الانتخابات الرئاسية المصرية.. خلافات بمذاق التعافي

10 اغسطس 2017
الصورة
+ الخط -
مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المصرية، تصاعدت أصوات السياسيين، واختلفت، شأنها شأن أي اجتهاد يتعلق بالشأن العام. وبين أطروحات النقاش، وجدنا اتجاها يرى الوضع في مصر مرشحا لمزيد من السوء، لو لم يتوافق المجتمع السياسي على مرشح واحد، يؤدي الاحتشاد خلفه إلى أي تغيير المشهد الراهن. واتجاها آخر يدعو إلى المقاطعة، ويرى أن المرشح الثاني، أيا كانت نزاهته ووطنيته، ومهما ترفع عن مداهنة النخبة الحاكمة من قبل، فإن ترشحه لن يكون سوى "محلل"؛ كما شأن الزيجات الحرام، يسبغ "شرعية ما" على سياقٍ منزوع الشرعية.
رأينا مثيل هذا الاختلاف في فترة حكم الرئيس الأسبق، حسني مبارك، خلال خبرة 2005، وإن كانت مثيلاتها أكثر حيال الانتخابات التشريعية، غير أن الصورة الراهنة لهذا الاختلاف تختلف تماما عن طرحها قبل يناير/ كانون الثاني 2011. لم يعد الخلاف الراهن خلافا في وجهات النظر السياسية، كما كان الحال قبل "25 يناير"، بل هو خلاف أقرب إلى الدعوة إلى الوحدة، يقوم فيه كل فريق بدعوة الفريق الآخر كله إلى الانضمام إليه من أجل "إنقاذ مصر".
وبصرف النظر عن النخب المؤيدة لإدارة "3 يوليو"، يتفق المعارضون المختلفون اليوم في أنهم يرون الوضع الراهن من أسوأ ما مر بمصر من أداءات سياسية أو اقتصادية أو ثقافية، بمساراتها الداخلية والخارجية. كما أنهم يتوافقون خلف رغبة تجمع الجميع في أن يجنّبوا مصر مصيرا يرونه أكثر قتامةً مما تمر به مصر حالياً. ويجمعون على أن النخبة الراهنة كلها ينبغي استبدالها بما هي أقلّ مما يليق بدولةٍ بوزن مصر. يتفقون جميعا على الأمل، حتى وإن كان هذا الأمل مختلف المسارات. يرى بعضهم الأمل في أن نتوجه إلى الصندوق لإطلاق صرخةٍ لعلها تقود إلى تغيير؛ أي تغيير، ويرى بعضهم أن الصرخة لن تصل إلى الآذان، إلا إن كانت بقدر "الزعيق" عزوفا عن منح صندوق غير نزيه، وغير مصحوبٍ بأية ضمانة، صيغة "تحلة" في أعين الداخل و"الخارج".
الأمل المذكور إشارة إلى بدء مسار تصحيح وضع أزمة الهوية التي قادت شركاء 2011 إلى الانحراف عن مشروع يناير، تحت تأثير مشروع "الحكم بالخوف" الذي دفع بعضهم إلى 
معاودة الالتصاق بدولة يوليو التي رأوا فيها تجسيدا لمشروع التحديث المنشود، كما دفع آخرين إلى الالتصاق بالتنظيم الذي رأوا فيه العاصم في مواجهة تكتل "العلمانية"، بقدر ما دفع بعضهم كذلك إلى الالتصاق بأكثر المشروعات المطروحة مشابهة لنموذج مبارك بفزاعته التي منع بموجبها حقوقا قانونية، ومنح غير القانوني، ما آل بمصر إلى ما آلت إليه.
ليس الخوف المقصود هنا مرادفا للقمع، ولا هو تعبير عن تغول الدور القسري للأجهزة الأمنية، بل هو عملية إرهاب معنوية من الآخر/ شريك الوطن، فقد اتخذت عملية الهندسة السياسية للمجتمع المصري من "التخويف الهوياتي" وسيلة الدولة للسيطرة على المجتمع منذ يوليو 1952، تارة بتصوير الدولة طليعة التحديث في مواجهة العقل الخرافي وحضور "الجماعة" (إحدى أدوات الرئيس جمال عبد الناصر والنخبة العسكرية)، ثم تنقلب الآية للتأكيد على ضرورة "استدعاء الإسلاميين من أجل هوية الأمة" (أداة السادات لاحتواء اليسار في عهد ما بعد عبد الناصر)، ثم نأتي إلى أداة مبارك عبر الاستقطابين الإسلامي – العلماني والإسلامي – المسيحي، ثم الخطاب الهوياتي للإسلاميين بعد يناير، ثم حديث "السلم" الذي طلعت عليه الجماعة، ثم أخذته معها.
