الانتخابات العراقية وصندوق العجائب: لا قيمة لحسابات الورقة والقلم

الانتخابات العراقية وصندوق العجائب: لا قيمة لحسابات الورقة والقلم

08 ابريل 2014
الصورة
شرطي عراقي يتسلّم بطاقته الانتخابية في النجف (حيدر حمداني،GETTY)
+ الخط -

أكثر من سبب ومبرر، يجعلون الانتخابات البرلمانية في العراق بنسختها الثالثة المقررة في نهاية شهر أبريل/نيسان الجاري، "مميزة" ومحفوفة بالمخاطر، وقابلة لمفاجآت "من العيار الثقيل". ففضلاً عن أنها تجري للمرة الأولى خارج حراب القوات الأميركية، والتي تولت حماية نسخها السابقة منذ عام 2003، فإنّ الدورة المقبلة سبقتها انهيارات سياسية خطيرة على مستوى البرلمان الحالي، وداخل الكتل، فضلاً عن خراب شامل للوضع الأمني في ست محافظات: هي بغداد وديالى الانبار وصلاح الدين وكركوك ونينوى. إضافة إلى مخاطر حقيقية تهدد الناخبين في حال قرروا الخروج من منازلهم إلى مراكز الاقتراع في ثلاث مناطق بمحافظات أخرى، هي شمال بابل وجنوب غرب محافظة واسط وجنوب غرب كربلاء المحاذية لمحافظة الأنبار.

ووفقاً لتقارير المفوضية العليا المستقلة للانتخابات العراقية، فإن نحو 21 مليون و400 ألف مواطن يحق لهم التصويت في الانتخابات البرلمانية المقبلة، موزعين على 18 محافظة عراقية، تحتل بغداد الثقل الأكبر بين المدن، تليها نينوى والبصرة، لاختيار 328 نائباً، من بينهم 18 مقعداً للمسيحيين والصابئة والشبك.

وبشكل عام، يكون توزيع المقاعد على المحافظات بواقع 69 مقعداً لبغداد، و31 مقعداً لنينوى، والبصرة 25 مقعداً، و19 لذي قار وبابل 17، والسليمانية 18، والانبار 15، واربيل 15، وديالى 14، وكركوك 12، وصلاح الدين 12، و12 للنجف وواسط 11، والقادسية 11، وميسان 10، ودهوك 11، وكربلاء 11، والمثنى 7 مقاعد، ليصبح عدد المقاعد 320 مقعداً، إضافة إلى مقاعد الأقليات.

التصويت لمَن استطاع إليه سبيلاً
وعلى الرغم من أمل الشارع العراقي في أن تحمل الانتخابات المقبلة تغييراً ما، على المستويات كافة، بعدما فشلت حكومات، نوري المالكي، المتعاقبة في تنفيذ أي من الوعود، التي قطعها على نفسه خلال الدورتين الماضيتين، كالأمن والرخاء الاقتصادي والمصالحة الوطنية، إلا أن استطلاعاً للرأي أجرته مؤسسة "شفق" العراقية المعنية بالديمقراطية وحقوق الإنسان، أظهر أن غالبية العراقيين لديهم مخاوف حقيقية من تزوير الانتخابات لصالح المالكي، أو أن يلتف على نتائج الانتخابات، كما حصل في عام 2010، عندما فازت قائمة رئيس الوزراء الأسبق، إياد علاوي، لكنه لم يتمكن من الحصول على توافق سياسي للفوز برئاسة الوزراء.

ومع اعتماد مفوضية الانتخابات، للمرة الأولى، نظام التصويت الالكتروني للناخبين، إلا أن الخوف لا يزال يلازم العراقيين من أن النتيجة محسومة مسبقاً، ما يرجح احتمالات حصول أزمات سياسية كبيرة فور إعلان نتائج الانتخابات، خصوصاً في ظل الاتهامات التي وجهها سياسيون ورجال دين للقضاء بعدم حياديته وخضوعه لنفوذ المالكي.

