الانتخابات البلدية الفرنسية: تصويت عقابي وتوجه لإلغاء الجولة الثانية

16 مارس 2020
الصورة
انتقاد حزب "الجمهوريين" بسبب إصراره على إجراء الانتخابات(Getty)
+ الخط -

لن ينسى الفرنسيون، سريعاً، الصور التي التقطت في باريس، أمس الأحد، وملأت وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي، والتي تُظهر حدائق وضفاف أنهار مكتظةً بشباب باريسيين بدوا غير آبهين بتحذيرات الحكومة ودعواتها إلى التزام المنازل وتجنب التجمعات، بهدف الحد من انتشار فيروس كورونا.

وفي وقت ارتفع فيه عدد المصابين إلى نحو 5500 شخص، والمتوفين إلى 127، شهد يوم أمس، الأحد، أكبر قفزة لأعداد المصابين (900) والمتوفين (40) في يوم واحد، منذ ظهور الفيروس في فرنسا. 

وتسببت هذه الصور، التي ترافقت مع إصرار الحكومة، تحت ضغط حزب "الجمهوريين" اليميني، على إجراء الانتخابات البلدية أمس رغم كل المخاوف من العدوى بكورونا، بموجة من الغضب العارم بين الفرنسيين، لا سيّما بين الأطباء والمشتغلين في القطاع الصحي، الذين يشكلون خط الدفاع الأول ضد الفيروس، الذين أدانوا استهتار الشباب الباريسي بمسألةٍ على درجة عالية من الخطورة، واتهموهم بالمساهمة في توسيع نطاق العدوى، على حساب بقية الفرنسيين، وخصوصاً كبار السن، الأكثر هشاشةً أمام الفيروس، وكذلك على حساب المستشفيات الحكومية الممتلئة والعاملين فيها بلا توقف منذ عدة أسابيع، بسبب النقص الكبير في الكوادر والمعدات أمام عدد المرضى المتزايد.

وقال رئيس منطقة الشرق الكبير الإدارية، جان روتنر، وهو أيضاً طبيب مسعف: "إنه لأمر فظيع أن يرى المرء صوراً كهذه، حيث الناس في باريس يقيمون أسواقاً بكل برودة دم وبدون احترام للإجراءات التي أوصى بها رئيس الوزراء".

وأضاف "إننا في عين العاصفة منذ بداية الشهر الجاري"، لكن "الفرنسيين لم يفهموا بعد ما تعنيه هذه الأزمة الصحية".

ولم تسلم الحكومة من النقد، بدورها، خصوصاً بعد إصرارها على إجراء الانتخابات البلدية، التي جرت الجولة الأولى منها أمس، الأحد، وشهدت أعلى نسبة امتناع عن التصويت في تاريخ الانتخابات البلدية، إذ وصلت حتى 54.5% من مجموع المصوتين.

كما لام الناقدون حزب "الجمهوريين" اليميني وبعض رموزه، مثل جيرار لارشيه، رئيس مجلس الشيوخ، الذي بيّنت تسريبات صحافية الضغوط الكبيرة التي فرضها مع شركائه على الحكومة للذهاب قدماً في إجراء هذه الانتخابات، في وقت كان فيه الرئيس إيمانويل ماكرون ذاهباً لتأجيلها كما يبدو.

وحاول لارشيه الدفاع عن نفسه أمام منتقديه قائلاً إنه "لو كانت الحكومة قد أعلنت عن دخول البلد في المرحلة الثالثة من الإجراءات" ضد فيروس كورونا، وهي أعلى مراحل الاستنفار ضد الأزمة الصحية، "لكان لي موقف آخر"، ملقياً بالتهمة الموجهة إليه على الحكومة، التي لم تعلن عن دخول البلد هذه المرحلة إلا مساء السبت، قبل ساعات من بدء الانتخابات، وبعد تأكيد الرئيس ماكرون على إجرائها في موعدها.



ولا يدري المرء ما إذا كان اليمين قد عوقب، مع الحزب الرئاسي الحاكم، على هذا التصرف، في نتائج الجولة الأولى من الانتخابات، أم ان حصيلته أمس كانت نتيجةً لسياساته في السنوات الماضية، ف
رغم توقعاتهم بإحراز تقدم في صناديق الاقتراع، واعتقادهم بأن الظروف الحالية مواتية لهم (وهو سبب إصرارهم على الإبقاء على الانتخابات في موعدها)، إلا أن "الجمهوريين" لم ينالوا ما كان يمنّون النفس به، خصوصاً في باريس، التي تلقت فيها مرشحتهم رشيدة داتي (22 بالمائة)، خسارة ثقيلة أمام العمدة الاشتراكية الحالية آن هيدالغو (30.2 بالمائة).

