الانتخابات الإسرائيلية (20): غرور نتنياهو قلب إنجازه الانتخابي لفشل ذريع

01 يونيو 2019
الصورة
يبقى نتنياهو المرشح الأقوى للفوز بالانتخابات المقبلة (أمير ليفي/Getty)
جرت العادة في إسرائيل بالتباهي بالتشخيص الذي وضعه وزير الخارجية الأميركي الأسبق، اليهودي الهوية، هنري كيسنجر، لوصف إسرائيل بأنها دولة لا تمتلك سياسة خارجية، وأن سياستها الخارجية هي ترجمة لسياستها الداخلية. وقد كان غرض كيسنجر من مقولته هذه الدلالة على أن ما يظهر للعالم الخارجي من مواقف رسمية، ليس أكثر من انعكاس للخلافات الداخلية وربما أيضاً الشخصية في إسرائيل. ويمكن سحب هذا الكلام اليوم على سياسات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ومواقفه المعلنة والمتفاوتة حد التناقض أحياناً بين بعضها البعض، للقول إن تغير هذه المواقف وتبدلها يعكس أساس حسابات نتنياهو الذاتية والخاصة ببقائه في الحكم وعلى رأس الهرم.

لكن نتنياهو الذي استطاع أن يشغل منصب رئيس حكومة أكثر من أي رئيس سابق في إسرائيل، بل أن يتجاوز الفترة التي قضاها رئيس حكومة إسرائيل الأول، دافيد بن غوريون، أصابه غرور قاتل تجلى أكثر من أي فترة سابقة له في طريق إدارته لمفاوضات تشكيل الحكومة، إذ ساقه الغرور وإنجازه الانتخابي إلى التخلي عن نهجه الثابت بالاحتفاظ ببديل لأي شريك حكومي يضع عراقيل أمام إنجاز مهمة تشكيل الحكومة.

هذه عملياً الخلاصة التي توصل إليها عدد لا يستهان به من محللي الشؤون الحزبية في الصحافة الإسرائيلية، في تقارير واسعة نُشرت أمس الجمعة، واعتمدت على "اعترافات" من طواقم إدارة المفاوضات، وفي مقدمتها اعترافات الوزير يريف لفين، وزئيف إيلكين، اللذين قالا إنهما رصدا عدم رغبة رئيس حزب "يسرائيل بيتينو" أفيغدور ليبرمان بالانضمام جدياً للحكومة، ونقلا ذلك لنتنياهو. لكن الأخير فضّل الاعتماد على تطمينات زعيم "شاس"، الوزير أريه درعي، بأن ليبرمان سيعود في نهاية المطاف عن "غيّه" ويقبل بتسوية مع الحريديم ليتسنى تشكيل الحكومة الخامسة، مع ما كان يفترض أن تحمله لنتنياهو من تشريعات تمنحه حصانة قانونية تحول دون محاكمته، ما دام يشغل منصب رئيس الحكومة.

لكن تطورات الأحداث في الساعات الأخيرة من يوم الأربعاء الماضي، وإصرار ليبرمان على موقفه ووضعه مزيداً من الشروط، جعلت نتنياهو يتأخر بتشخيص نوايا ليبرمان الحقيقية، ودفعته إلى الخوض في مساومات ومقترحات مغرية لأحزاب المعارضة بلغت حد عرض أربع حقائب وزارية على حزب "العمل" الذي يملك ستة مقاعد برلمانية، وتعهدات هائلة في مجال إشراكه بالحكم، لدرجة جعلت زعيم "العمل"، آفي غباي، يقول إن "نتنياهو عرض علينا نصف المملكة".

نتنياهو الذي خرج من انتخابات مضنية بفوز ساحق تقريباً، إذ حصلت الأحزاب التي أعلنت تأييدها له على 65 مقعداً، لم يتمكن من ترجمة ما وصفه في ليلة الانتخابات بالنصر الكبير، إلى حكومة خامسة وعد بأنها ستفعل الكثير لأرض إسرائيل وشعبها، بما في ذلك بدء ضم المستوطنات إلى السيادة الإسرائيلية، بفعل اصطدامه بالسد الذي شكّله ليبرمان، وجعل مصيره معلقاً بأيادي ليبرمان، لأنه، بحسب المعلق المقرب من اليمين الصهيوني الديني، عميت سيغل، راهن ووضع نصب عينيه هدفاً واحداً في اليمين هو ضرب وإسقاط حزب نفتالي بينت وأيليت شاكيد، الذي لم يجتز نسبة الحسم التي كان ينقصه للوصول إليها 1500 صوت، كان يمكن لو حصل عليها أن يحصل على أربعة مقاعد تمنح نتنياهو مجالاً أوسع للمناورة.

وكان لافتاً أن سيغل أشار، أمس، إلى ما كانت "العربي الجديد" قد تحدثت عنه في تقارير سابقة، من أن اليمين بالمجمل يملك عملياً نحو 300 ألف صوت ضاعت هباء بفعل نسبة الحسم، لكنها، وبحسب سيغل، ستكون هذه المرة حرز الأمان الذي سيضمن لنتنياهو في الانتخابات المقبلة المقررة في 17 سبتمبر/ أيلول المقبل أغلبية برلمانية من دون حاجة لتسليم رقبته لليبرمان.
سيغل، الذي على غرار مراقبين من اليمين لا يزال يرى أن نتنياهو هو صاحب الفرصة الأكبر في تحقيق الإنجاز الانتخابي مرة أخرى، استدرك بتساؤل عما إذا كان هذا العام قد يشهد تكراراً لما حدث ليل الأربعاء، من الذهاب إلى انتخابات ثالثة خلال عام واحد، بفعل ما يبدو معيقاً لنتنياهو موضوعياً، وهو أن الانتخابات ستجري هذه المرة من دون أن يتمكّن من إخفاء ملفاته الجنائية عن المعركة الانتخابية.