إلا أنه يتوقع أن يكون الإقبال على الانتخابات، ضعيفاً للغاية، وفقا لما تشهده البلاد من تردٍّ كبير في الأمن، وتهديدات ضمنية أطلقتها جماعات دينية متطرفة، وصفت الانتخابات بأنها "أفيون للشعوب المسلمة"، ورأت أن إيران "لن تسمح أن يكون هناك حكم سني أو حتى علماني في العراق حتى لو استورد العراقيون من قبائل الزط و الزولو أشخاصاً ومنحوهم الجنسية، ليصوتوا معهم". ويرى كثيرون أنه يمكن الاستدلال بانخفاض نسبة التصويت العام في انتخابات مجالس المحافظات، العام الماضي، التي بلغت 38.4 في المئة، لتوقّع النسبة الممكنة من التصويت أواخر الشهر الجاري.

الخريطة السنيّة العربية


لذلك، يتوقع المراقبون ألا تزيد نسبة الاقتراع عن الـ45 في المئة بعموم مدن العراق لاستحالة إجرائها في مدن مختلفة كالانبار وأبو غريب وضواحي بغداد الجنوبية والشمالية، فضلاً عن بهرز وضواحي ديالى الشرقية وتل الرمان والجزيرة والحضر في نينوى. فجميع تلك المناطق تُعتبر ساقطة بشكل شبه كامل بيد الجماعات المسلحة، إضافة إلى صعوبة وصول المواطنين الى مراكز الاقتراع في باقي المناطق ذات الغالبية السنية العربية... كل ذلك من دون الحديث عن خيبة الأمل التي يشعر بها طيف واسع من الشارع السني العربي إزاء ما يعتبرونه "خذلان" المسؤولين السنة لمدينة الفلوجة والرمادي والأحداث التي شهدتها مدينة الحويجة جنوب كركوك نهاية العام الماضي، ومجزرة جامع سارية في بعقوبة مطلع العام الجاري، وعمليات الاعتقال ونشاط المليشيات.

وبات "الحزب الإسلامي"، الجناح العراقي لحركة "الإخوان المسلمين"، يحظى بشعبية أكبر من ذي قبل بعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها الفلوجة والرمادي وديالى، واعتقال عدد كبير من قيادات الحزب بتهم "الإرهاب"، كان آخرهم النائب أحمد العلواني، وهو ما اعتبره قسم كبير من الشارع السني دليل على "صحة نهج الحزب وعدم تواطئه"، على خلاف كتلة "مؤتمر صحوة العراق" وقائمة نائب رئيس الوزراء، صالح المطلك أو قائمة "عابرون" التي يتزعمها عدد من رجال الأعمال السنة المقيمين في عمّان وبيروت ودبي بزعامة محافظ الانبار السابق، قاسم الفهداوي.

تغيّرات "البيت الشيعي"
أما صورة الحشد للانتخابات في الشارع الشيعي، فتبدو أكثر قوة وحماسة، مع تكرار صدور فتاوى رجال الدين والمرجعيات التي تنص على ضرورة المشاركة في التصويت "للتغيير نحو الأفضل"، وكي لا تبقى حجة لأي مواطن ليلعن البطالة والفقر وانعدام الأمن والخدمات.

وبرزت أحزاب وتكتلات جديدة، يقودها شبان غير معروفين على الساحة، يتوقع أن يتمكنوا من مزاحمة الكتل الشيعية الرئيسية الثلاث، وهي "المجلس الأعلى" والتيار الصدري وحزب الدعوة الإسلامية. وأبرز الوافدين الجدد، "التيار المدني الحر" الذي يتزعمه شبان ناشطون في مجال الحريات وحقوق الإنسان، مع ميول واضح للأفكار الشيوعية.