كما خرج مرشح الحزب في بوردو، وهي من معاقل "الجمهوريين"، بنتيجة بطعم الخسارة، إثر حصوله على النسبة نفسها من الأصوات مع مرشح حزب "الخضر"، بمعدل 34% لكلّ منهما.

ولم ينجح اليمين أيضاً في الحفاظ على مرسيليا، أكبر المدن التي يرأسها في البلاد، التي تصدرت نتائج الجولة الأولى فيها المرشحة المدعومة من أحزاب اليسار ميشيل روبيرولا (23.4%)، أمام مرشحته مارتين فاسال (22.3%).

وكان أكثر الفرنسيين قد أبدوا رفضهم، أمس، منح ثقتهم للحزب الحاكم، "الجمهورية إلى الأمام"، لإدارة بلدياتهم، والذي لم ينجح بانتزاع أي من المدن الكبرى، اللهم إلا تولوز التي شكل فيها تحالفاً مع "الجمهوريين".
ونجح 5 من وزراء الحكومة بحسم الانتخابات من الجولة الأولى في 5 بلديات، لكن 5 منهم ينتظرون معركة صعبة في الدور الثاني، ومن بينهم رئيس الوزراء إدوار فيليب، الذي قد يخرج خاسراً إذا ما تحالف اليسار ضده.

وبدا الفرنسيون أكثر ميلاً لحزب "الخضر"، الذي أحدث مفاجأة من العيار الثقيل، بتصدره نتائج الجولة الأولى من الانتخابات في عدد من المدن الكبرى والمهمة، خصوصاً ليون وستراسبورغ وتور وبوزانسون وغرونوبل، إضافة إلى بوردو.

كما نجح حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف بانتزاع مدينة مهمة نسبياً في جنوب البلاد، وهي بيربينيان، التي يبلغ عدد الناخبين فيها 120 ألفاً، في حين حسم الحزب السباق منذ الجولة الأولى في بعض من معاقله، وأغلبها في الجنوب، مثل فريجوس وبيزييه، وهي مدن يقل عدد ساكنيها عن 100 ألف.


من جهته، نجح اليسار، وفي مقدمته "الحزب الاشتراكي"، في الحفاظ على أغلب مدنه الكبرى، مثل ليل ورن ونانت ومونبلييه، وبالتأكيد باريس، لكن فرحة الأحزاب المنتصرة قد لا تدوم، وخصوصاً أن الدعوات إلى تأجيل الجولة الثانية من الانتخابات، المقررة الأحد المقبل، وحتى إلى إلغائها، تتصاعد بشكل كبير في الساعات الأخيرة، بين أغلب التيارات السياسية في البلد، في وقت تتزايد فيه أعداد المصابين بفيروس كورونا بلا رحمة. 

ويقول أكثر الخبراء الدستوريين إنه من شأن تأجيل الجولة الثانية من الانتخابات إلغاء نتائج الجولة الأولى منها، باستثناء البلديات التي استطاع مرشحٌ ما حسمها منذ الجولة الأولى، عبر إحرازه أكثر من 50% من الأصوات.

وبالتأكيد، فإن قراراً كهذا ينقذ الأغلبية الحاكمة مرتين: مرة من الخسارة التي مُنيت بها في الجولة الأولى من الانتخابات والتي من المتوقع أن تستمر في الجولة الثانية، إذا جرت، ومرة من خسارة الرأي العام، المُجْمِع، اليوم أكثر من أي وقت مضى، على إيقاف كل الفعاليات التي تقتضي تجمع أعداد كبيرة من الناس، كالانتخابات.
ويبدو أن الكلمة التي سيدلي بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مساء اليوم، ذاهبة بهذا الاتجاه، إذ يقول مراقبون وتسريبات صحافية إنه سيتوجه لفرض عزل تام، في البلد في أحسن الأحوال، أو على الأقل في منطقتي إيل دو فرانس، حيث تقع باريس، والشرق الكبير، وذلك لعدم إبداء الناس فيهما التزاماً بدعوات التزام المنازل رغم وجود أكثر من 1200 حالة إصابة في كل واحدة من هاتين المنطقتين، الأكثر تأثراً في فرنسا.

المساهمون