هذا التساؤل تجلّى عند كتّاب اليسار ومحللي الشؤون الحزبية في الصحافة الإسرائيلية الذين يحملون موقفاً مناهضاً لنتنياهو، كإشارة إلى فقدان الأخير "قدراته السحرية"، إذ اعتاد خصوم نتنياهو في اليسار والإعلام على وصفه بالساحر وبالبهلوان القادر على التملّص من كل ورطة وإنقاذ نفسه من السقوط. هكذا كان حال سيما كدمون في "يديعوت أحرونوت"، ويوسي فيرتر في "هآرتس"، ويوآف كوركاوفسكي في هيئة الإذاعة العامة. فقد ذهب هؤلاء إلى القول إن نتنياهو بدأ يفقد سحره، وإن الانتخابات الجديدة تنذر أخيراً بإسدال الستار على مسيرة نتنياهو السياسية.


ومع أن كتّاب اليسار من صحافيين ومحللين يرون أن فشل نتنياهو في تشكيل الحكومة المقبلة يشير إلى انقلاب سحره وغروره عليه، إلا أنهم كباقي محرري ومتابعي الشؤون الحزبية في الإعلام الإسرائيلي، يقرون بأن كل هذا لا يعني أن الانتخابات الجديدة ستخرج بنتائج مغايرة عن الانتخابات الأخيرة. وتعزز ذلك حقيقة أن استطلاعين للرأي، نُشرا أمس الجمعة، أظهرا أن قوة معسكر اليمين ستزداد عما كانت عليه. كما يستبعد المراقبون أن يدفع هذا الفشل في ترجمة الإنجاز الانتخابي إلى حكومة خامسة، منافسين لنتنياهو من داخل "الليكود" لتحديه والتنافس على رئاسة الحكومة باسم "الليكود".
ويعتمد هذا الخطاب بشأن فقدان نتنياهو لقدراته السحرية ومناوراته، على كون الجدول الزمني للانتخابات الجديدة لا يترك هذه المرة لنتنياهو (كما كان حال جدول الحكومة الخامسة لو شكّلها حتى منتصف ليل الأربعاء الماضي) فرصة زمنية كافية لتشريع قانون الحصانة الذي يحميه من المحاكمة.

النتائج الرسمية للانتخابات ستنشر في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول، فيما سيخضع نتنياهو رسمياً لجلسة استماع تسبق تقديم لائحة اتهام رسمية في الثاني من أكتوبر، أي قبل أن يحصل على تكليف جديد لتشكيل الحكومة الجديدة. إضافة إلى ذلك، فإن الموعد المنتظر للقرار الرسمي بتقديم لائحة اتهام هو أواخر ديسمبر/ كانون الأول، وهو جدول زمني ضيّق لن يتيح له تشريع قانون الحصانة البرلمانية، ما يعني أن بدء مزاولته لمنصب رئيس الحكومة الجديدة سيتزامن مع تقديم لائحة اتهام رسمية ضده، سينعكس على أداء الحكومة الجديدة ويضرب استقرارها لدرجة إسقاطها نهائياً ووضع حد لمسيرة نتنياهو السياسية.

ومع أن هذه الحسابات والقراءات تبدو صحيحة بالعموم، إلا أن اليمين الإسرائيلي يراهن على استخلاص العبر مما حدث في الانتخابات الأخيرة لجهة توحيد صفوفه أكثر، وتقليص عدد أحزاب اليمين لتفادي خسارة أكثر من مائتي ألف صوت. وسارع الخاسر الأكبر في الانتخابات الأخيرة، الوزير نفتالي بينت، إلى إطلاق مبادرة لتوحيد صفوف اليمين، عبر توحيد حزبه "اليمين الجديد" مع حزب "زهوت" بقيادة موشيه فيغلين، وهما الحزبان اللذان حصدا مجتمعين أكثر من 240 ألف صوت، لكنهما لم يدخلا الكنيست لعدم اجتيازهما منفردين نسبة الحسم، فيما يبدو أن شريكة نفتالي بينت، أيليت شاكيد، في طريقها إلى "الليكود"، على غرار ما فعله زعيم حزب "كولانو" موشيه كاحلون الذي بدأ خطوات ضم حزبه لـ"الليكود" والانخراط فيه.

وفي ظل تصريحات مشابهة صدرت من اليسار عن كل من تمار زاندبيرغ زعيمة "ميرتس"، وأفي غباي زعيم حزب "العمل"، تؤيد دمج الحزبين معاً، أو اندماج "العمل" في قائمة "كاحول لفان"، وإعلان القائمتين العربيتين (الجبهة والتغيير) وتحالف "التجمع" و"الحركة الإسلامية" عن عزمهما على إعادة تشكيل "القائمة المشتركة"، فإن من شأن ذلك أن يعزز في الانتخابات المقبلة ديناميكية تقليص عدد الأحزاب المتنافسة، ولكن أيضاً إعادة تشكيل خريطة حزبية من حزبين كبيرين يملكان أكثر من سبعين مقعداً من مقاعد الكنيست الـ120، بما يضعف قدرة الابتزاز عند الأحزاب الصغيرة.