في المقابل، يضع الأكراد أقدامهم على أرض مريحة نسبياً بسبب بقاء تحالفهم متماسكاً في الانتخابات التي سيدخلونها في قائمة واحدة تتمثل بالحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة رئيس الإقليم، مسعود البارزاني، وحزب الاتحاد بزعامة، جلال الطالباني، الذي تتولى زوجته، هيرو إبراهيم، مسؤولية الحزب في ظل مرضه الدائم، فضلاً عن حزب التغيير الداخل بقوة إلى البرلمان الكردي أخيراً، بزعامة، نيشروان مصطفى، المنشق عن حزب الطالباني منذ عام 2011، و"الحركة الإسلامية الكردستانية" التي تمثل جناح المعارضة الوحيد داخل برلمان إقليم كردستان، ويتزعمها سياسيون إسلاميون من حركة "الإخوان المسلمين" والطريقة الصوفية والحركة السلفية في كردستان.

المالكي إلى تراجع... ولكن
على الصعيد الوطني، تشير بعض الإحصاءات واستطلاعات الرأي إلى تراجع شعبية المالكي، على خلاف الانتخابات الماضية، في مقابل ارتفاع شعبية التيار الصدري بزعامة، مقتدى الصدر، يليه المجلس الأعلى بزعامة، عمار الحكيم، إضافة إلى "القائمة العراقية" التي تضم مكونات سنية وشيعية علمانية مختلفة.

لكن ذلك الوضع يرفع مجدداً من احتمال تشتت أصوات العراقيين السنة العرب وتوزعها على قوائم صغيرة يسهل التحالف معها في ما بعد من قبل القوائم الكبيرة، وفقاً للعبة النِّصاب البرلمانية التي تتطلب خرق حاجز الثلثين لنيل الثقة لرئاسات الحكومة والجمهورية والبرلمان.

لكن مؤشرات عدة تفيد بأن "البوصلة" السياسية في العراق تبتعد تدريجياً عن حزب "الدعوة" والمالكي، لتزداد قرباً من التيار الصدري والمجلس الأعلى، خصوصاً بعد صدور إشارات من زعماء أكراد وشيعة، فضلاً عن قيادات سنية عديدة، عن أن المالكي، وحزب "الدعوة" حصلوا على ثماني سنوات في الحكم من دون تحقيق نتائج تذكر، وبالتالي يجب البحث عن بديل آخر بأفكار وأهداف أخرى.

وعن هذا الموضوع، يقول القيادي في "كتلة الأحرار" (التيار الصدري) البرلمانية، حاكم الزاملي، إن "البيت الشيعي سيعيد ترتيب صفوفه من جديد بناءً على التجربة السابقة مع المالكي، وحتى الآن هناك تحالف وتقارب كبير من كتلة المواطن التابعة لعمار الحكيم، وتقارب كبير في الأفكار بيننا وبين السنة والأكراد قد يتبلور إلى تحالف جديد مبني على مصالح مشتركة"، مشيراً إلى أنه "لا تحالف مع المالكي، على قاعدة المجرَّب لا يجرب".

ورقة أصوات الأمنيين

إلا أن المالكي، لا يزال يملك البطاقة الرابحة في اللعبة الانتخابية، وهي أصوات قوات الجيش والشرطة وجهازي المخابرات والامن الوطني. وتُعتبر تلك المؤسسات والاجهزة دوائر انتخابية مقفلة لصالحه، ويحظى عناصرها برعاية كبيرة من المالكي، ويدين جزء كبير من أفرادها له بالولاء الكامل، وهذه الكتلة تضم حوالي مليون و189 ألف صوت (مجموع عديد قوات الجيش والشرطة وباقي الأجهزة الأمنية).

