الانتخابات الإسرائيلية تخرج "عفريت الطائفية"

الانتخابات الإسرائيلية تخرج "عفريت الطائفية"

24 مارس 2015
الصورة
"عفريت الطائفية" موضع جدل في وسائل الإعلام الإٍسرائيلية (الأناضول)
+ الخط -
يكاد لا يختلف اثنان في إسرائيل تقريباً، على ضوء نتائج الانتخابات الإسرائيلية، أن هذه المعركة، كانت وفق تعبير أغلبية المتابعين والسياسيين آخرهم الرئيس الإسرائيلي رؤوبين ريفلين، أكثر انتخابات غريزية مشحونة عرفتها إسرائيل في العقود الثلاثة الأخيرة، منذ انتخابات 1977 التي أسفرت عن أول انقلاب أطاح بحكم اليسار العمالي، وجاء بمناحيم بيغن من صحراء المعارضة الإسرائيلية إلى الحكم؛ مصطحباً معه خطاباً إسرائيلياً جديداً زعم أنه خطاب وحدة بني إسرائيل الشرقيين والغربيين، ونهاية هيمنة حزب العمل التاريخي واستعلائه على الشرقيين.
ومنذ ظهور نتائج الانتخابات وانتصار نتنياهو، بعد حملته العنصرية الفاشية في التحريض على الفلسطينيين في الداخل والصحافة الإسرائيلية، تحاول وسائل الإعلام حل أحجية نتنياهو بعيداً عن مطبّ "الحرب الطائفية" بين أسباط إسرائيل، إلا أن الواقع تغلب على كل المحاولات لتغرق إسرائيل في حرب طائفية جديدة تختبئ تحت ستار اليسار واليمين على عكس حقيقتها.
فمنذ أطلق زعيم حزب "شاس،" أرييه درعي، في أوج المعركة الانتخابية، شعار "شاس" وهو "الشرقيون يصوتون للشرقيين"، انكسر قمقم طوائف إسرائيل وخرج "عفريت الطائفية" الذي حظي في هذه الانتخابات، ربما لأول مرة، بانضمام "نخب شرقية يسارية حاولت بناء هوية شرقية ثقافية بملامح يسارية تحت حركة "القوس الشرقي". فقد انضم اثنان من الكتاب البارزين من أصول شرقية لاريه درعي، وهما سامي شطريت والبيرت سويسا، إلى جانب عدد آخر من رموز "اليسار الشرقي الأصول" الذين وضعوا انتماءهم الشرقي قبل انتمائهم السياسي والفكري.
وفيما ظل موضوع "عفريت الطائفية" الإسرائيلي موضع جدل في وسائل الإعلام خلال الانتخابات، وبدا أنه يتحول إلى حرب ثقافية بعد إعلان الشاعر يئير غربوز، خلال مظاهرة اليسار قبل أسبوع من الانتخابات، أن الدولة وقعت بأيدي عصابة ممن يقبلون الأحجبة والتعاويذ، وزاد على ذلك غداة التظاهرة الكاتب المسرحي يهوشواع سوبول أنهم "يقبلون "المزوزة"؛ وهي قطعة معدنية عليها تهاليل من التوراة توضع على عتبات المنازل ويقبلها المتدينون والمحافظون اليهود في دخولهم للبيت وعند مغادرتهم، انفجر السد الأخير أمام الحرب الطائفية الثقافية، وبدأت نذره تتحول إلى حرب كلامية وحتى اعتداءات عنيفة. تعرض الشاعر الإسرائيلي اليساري يهونتان غيفن (ابن شقيقة موشيه ديان)، وأحد أيقونات ثقافة اليسار الإسرائيلي، إلى اعتداء جسدي في منزله، بعد أن وصف نتائج الانتخابات وفوز نتنياهو بأنه نكبة إسرائيل. وتبع ذلك تعرض المغنية اليسارية أفينوعام نيني (رغم أصولها اليمينية) إلى عنف كلامي في مطار بن غوريون.

