تُعوّل فرنسا بشكل متزايد، كما فعلت الولايات المتحدة من قبل، على الطائرات من دون طيار لتصفية زعماء وقياديين في هذه التنظيمات الجهادية، ولكن فشل الولايات المتحدة، حتى الساعة، في تحديد مكان المُلا عمر وحقاني، الأب والابن في أفغانستان، على الرغم من كل التفوّق التكنولوجي، لن يجعل الفرنسيين مبتهجين لمقتل الزعيم الجهادي أحمد نليمسي في حركة "المرابطون".

صحيح أن فرنسا أصبحت، أكثر فأكثر، تعتبر هذه الطائرات مفتاح عملياتها في أفريقيا، ومن هنا تصريح وزير الدفاع الفرنسي الأخير عن تعزيز الجيش الفرنسي في منطقة الساحل بطائرات إضافية منها، لرصد آلاف الكيلومترات وتعقّب ما تقول إنها جماعات إرهابية وجهادية، لكن فرنسا لا تشعر بالارتياح وهي تستخدم طائرات من صنع أميركي وإسرائيلي، وتفضّل أن تكون معلوماتها الاستخباراتية مستقلة.

والدول الغربية، عموماً، تخاف أن يسقط الكثير من جنودها قتلى أو جرحى أو أسرى، وهو ما يمكن أن يحرّك الرأي العام الفرنسي والغربي ضد الحرب وضد الوجود المكلف، ويفرض على القادة السياسيين مواقف صعبة. ولهذا فإن الاستخدام الكثيف للتكنولوجيا قد يسهّل عليها الأمر ويمنح للرأي العام ما يمكن تسميته بوهم "الحرب النظيفة". وهذا ما ظهر مع الاستخدام الأميركي الكثيف للطائرات من دون طيار في أفغانستان وباكستان والصومال واليمن، والذي تسبب في آلاف القتلى من المدنيين، "لكنه أنقذ أرواحَ أميركيين". أما الضحايا المدنيين غير الأميركيين فلا يكترث لهم الرأي العام الدولي ولا الغربي.

وعلى الرغم من أن لودريان أعلن، في القاعدة العسكرية الفرنسية في نيامي في النيجر، عن تعزيز القوات الفرنسية بطائرات من دون طيار جديدة لتصبح في سنة 2015 سبع طائرات تساند الطائرات القتالية الفرنسية المتطورة من نوع "ميراج" و"رافال"، فإنه اعترف بأن الحل لن يكون إلا دبلوماسياً وسياسياً ودولياً وإقليمياً.

ففرنسا لن تستطيع الاستمرار في حرب استنزاف طويلة، لأن الوقت ليس في صالحها، ولأن مقاتلي الصحراء من الطوارق وغيرهم لا ينظرون إلى الزمن برؤية الغرب المدجج بالسلاح نفسها.

من هذا المنطلق، فإن السياسة الفرنسية تتأرجح بين الحل العسكري لاستئصال الحركات المسلّحة في ليبيا، وهو حل غير واقعي، وبين الحل السياسي الذي تنادي به الجزائر التي ترعى مفاوضات طويلة وشاقة بين مختلف أطياف المشهد المالي، والتي تشجع أيضاً الأطراف الليبية المتناحرة على المصالحة الوطنية الشاملة من دون أي تدخل خارجي، ولأن أي مغامرة عسكرية جديدة ستؤدي، كما قال رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق دومينيك دوفيلبان، إلى مزيد من الكوارث.

ومن المؤكد أن هذين الخيارين سيكونان على الطاولة في العام 2015.

المساهمون