18 سبتمبر 2017
الانتخابات لا تعطي شرعية لنظام غير شرعي
حبر التصويت في مركز اقتراع بالقاهرة (مايو 2014 Getty)
يبدو أن هناك يقين لدى المرشح العسكري، في مصر، عبد الفتاح السيسي، والقوى التي تسانده في الداخل والخارج (الإقليمي والدولي) بأنه يستطيع أن يدير النظام الاستبدادي بشكل يحافظ على مصالح جميع النخب، وشبكاتها الداخلية والإقليمية فترة طويلة. وبالتالي، الجميع سيبذل جهداً مضاعفاً في الأيام التالية لعملية التنصيب، في تجهيز مسرح الإنجازات، لإيهام المحكومين بأن ثمة تغييراً إيجابياً، وانتعاشاً ستشهده البلاد على يدي القادم الجديد، إلا أن هذا اليقين مبني على تصورات هشة، آيله للسقوط أمام المعطيات التي ينتجها الواقع. فمعطيات الواقع تتجه إلى أن السيسي سيقوم بعملية الإدارة، وليس بالحكم لنظام يحمل في داخله، والفضاء الذي يحيط به، أسباب سقوطه، ولو بعد حين.
قد يبدأ المدير الجديد بتكتيكات سياسية واقتصادية داخلية، من قبيل "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، لنشطاء تم اعتقالهم في الشهور الماضية، "الغلابة أولاً"، وتخفيض أسعار سلع ارتفعت في الأشهر الماضية، من دون وجود مبرر اقتصادي لذلك. "البلد منورة"، حيث ستختفي مشكلة انقطاع التيار الكهربائي فترة محددة. وقد يتم، من خلال علاقات رجال الأعمال في الداخل وفي الإقليم، العمل على رفع مؤشر البورصة ليوحي بأن ثمة انتعاشاً اقتصادياً ستقبل عليه الدولة والمجتمع. أما على الصعيدين، الإقليمي والدولي، فقد تبدأ موجات من الاعتراف بالإدارة الجديدة باعتبارها جاءت من خلال الصندوق الانتخابي، وهذا سيخفف الضغط على حكومات الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوربية، أمام شعوبها، التي كانت تبحث عن ورقة الانتخابات، لتستأنف دعمها المادي والاقتصادي والسياسي لنظام حسني مبارك بوجهه الجديد من دون شروط إلا الحفاظ على أمن إسرائيل، إلا أن مثل هكذا تكتيكات وإجراءات، كمحاولة لإضفاء شرعية للإدارة الجديدة، لا يمكن أن يستمر أثرها إلا في المدى القصير، لتظهر بعد ذلك حقيقة أن المدير الجديد لم يغير في الأحوال شيئاً، سوى أنه جلس على كرسي إدارة النظام.
هذا هو المسكوت عنه في خطابات الجنرال، فهو لا يمتلك برنامجاً حقيقياً لتغيير أوضاع البلاد، هو جاء للحفاظ على أربع وفقط: 1) موازنة المؤسسة العسكرية: فهي سرية، لا يمكن الحديث عنها، ومعرفة بنودها، وأوجه الصرف. 2) أوضاع النخبة الحاكمة بكل شبكاتها، والتي تحوي عسكريين وقضاة وكمبرادوريين، وما يرتبط بها من نخبة طيفيلية، تحوي إعلاميين، وأكاديميين، ورجال دين. 3) اتفاقية الأمن مع إسرائيل، 4) عدم تصدع الأنظمة الملكية المجاورة أمام رياح التغيير الثوري التي اجتاحت المنطقة المستعصية على التغيير.
وهكذا، تبدو لنا أسباب انهيار إدارة النظام، والتي قد تمهد لانهيار النظام لاحقاً، بارزة لا محالة، وقاضية عليه، أيضاً، لا محالة، وهي تتمحور حول الآتي:
ا) اعتماد النظام على المعادلة الأمنية في التعامل مع الشعب، معارضين أو مؤيدين: فإن نجاح المرشح العسكري قد يوحي له بأنه حصل على تفويض بإعادة القبضة الأمنية الحديدية ثانية، للسيطرة على الفضاء العام والحراك الاحتجاجي. لكن، في الحقيقة، عودة القبضة الأمنية تعني إعادة تشكيل الكتلة الحرجة الثورية من جديد، واتساع مداها، ليشمل مجموعات شبابية، لا تنتمي فقط للمدن الحضرية والعاصمة، بل أيضاً للريف، وهذا يعني أن سياسة الشارع التي اعتمدها النظام ليؤسس شرعيته ستكون، أيضاً، هي من تأتي بنهايته.