اقرأ أيضاً: قبل تكليفه بتشكيل الحكومة: نتنياهو أمام معضلة إرضاء الحلفاء

وعندما حاولت القناة الثانية أمس، إجراء مناظرة بين أحد عناصر اليسار البارزين من أصول غربية، هو الأستاذ الجامعي أمير حتسروني مع الناشطة الشرقية أميرة بوزاغلو، كانت كمن يصب الزيت على النار، إذ هاجم حتسروني بوزاغلو، قائلاً إنه من المؤسف أن قامت الصهيونية بجلب مئات آلاف الشرقيين بما في ذلك أهلها من المغرب، وأنه كان عليها أن تتركهم يتعفنون في المغرب.
طرد حتسروني من استوديو القناة الثانية واشتعلت النيران مجدداً عندما رفض الاعتذار، بل زاد بالقول إنه كان على الصهيونية أن تقوم بعملية تهجير انتقائية لليهود من البلدان العربية؛ لمنع ما حدث من قيام أبناء هؤلاء بالتصويت لليمين.
هذه الحرب بين أسباط اليمين واليسار، والأصح بين أسباط الغربيين والشرقيين، تشكل مرآة للواقع الاجتماعي الإسرائيلي، الذي بيّن عقم محاولات التوسط بين الطرفين، بالرغم من نشوء جيل في إسرائيل من "أبناء الملونين" أو أبناء الزواج المختلط بين يهود غربيين ويهود شرقيين. لكن تراكمات الماضي وتسخير اليمين وترسيخه فكرة اضطهاد الشرقيين من قبل المؤسسة الغربية، وشيطنته اليسار الإسرائيلي، لا تزال عاملاً رئيسياً في محاولات فهم سلوك الشرقيين وتصويتهم لليمين، بالرغم من اعتذار إيهود باراك، قبل 14 عاماً عن "ممارسات" حركة العمل التاريخية ضد الشرقيين.
ولعل ما يزيد مشاعر الغبن عند الشرقيين هو دعوات صريحة لكتاب من اليسار دعوا كما فعل جدعون ليفي، وهو ألماني الأصل رغم أن اسم عائلته شرقي، إلى تغيير الشعب، أو إلى الإعلان عن عزمهم الهجرة من إسرائيل، مقابل تركيز الصحافة الإسرائيلية، التي يرى بها الشرقيون جزءاً من المؤسسة الإشكنازية، على أن الشرقيين ممن يعيشون في الجنوب ويشكلون حصة الأسد من الشرائح الفقيرة هم الذين صوتوا لنتنياهو وأعادوه إلى الحكم، بالرغم من أن نتنياهو وحزبه، لا يختلفان من حيث هوية النخب المسيطرة عليه عن النخب المسيطرة على اليسار. إلا أن الفرق الجوهري هو في استعداد الشرقيين لتصديق دعاية الليكود وديماغويته منذ أيام بيغن، وحتى نتنياهو وركوبه موجة التحريض ضد اليسار، عندما تساءل رداً على تصريحات سوبول المذكورة أعلاه، ما العيب في تقبيل "المزوزة" على عتبة البيت؟
من الواضح أن كثيرين من علماء الاجتماع في إسرائيل والأكاديميا سيحاولون من جديد "اكتشاف العجلة" وحل أحجية يمينية الطوائف الشرقية، ولو من باب انتقام الأبناء والجيل الثالث من أبناء الشرقيين، ليس رداً على التمييز ضدهم، بقدر ما اعتبروه رداً لكرامة أهاليهم من الإهانة التي مثلتها عبارات الشاعر يئير غربوز حول كونهم يقبّلون التعاويذ وعتبات البيوت، متهماً إياهم بالوثنية في الوقت الذي يجاهر فيه اليسار الإسرائيلي بعلمانيته وإلحاده كقيمة عليا.
حرب أسباط إسرائيل الشرقية والغربية لن تنتهي، وستظل توقد نيران المعارك الانتخابية، وسيظل المستفيدون منها في نهاية المطاف هم الإشكناز وإن كانوا في الحكم باسم اليمين، فهذه خميرة ممتازة ووصفة مجربة وبنتائج مضمونة.


اقرأ أيضاً:
"نتنياهو الرابع": مشاورات مبكرة لحكومة اليمين المتطرف

المساهمون