كما أن المالكي، يملك ورقة رابحة أخرى، تتمثل في التحالف مع بعض الحلفاء السنة العرب، مثل "مؤتمر صحوة العراق" و"ائتلاف عابرون". إلا أن مراقبين يرون أن ذلك لن ينفع المالكي، كثيراً لأن تلك الكتل خسرت جزءاً من شعبيتها داخل مناطقها. كل ذلك يعزز من احتمال حصول تقارب بين بعض الأحزاب السنية والشيعية، باستثناء "الدعوة" طبعاً، فضلاً عن "التحالف الكردستاني" للاتفاق على رئيس وزراء جديد.

ويقول المتحدث باسم "القائمة العراقية"، حيدر الملا، لـ"العربي الجديد": إن الجميع متفقون على أن لا ولاية ثالثة للمالكي، "وأعتقد أن الرسالة وصلت الى إيران والولايات المتحدة والدول التي تدعمه، فبقاء الرجل في منصبه يعني ضوءاً أخضر بانهيار العراق وتشتته إلى دويلات صغيرة، واندلاع حرب طائفية بشعة لن يكون فيها طرف رابح على الإطلاق".

التدخل الخارجي... بعد فرز الأصوات

ولا يتوقع الملا، أن يكون هناك أي دعم أو تدخل أميركي لمصلحة أي من القوائم المتنافسة في الانتخابات خلال المرحلة الحالية على الأقل. أما القيادي في "التحالف الكردستاني"، محمود عثمان، فيشير كذلك إلى أن الولايات المتحدة لن تتدخل لدعم أي طرف على حساب آخر مثلما حصل في الانتخابات الماضية، "كما أن دول الخليج لم يفعلوا ذلك في الماضي حتى يفعلوها اليوم" على حد تعبيره. غير أن الملا، يرى أنه "في حال حصل تدخل من الدول الإقليمية وحتى الغربية، فذلك سيكون بعد إعلان النتائج لاختيار رئيس للوزراء، وهذا مؤكد الحدوث، وقد يلغي كل العداوات السابقة ويحولها إلى تحالفات أو بالعكس"، على غرار ما حصل عندما وقع الاختيار على المالكي في ولايته الحكومية الثانية.



"سانت لغيو" وتعويم "الصغار"

وبخصوص نظام الانتخابات العراقية، فستعتمد المفوضية نظام "سانت لغيو"Sante Lague المعدَّل من قبل البرلمان العراقي في شباط العام الجاري، والذي يمنح الكتل الصغيرة فائض الأصوات المتحققة فوق السقف الانتخابي للكتل الكبيرة، لصالح الخاسر الأكبر من بين القوائم في كل دائرة انتخابية واحدة.

بكلام آخر، فإنّ الدائرة الانتخابية التي تتطلب تحقيق 20 ألف صوت للحزب أو الكتلة للفوز، توزع فائض الأصوات التي حققتها على بقية الكتل الخاسرة وفقاً لنظام حسابي يعتمد على طريقة 3,6,9، مطبق حالياً في دول غربية مختلفة مثل نيوزيلندا والنرويج والسويد والبوسنة. نظام يمنح الكتل الصغيرة فرصة كبيرة للحصول على مقعد أو مقعدين في البرلمان، وستكون حينها أوراق "جوكر" تسعى جميع الكتل الكبيرة لكسبها من أجل نيل غالبية في مجلس النواب، تمكنها من الفوز برئاسة الوزراء.

وعلى ضوء الوقائع في الساحة العراقية، يمكن توقع تحالف يضم كل من المجلس الأعلى والصدريين و"متحدون" بدعم ومباركة كردية، يتم من خلاله منح منصب رئيس الجمهورية لقائمة "متحدون" السنية العربية، في مقابل منح رئاسة البرلمان للأكراد، فيما تنال شخصية مرشحة عن "المجلس الأعلى" أو التيار الصدري منصب رئاسة الوزراء. لكن التوقعات تلك تبقى مجرد تكهنات بناءً على معطيات بلدٍ يشهد تغييرات عدة في اليوم الواحد، لناحية مواقف الكتل والأحزاب والسياسية.

المساهمون