ب) السياسة التقشفية: بلغت ديون مصر حتى 2014 إلى 240 بليون دولار، ووصل عجز الموازنة إلى 14 %، ولا يمكن أن تستمر الدول الخليجية الداعمة للنظام في ضخ أموال إضافية، وبالتالي، فإن حكومة النظام ليس أمامها سوى سياسة تقشفية، لن تقع أعباؤها إلا على كاهل الطبقات الوسطى والفقيرة التي لا تزال هي من يتحمل القسط الأكبر من الأعباء الاقتصادية. هذه السياسة سوف تؤدي إلى تحريك الكتلة "المتحركة بطبيعتها"، الباحثة عن الاستقرار والحفاظ أو تحسين المعيشة إلى الالتحام مرة ثانية ب الأفكار الثورية التي لن تنفك الكتلة الحرجة على الحفاظ عليها، باعتبارها المكسب الأهم من الموجه الأولى لثورة 25 يناير 2011.
ج) تردي الخدمات المقدمة للمواطن المصري: ليس سراً أن مؤسسات الدولة الخدمية في مصر وصلت إلى مستوى مزرٍ للغاية، خصوصاً المرتبطة بتوفير الكهرباء، وهذا يدفع شريحة ليست قليلة إلى الشعور بالغُبن المجتمعي والطبقي، خصوصاً وأن تلك الأحياء متاخمة لأحياء الطبقة الثرية، والتي لا تنقطع عنها الكهرباء، مثلاً، أبداً. سيصب هذا الأمر، أيضاً، في اتجاه توسيع الطبقات المتضررة من عودة النظام، والتي اعتقدت أنه يمتلك القدرة على تغيير الأوضاع، بعد القضاء على جماعة الإخوان المسلمين التي تم ربط كل تراجع مجتمعي واقتصادي بها.
د) حماية صورة المؤسسة العسكرية يتطلب كبش الفداء أحياناً: عودة الصحوة الثورية للطبقات المتضررة سيدفعها إلى طرح أسئلة شتاء 2010 بشأن شرعية النظام وإدارته وأمواله، وتململ الرأي العام سيدفع المؤسسة العسكرية إلى وضع مسافة بينها وبين رجل الأمس، إن لم تبدأ من الآن في القيام بذلك، لحماية المؤسسة ومصالحها، والتي تنبني على صورتها باعتبارها مؤسسة تنتمي للطبقة الوسطى، وتضرر مع تضررها، وتنتمى للشعب. إذن، لا مناص من التضحية بالرجل، كما تم التضحية بآخرين، في سبيل الحفاظ على المؤسسة وكهنة المعبد، ومصالحهم وشبكاتهم الاقتصادية المحرم التعرف عليها.
إذن، سيبدأ القوس بالانحناء إلى أسفل تارةً أخرى، ولكن بوتيرة أسرع، فالتوقعات وصلت إلى مداها، والشعب المتلهف للاستقرار ضاق صبراً أن يرى نتائج قبوله بسحق جماعة الإخوان المسلمين، وتخوين النشطاء السياسيين، في مقابل الاستقرار وتحسين الأوضاع الاقتصادية والأمنية. وحتى وإن عمد مدير النظام الحالي على اختلاق مشكلات وهمية، مثل الحرب على الإرهاب، الداخلي والإقليمي، فهذا كله سوف يتلاشى مع مرور الأشهر الأولى لحكمه، من دون تحقيق تحسن حقيقي لحال البلاد ومعاش العباد.
