الانتخابات التونسية تعيد إلى الإحصاءات هيبتها

17 سبتمبر 2019
الصورة
أعلنت "سيغما كونساي" عن النتيجة بعد ساعتين(فتحي بلعيد/فرانس برس)
ليلة الثامن من نوفمبر/تشرين الثاني 2016، بدا كأن عالم الإحصاءات واستطلاعات الرأي قد مات. تلك الليلة تُوّج فيها دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، ضارباً بكل الأرقام، التي أكّدت فوز منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون في السباق الرئاسي، عرض الحائط. 20 هيئة استطلاع فشلت في تحديد توجهات الرأي العام وقتها، وانشغلت في الأشهر اللاحقة للانتخابات بمحاولة فهم الخلل الذي وقعت فيه في عملها. المشهد نفسه، وإن بتفاصيل أقلّ مأساوية، تكرّر في استطلاعات الرأي التي سبقت التصويت البريطاني على الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست). وسط كل المراجعات والنقد الذاتي الذي بدأته شركات الإحصاءات في العالم، جاءت الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التونسية، لتؤكّد أن الواقع قد يكون مختلفاً. فالأرقام التي قدّمتها شركات استطلاع الرأي في الفترة التي سبقت الجولة الأولى، جاءت متماهية إلى حد كبير مع النتيجة غير الرسمية التي أَعلنت انتقال المرشّحين نبيل القروي وقيس سعيد إلى الجولة الثانية. 

فبينما كان الاتجاه العام يرفض تصديق الأرقام التي قدمتها شركات الإحصاء في تونس والتي أعطت قبل أكثر من أسبوع أفضلية للمرشحين من خارج الاصطفافات السياسية التقليدية، تحديداً المرشح نبيل القروي، الذي تصدّر كل الاستطلاعات، جاءت النتائج الأولية لتؤكد أن هذه الأرقام هي الأقرب للواقع، وأن الكلام السياسي يختلف تماماً عن اتجاهات الرأي العام، وعن تطلعاته بعد ثماني سنوات من إسقاط نظام زين العابدين بن علي.

الشركات الرئيسية
3 شركات خاصّة رئيسية تعمل في تونس حالياً في مجل استطلاعات الرأي: هي شركة "سيغما كونساي" (مديرها العام حسن الزرقوني)، وشركة 3C (مديرها هشام غرفالي)، وشركة "إمرود كونسلتينغ" (مديرها نبيل بالعم). وكانت كلها متخصصة في رصد وقياس نسب الاستماع والمشاهدة، بطلب من القنوات التلفزيونية والإذاعات في تونس، إذ كانت الشركات الإعلامية تستخدم هذه الأرقام في محاولتها جذب المعلنين.

بعد الثورة وإسقاط بن علي (يناير/كانون الثاني 2011) بدأ عمل هذه الشركات في المجال السياسي بطلب من الأحزاب أو وسائل الإعلام، لتقديم ما تسمّيه "البارومتر السياسي" الذي يساعد كل طرف على معرفة مكانته وشعبيّته لدى التونسيين.

ورغم المنافسة بينها، بقيت "سيغما كونساي" الأكثر شعبية، والأقرب للتصديق عند المواطن التونسي، وذلك بعد تجربتها في الانتخابات الرئاسية عام 2014. وقتها وبعد ساعتين من إقفال صناديق الاقتراع في الجولة الأولى، أصدرت الشركة تقريراً، تعلن فيه سريعاً، وحتى قبل بدء تسريبات اللجان الانتخابية، أن الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، والرئيس الأسبق محمد المنصف المرزوقي هما المنتقلان إلى الجولة الثانية، وفق استطلاعاتها. وهو ما تأكدت صحته عند الإعلان الرسمي للنتائج. الأمر نفسه تكرّر أول من أمس، فبعد وقت قصير من انتهاء عملية الاقتراع، كانت أرقام "سيغما كونساي" ووسائل الإعلام الشريكة لها (قناة "الحوار التونسي"، وإذاعة "موزاييك أف أم"، وصحيفة "المغرب"، وموقع "بيزنس نيوز")، تشير إلى انتقال المرشحين قيس سعيد ونبيل القروي إلى الجولة الثانية. جاءت هذه النتائج رغم أن الأرقام التي سبقت الانتخابات قد استبعدت فوز سعيد.



طريقة العمل
"العربي الجديد" حاولت الاتصال بهذه الشركات الإحصائية، لمعرفة طريقة عملها، إلا أن الجميع رفض التصريح، خصوصاً قبل صدور النتائج الرسمية للجولة الانتخابية الأولى. لكن إحدى العاملات في هذا المجال، شرحت الآلية التي تعتمدها كل الشركات في تونس. فبحسب الموظفة إياها، هناك طريقتان لاستطلاع رأي المواطنين: الأولى هي الاتصال الهاتفي الموجّه، أي الاتصال بتونسيين من مناطق مختلفة، وتوجيه سؤالين مباشرين لهم. السؤالان هما : هل ستقترع؟" وفي حال كان الجواب نعم، يُسأل المواطن عن الشخص الذي سيصوّت له. هنا يتمّ تحديد عينة عددية وفقاً لعلوم الإحصاء تتجاوز ألف مقترع مع تحديد السن والجنس.

