الانتخابات في سورية أداة حرب وإخضاع

06 يونيو 2014   |  آخر تحديث: 04:41 (توقيت القدس)
+ الخط -
تعامل النظامُ السوريّ مع خطوة انتخابات الرئاسة باعتبارها جزءاً من آلته العسكرية التي تمعن، منذ ثلات سنوات، قتلاً وتهجيراً ضد عموم السوريين. ولم يكن تحويل صناديق الاقتراع إلى براميل متفجرة مجرد حيلة فنية، ابتدعها ناشطون معارضون، ضمن حملات إدانتهم "انتخابات الدم". وليست المماهاة بين الصندوق الذي يحيل إلى السياسة والبرميل الذي يحيل إلى العنف أمراً عارضاً في سلوك هذا النظام، بل جوهري، يتغلف بقصدية المزج بين العنف والسياسة وإزالة الحدود بينهما. ذاك أن حزب البعث لم يميز بين الدبابة وصندوق الاقتراع وسيلة للوصول إلى السلطة في سورية نهاية الستينيات، وعدم التمييز جزء من عقيدة شمولية، تُخضع العنف للسياسة، وتتوسله ذراعاً جوهرياً لها، لتبدو العلاقة بينهما لزجة وعسيرة الفصل.
أراد بشار الأسد أن يستخدم مفهوم الانتخابات سلاحاً في معركته المتواصلة ضد شعبه، فلم يكتف بتفريغ المفهوم من بعده الديمقراطي، بل منحه بعداً عسكرياً يسرّع الحسم ضد الجموع المنتفضة، لتبدو العملية الانتخابية الأسدية جزءاً من المخطط الرامي إلى قمع الثورة. مخطط بدأ بنزع أظافر أطفال درعا، مروراً بتهديم المدن والقرى فوق رؤوس ساكنيها، وصولاً إلى الانتخابات. هو مسار يُلابس العنف والسياسة، يُخالط بينهما عن عمد، كاشفاً عن نازع استبدادي-عائلي صلب، يحترف ارتكاب الجرائم والتنصل من استحقاقاتها المفاهيمية، فتنتزع فكرة الانتخابات من بيئتها المعرفية أداة للممارسة الديمقراطية، لتصبح وسيلة حرب قهرية، تستكمل عمل الطائرات والمدافع والبراميل المتفجرة.

ثمة تبادل أدوار بين أدوات الأسد القمعية، بعضها يهتم بتصفية المعترضين جسدياً ومادياً، وبعضها الآخر يُخصص للاستلاب الكياني، وتحويل هؤلاء المعترضين إلى أصوات انتخابية خائفة. وبذلك، يصبح المصوتون ضحايا، يماثلون أولئك الذين يسقطون جراء البراميل المتفجرة، وكأن الجثث تعادل الأصوات لدى المنطق الأسدي الساعي إلى وأد الثورة. أساليب الترغيب والترهيب التي استخدمتها أجهزة النظام، لإرغام الناس على المشاركة بالانتخابات الرئاسية، من تهديد الموظفين بقطع رواتبهم، مروراً بإجبار طلاب الجامعات على التصويت للأسد، وصولاً إلى التهديد بالاعتقال، لا تختلف كثيراً عن التي يستخدمها النظام في حربه العسكرية ضد شعبه، حيث القصف العشوائي والتدمير الممنهج واستهداف القرى بغاز السارين والكلور.
النظام الذي يسعى إلى إخضاع المعارضين العلنيين، بقصفهم وتحويلهم إلى جثث هامدة، يسعى، أيضاً، إلى إخضاع من يخشى معارضته في مناطق نفوذه، وتحويلهم إلى أصوات توضع في صناديق مدجنة، اعتادت أن تفرز نتائج مطلقة. وإذا كانت بعض الكتل المجتمعية صوتت للأسد، بدوافع طائفية أو مصلحية، فذلك لا يغير من طبيعة الشروط العنفية التي صنعها النظام، لإنتاج انتخابات رئاسية، أقل ما يقال فيها إنها استكمال للحرب التي تشنها آلته العسكرية ضد عموم المناطق والقرى السورية الثائرة.
والحال، فإن تحويل العملية الانتخابية من السياسة إلى الحرب تعدّ الخيار الوحيد المتاح لدى النظام السوري، بعد أن فقد القدرة على المبادرة الدبلوماسية، وبات معزولاً تتنافس الدول الغربية على نزع الشرعية عنه. ما يجعل خطوة الانتخابات أقرب إلى الصفر، وفق تعبير وزير الخارجية الأميركي، جون كيري. لكن، الصفر بالنسبة للمجتمع الدولي يعني تمديد الصراع سنوات إضافية، خصوصاً وأن الاستياء من إعادة انتخاب الأسد بقي عند حدود عدم الاعتراف السياسي، ولم ينعكس خطوات فعلية لدعم المعارضة، وكأن العالم يريد للأسد أن يستخدم انتخاباته وسيلة للحرب، ليبقي عليه طرفاً في صراع لا يملك حالياً أي رؤية لحله.
لن يستفيد النظام، إذن، من إعادة انتخاب رئيسه، لتحصيل نتائج سياسية، تتبدى في الداخل السوري. الكلام عن "سورية الجديدة" و "غداً يوم آخر" لا يتعدى البروباغندا الساذجة التي يحترف كتبة الموالاة فبركة عناوينها، بهدف تصوير (العرس الديمقراطي) على أنه انتصار للنظام، جاء بعد سلسلة انتصارات ميدانية. هذا الخطاب ليس سوى تأكيد على التماهي بين الآلتين العسكرية والانتخابية، وإذا كانت الأولى قد أنتجت الثانية، بحسب المنطق الموالي، فإن الأدوار قابلة للتبدل، طالما أن العلاقة بين العنف والسياسة شديدة السيولة داخل النظام البعثي. الواقع أن الانتخابات لم تمنح النظام أي نقطة إضافية ضد شعبه المنتفض، ولم تساعده على إعادة تثبيت حكمه المتصدع. كل ما في الأمر أنها ستمنحه الوقت لوضع خطط عسكرية جديدة، يتوهم من خلالها الأسد أنه يقترب من الحسم، فيما هو يزيد من ضخامة سجله الإجرامي.
8BBD9EC4-AC04-46CB-9A15-981E319C4EE2
إيلي عبدو

كاتب وشاعر سوري مقيم في بيروت. نشر مقالات في عدة صحف ودوريات عربية، وتقارير وتحقيقات تتابع تطورات الأوضاع السورية الراهنة. وأصدر ديوانه الشعري "كابتسامة بطيئة مثلاً".