جاءت بداية عملية تصحيح مسار أزمة الهوية بسلسلة رسائل، عبرت عنها تجمعات إسلامية – مدنية" بضرورة الوحدة على خلفية المصلحة الوطنية، ومبادرات أبرزها "وثيقة بروكسل" و"إعلان القاهرة" و"نداء وطن"، ولم تنته بمبادرة "الجبهة الوطنية المصرية"، وبعد تمنع دام قرابة عامين، ومع إطلالة السيئ، ثم الأسوأ، في الأداء السياسي لنخبة 3 يوليو، بدأ الطرف الآخر/ المدني يردّ بضرورة الفرز، بحسب الموقف من الديمقراطية والمصلحة الوطنية، ثم تقدم الطرح قليلا باتجاه إدماج أعضاء الجماعة في "الحركة الوطنية" باعتبارهم "مواطنين"، وليس باعتبارهم "إخوانا مسلمين"، بانتظار أن تنضم "الجماعة" نفسها إلى الركب بعد المراجعة المعلنة. وبين الطرحين، لمحنا خطابا مدنيا حقوقيا تجاه "المسنين" من نخبة إدارة الرئيس محمد مرسي، المستشار محمود الخضيري والمرشد السابق محمد مهدي عاكف، وقد اتسع نطاق هذا الخطاب الحقوقي إثر ذلك، للحديث عن المعتقلين كافة، على الرغم من العوامل الموضوعية التي تحول دون سماع صوته. وتمثل هذه الخطابات الثلاثة أحد أهم المداخل التي تشهدها مصر، لكسر مشروع "الخوف" الذي تدار به مصر منذ عقود.
بهذا "الخوف المنهجي"، حكمت نخبة يوليو مصر، حتى وصلت بها إلى التكوين الشائه المأزوم الذي نراه اليوم مستشريا في الجسد المصري. والأمل المصري الوليد يجتهد لمواجهة هذا
المشروع ببعديه. وليست "الفزاعة" الشهيرة سوى أحد وجهي مشروع الخوف المنهجي، فهي الوجه المشخصن للمشروع، والذي تتعدّد أشكاله تبعا للفريق المراد تخويفه. أما الوجه الآخر، وهو الأخطر، لأنه الدعامة الأساسية لهذا المشروع، فيتمثل في الأثر النفسي المتحصل لدى الفرقاء/ الشركاء، حين يكون "المشروع الهوياتي" موضع تهديد. ولا يرتبط المشروع الهوياتي هنا فقط بدين أو لغة أو عرق، بل يتعدّاهم إلى أي مشروع يمكن للفرد أن يتعرّف على نفسه من خلاله، وهو بهذا المعنى قد يكون منطقة جغرافية، أو طبقة اجتماعية، أو مشروعا فكريا، أو فريقا كرويا، أو حزبا سياسيا، أو جماعة إثنية.. إلخ.
يلفت أمين معلوف في "هوياته القاتلة" إلى أن المجتمعات (وتكويناتها) لا تتعرّف على أزمة الهوية لديها إلا في أحلك اللحظات التي تواجهها هذه الهوية، فيدركون هذه الهوية في لحظة تهديد حاسمة، وهو ما يجعل الاستنفار في سبيل المشروع الهوياتي استنفارا عاطفيا أكثر منه موضوعيا. ولعل هذا النزوع العاطفي ما دفع إلى قبول منطق الدعاية الساذج الذي مثل ديباجة خطاب لحظة "3 يوليو"، بكل ما حملته من "كراهية" و"تخويف".
ربما يكون تجاوز هذا المشروع المنهجي بداية ناجعة، بعيدا عن حديث الانتخابات، لكن بناء توافق النخبة حيال مواجهته يعقبه ضرورة الاتجاه إلى ترتيباتٍ أكثر وعيا وكفاءة تقتضيها أخطر تجليات مشروع الخوف على "الوطن"، والذي توجهت به أذرع "3 يوليو" الإعلامية إلى عقل رجل الشارع، وما ترتب عليه من نمط هوية بدائية سهلت على المواطن البسيط عملية ابتلاع أحداثٍ أقل ما يمكن أن توصف به أنها "ضد الوطن"، لعل أخطرها التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير.