الانتخابات الفلسطينية... الاستحقاق المطلوب

27 أكتوبر 2019
الصورة
الانقسام جمد كل التحولات الديمقراطية في البلاد (ليور مزراحي/Getty)
نجح الفلسطينيون عام 2006 في تقديم نموذج ديمقراطي، وذهبوا إلى الانتخابات العامة، وأشاد العالم أجمع في حينه بالعملية الانتخابية وسلاستها وشفافيتها ونزاهتها. ولأول مرة يخسر حزب حاكم عربي، ممثَّلاً بحركة "فتح" التي كانت حزب السلطة والمنظمة معاً في الانتخابات، وفازت حركة "حماس" التي لم تكن في السلطة، وكانت تعارضها وتعارض اتفاق أوسلو الذي أنشأها بالأغلبية.

لم تصمد التجربة طويلاً، إذ أفضت نتائج الانتخابات إلى تدحرج المشهد إلى الاشتباكات وصراع الصلاحيات وتجميد الولاءات، فلم يعد وزير الداخلية في حينه قادراً على إدارة وزارته وضباطه، وبدت مظاهر التمرد تتجلى وتتبدى، وبدت التباينات والخلافات، وبدلاً من أن تؤدي الانتخابات إلى الاستقرار السياسي وتقدم كآلية لتداول السلطة وتدوير النخبة، أصبحت بوابة للانقسام السياسي وللاقتتال والفلتان الأمني وعدم الاستقرار، وانتقل المشهد من الاحتكام إلى صناديق الاقتراع إلى تحكيم لغة السلاح وتغليبها والاشتباك والقوة.

ومنذ عام الانتخابات اليتيمة التي حدثت في عام 2006، وأحدثت ما أحدثته في المشهد الفلسطيني، تعطلت كل الانتخابات والتحولات والديمقراطيات، وجمدت كل الآليات، وشرع الفرقاء في ماراثون اللقاءات والحوارات من أجل تحقيق مصالحة كانت تتعطل كل مرة وتُجمد عند كل لحظة تكاد أن تصل فيها إلى نهايتها. وبدلاً من أن تؤدي الانتخابات إلى التداول على السلطة والاستقرار من أجل الاستقلال، أدت إلى الانقسام والاقتتال والتآكل. واستمرّ المشهد يراوح مكانه، ولم تُعَد الانتخابات رغم انتهاء الشرعيات، بل مرّت 13 عاماً ولم يتفق الفرقاء والشركاء على الانتخابات، ليبقى السؤال: أيهما أولاً، الانتخابات أم المصالحة التي تؤدي إلى الانتخابات؟

أخيراً، نجحت ثمانية فصائل في تقديم مبادرة تضاف إلى مجموعة مبادرات قدمت سابقاً، لكن جديد هذه المبادرة أن الفصائل قالت فيها بضرورة الاتفاق على الذهاب إلى الانتخابات، كشرط لإنجاز المصالحة، ووضعت ملامح للفترة الانتقالية، بل قالت بتشكيل حكومة وطنية مهمتها الإشراف فقط على الانتخابات، وحددت منتصف عام 2020 للانتهاء من إجراءات الانتخابات وإنهاء الانقسام، ردت حركة حماس على المبادرة بالإيجاب، بينما سكتت حركة فتح ولم تُبدِ موافقتها أو رفضها. بينما أيدت باقي الفصائل المبادرة، بما فيها التي ترفض المشاركة في الانتخابات، كحركة الجهاد الإسلامي.

لا تبدو الانتخابات قريبة، وإن كانت مطلوبة كممر إجباري للخروج من عنق الانقسام. لكن الحالة الفلسطينية الراهنة ليست قريبة من الذهاب للانتخابات. فلسطينياً، لم نتفق على مجموعة استحقاقات وطنية وسياسية من أجل الانتخابات، ففيما ترى فتح ضرورة إجراء انتخابات تشريعية أولاً، ترى حماس أنه يجب أن تكون الانتخابات تشريعية ورئاسية وبشكل متزامن.

إذا استمر التردد والجمود والوقوف في منطقة لا انتخابات ولا مصالحة كملمح رسمي للعلاقة بين فتح وحماس، فإن نتائج هذا الوقوف ستكون تآكل الحاضنة الشعبية وخسران أصوات الناخبين وتراجع قناعات العامة في خطابات وأدبيات وبرامج كل من فتح وحماس، وسيقول الناس في الوقت المناسب كلمتهم وسيبدون أصواتهم، وإن كان تصويتاً اعتراضياً أو احتجاجياً، وسيمضي الاحتلال الإسرائيلي في مخططاته ومشاريعه. ففي زمن الانقسام مرّ الاحتلال ومرر كل ما يريده، وما زلنا نحن نتساءل: أيهما أولاً، الانتخابات أم المصالحة؟ وانتخابات رئاسية أم تشريعية أم الاثنان معاً؟.