أما الطريقة الثانية، فميدانية تتمثل في إرسال المؤسسة مندوبين عنها ميدانياً، ويُسأل المواطنون عن المرشح الذي ينوون التصويت له. يتوزّع هؤلاء المندوبون في كل المناطق التونسية حتى تكون العينة المستجوبة ذات دلالة. وفي المرحلة التالية يتم جمع الإجابات في قاعدة بيانات واستخراج النتائج التقريبية. هنا لا بد من الإشارة إلى أن الإحصاءات تختلف قبل التصويت أو بعده. فمعرفة نتائج التصويت في يوم الاقتراع، غالباً ما تكون أسهل من تحديد خيارات الناخبين سلفاً. إذ إنّ طرح قائمة مرشحين على المواطنين قبل أسابيع من الانتخابات يحمل هامش خطأ أكبر بكثير، لأنه من الممكن أن يغيّر أي شخص رأيه في اللحظة الأخيرة. لذلك غالباً ما تكون نتائج الشركات التي تصدر بعد إقفال مراكز الاقتراع أكثر دقة من تلك التي تسبق الانتخابات ولا يتجاوز فيها هامش الخطأ واحداً في المائة، مثلما أعلنت شركة "سيغما كونساي" نفسها، وهو ما حصل مثلاً في الانتخابات الأميركية، إذ خلص تقرير "الجمعية الأميركية لأبحاث الرأي العام" في مؤتمرها عام 2017، إلى أن هامش الخطأ الكبير في الإحصاءات التي سبقت الانتخابات الأميركية كان بسبب الناخبين المترددين، الذي صبوا في أغلبهم لمصلحة المرشح الجمهوري دونالد ترامب.

الأشهر التي سبقت الانتخابات
رغم اعتبار كثيرين أن نتائج الانتخابات التونسية مفاجئة، يبدو الرجوع إلى الإحصاءات القديمة، التي أجريت قبل أشهر، مفيد، إذ عكست نبض الشارع التونسي في وقت مبكر.
في شهر يونيو/حزيران الماضي بدأت شركات سبر الآراء عملها لمعرفة اتجاهات الرأي العام في الانتخابات التشريعية والرئاسية. وكان لافتاً تصدر شخصيات من خارج المجال السياسي التقليدي للإحصاءات، لتبدأ بعدها محاولات إقصاء هؤلاء، بتعديل قانون الانتخابات. وقتها أعلن 42.8 في المائة من التونسيين الذين شملهم الاستطلاع أنهم لم يحددوا مرشحهم بعد. أما 36.8 % منهم، فقالوا إنهم لن يصوتوا للأحزاب التقليدية. وقتها برز للمرة الأولى اسم نبيل القروي مرشحاً جديّاً، بعدما حاز حزبه "قلب تونس" على تأييد قسم كبير من المستفتين حول الانتخابات التشريعية. اليوم وبعد ثلاثة أشهر من هذه الاستطلاعات، يبدو أن الأرقام صدقت، وها هي الأحزاب السياسية الرئيسية خارج الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التونسية.



الوضع القانوني لهذه الشركات
رغم عمل كل الأحزاب السياسية مع شركات الإحصاءات في تونس، إلا أنها حتى الساعة لا تتمتع بأي وضعية قانونية،
إذ إنّ القانون التونسي لا ينظّمها في نص واضح. ورغم أنّ هناك مشاريع قوانين قدمت للبرلمان التونسي لتنظيم هذا القطاع مثلما هو الأمر فى عدد كبير من الدول الغربية، إلا أن القانون لم يعرض حتى الآن للنقاش في المجلس. وكانت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري (الهايكا) من أكثر المطالبين بسن هذا القانون المنظم للقطاع لما له من تأثير مباشر على عمل المحطات الإذاعية، والقنوات التلفزيونية. فكثيراً ما تشكك وسائل الإعلام في نسب الاستماع والمشاهدة التي تقدمها هذه المؤسسات وتعتبرها موجهة لخدمة مؤسسات معينة، وبالتالي زيادة عائداتها من الإعلانات التجارية. وقد سبق لعدد من القنوات ومنها قناة "حنبعل تي في" أن تقدمت بشكوى إلى القضاء التونسي ضد هذه الشركات، وخاصة شركة "سيغما كونساي" متهمة إياها بعدم المصداقية في إحصاءاتها.