الحقيقة هي، إذن، إن الانتخابات التي يجريها الجنرالات ليُسبغوا عليها صبغة مدنية، لا يمكن أن تعطي شرعية لنظام، ولو اعترفت به جميع الحكومات والأنظمة في العالم، لأن هكذا اعتراف ومساندة ومؤازرة لم تمنع من سقوط مبارك، ولن تمنع من تشكل الكتلة الحرجة في مصر، وقيادتها الحراك الثوري من جديد، واهتزاز عرش النخبة العسكرية المهيمنة على الأوضاع في مصر. الأنظمة التي تُبنى تحت مظلة عسكرية لا يمكن أن تكون شرعية، وإن استمرت سنوات، فالشرعية لا يصنعها العسكريون، ولا يصنعها الإعلام، ولا تأتي بها صناديق الانتخابات المحمولة على ظهور الدبابات!
قد يبدأ المدير الجديد بتكتيكات سياسية واقتصادية داخلية، من قبيل "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، لنشطاء تم اعتقالهم في الشهور الماضية، "الغلابة أولاً"، وتخفيض أسعار سلع ارتفعت في الأشهر الماضية، من دون وجود مبرر اقتصادي لذلك. "البلد منورة"، حيث ستختفي مشكلة انقطاع التيار الكهربائي فترة محددة. وقد يتم، من خلال علاقات رجال الأعمال في الداخل وفي الإقليم، العمل على رفع مؤشر البورصة ليوحي بأن ثمة انتعاشاً اقتصادياً ستقبل عليه الدولة والمجتمع. أما على الصعيدين، الإقليمي والدولي، فقد تبدأ موجات من الاعتراف بالإدارة الجديدة باعتبارها جاءت من خلال الصندوق الانتخابي، وهذا سيخفف الضغط على حكومات الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوربية، أمام شعوبها، التي كانت تبحث عن ورقة الانتخابات، لتستأنف دعمها المادي والاقتصادي والسياسي لنظام حسني مبارك بوجهه الجديد من دون شروط إلا الحفاظ على أمن إسرائيل، إلا أن مثل هكذا تكتيكات وإجراءات، كمحاولة لإضفاء شرعية للإدارة الجديدة، لا يمكن أن يستمر أثرها إلا في المدى القصير، لتظهر بعد ذلك حقيقة أن المدير الجديد لم يغير في الأحوال شيئاً، سوى أنه جلس على كرسي إدارة النظام.
هذا هو المسكوت عنه في خطابات الجنرال، فهو لا يمتلك برنامجاً حقيقياً لتغيير أوضاع البلاد، هو جاء للحفاظ على أربع وفقط: 1) موازنة المؤسسة العسكرية: فهي سرية، لا يمكن الحديث عنها، ومعرفة بنودها، وأوجه الصرف. 2) أوضاع النخبة الحاكمة بكل شبكاتها، والتي تحوي عسكريين وقضاة وكمبرادوريين، وما يرتبط بها من نخبة طيفيلية، تحوي إعلاميين، وأكاديميين، ورجال دين. 3) اتفاقية الأمن مع إسرائيل، 4) عدم تصدع الأنظمة الملكية المجاورة أمام رياح التغيير الثوري التي اجتاحت المنطقة المستعصية على التغيير.
وهكذا، تبدو لنا أسباب انهيار إدارة النظام، والتي قد تمهد لانهيار النظام لاحقاً، بارزة لا محالة، وقاضية عليه، أيضاً، لا محالة، وهي تتمحور حول الآتي:
ا) اعتماد النظام على المعادلة الأمنية في التعامل مع الشعب، معارضين أو مؤيدين: فإن نجاح المرشح العسكري قد يوحي له بأنه حصل على تفويض بإعادة القبضة الأمنية الحديدية ثانية، للسيطرة على الفضاء العام والحراك الاحتجاجي. لكن، في الحقيقة، عودة القبضة الأمنية تعني إعادة تشكيل الكتلة الحرجة الثورية من جديد، واتساع مداها، ليشمل مجموعات شبابية، لا تنتمي فقط للمدن الحضرية والعاصمة، بل أيضاً للريف، وهذا يعني أن سياسة الشارع التي اعتمدها النظام ليؤسس شرعيته ستكون، أيضاً، هي من تأتي بنهايته.
ب) السياسة التقشفية: بلغت ديون مصر حتى 2014 إلى 240 بليون دولار، ووصل عجز الموازنة إلى 14 %، ولا يمكن أن تستمر الدول الخليجية الداعمة للنظام في ضخ أموال إضافية، وبالتالي، فإن حكومة النظام ليس أمامها سوى سياسة تقشفية، لن تقع أعباؤها إلا على كاهل الطبقات الوسطى والفقيرة التي لا تزال هي من يتحمل القسط الأكبر من الأعباء الاقتصادية. هذه السياسة سوف تؤدي إلى تحريك الكتلة "المتحركة بطبيعتها"، الباحثة عن الاستقرار والحفاظ أو تحسين المعيشة إلى الالتحام مرة ثانية ب الأفكار الثورية التي لن تنفك الكتلة الحرجة على الحفاظ عليها، باعتبارها المكسب الأهم من الموجه الأولى لثورة 25 يناير 2011.
ج) تردي الخدمات المقدمة للمواطن المصري: ليس سراً أن مؤسسات الدولة الخدمية في مصر وصلت إلى مستوى مزرٍ للغاية، خصوصاً المرتبطة بتوفير الكهرباء، وهذا يدفع شريحة ليست قليلة إلى الشعور بالغُبن المجتمعي والطبقي، خصوصاً وأن تلك الأحياء متاخمة لأحياء الطبقة الثرية، والتي لا تنقطع عنها الكهرباء، مثلاً، أبداً. سيصب هذا الأمر، أيضاً، في اتجاه توسيع الطبقات المتضررة من عودة النظام، والتي اعتقدت أنه يمتلك القدرة على تغيير الأوضاع، بعد القضاء على جماعة الإخوان المسلمين التي تم ربط كل تراجع مجتمعي واقتصادي بها.
د) حماية صورة المؤسسة العسكرية يتطلب كبش الفداء أحياناً: عودة الصحوة الثورية للطبقات المتضررة سيدفعها إلى طرح أسئلة شتاء 2010 بشأن شرعية النظام وإدارته وأمواله، وتململ الرأي العام سيدفع المؤسسة العسكرية إلى وضع مسافة بينها وبين رجل الأمس، إن لم تبدأ من الآن في القيام بذلك، لحماية المؤسسة ومصالحها، والتي تنبني على صورتها باعتبارها مؤسسة تنتمي للطبقة الوسطى، وتضرر مع تضررها، وتنتمى للشعب. إذن، لا مناص من التضحية بالرجل، كما تم التضحية بآخرين، في سبيل الحفاظ على المؤسسة وكهنة المعبد، ومصالحهم وشبكاتهم الاقتصادية المحرم التعرف عليها.
إذن، سيبدأ القوس بالانحناء إلى أسفل تارةً أخرى، ولكن بوتيرة أسرع، فالتوقعات وصلت إلى مداها، والشعب المتلهف للاستقرار ضاق صبراً أن يرى نتائج قبوله بسحق جماعة الإخوان المسلمين، وتخوين النشطاء السياسيين، في مقابل الاستقرار وتحسين الأوضاع الاقتصادية والأمنية. وحتى وإن عمد مدير النظام الحالي على اختلاق مشكلات وهمية، مثل الحرب على الإرهاب، الداخلي والإقليمي، فهذا كله سوف يتلاشى مع مرور الأشهر الأولى لحكمه، من دون تحقيق تحسن حقيقي لحال البلاد ومعاش العباد.
الحقيقة هي، إذن، إن الانتخابات التي يجريها الجنرالات ليُسبغوا عليها صبغة مدنية، لا يمكن أن تعطي شرعية لنظام، ولو اعترفت به جميع الحكومات والأنظمة في العالم، لأن هكذا اعتراف ومساندة ومؤازرة لم تمنع من سقوط مبارك، ولن تمنع من تشكل الكتلة الحرجة في مصر، وقيادتها الحراك الثوري من جديد، واهتزاز عرش النخبة العسكرية المهيمنة على الأوضاع في مصر. الأنظمة التي تُبنى تحت مظلة عسكرية لا يمكن أن تكون شرعية، وإن استمرت سنوات، فالشرعية لا يصنعها العسكريون، ولا يصنعها الإعلام، ولا تأتي بها صناديق الانتخابات المحمولة على ظهور الدبابات!