الانتخابات الأوكرانية: بانتظار ائتلافٍ حاكم معارض لروسيا

الانتخابات الأوكرانية: بانتظار ائتلافٍ حاكم معارض لروسيا

28 أكتوبر 2014
الصورة
اكتسح بوروشينكو وياتسينيوك الانتخابات (فاسيلي ماكسيموف/فرانس برس)
+ الخط -


باستثناء النتيجة التي حققها حزب "المساعدة الذاتية"، لم تأتِ الانتخابات التشريعية الأوكرانية بنتائج غير متوقعة. فقد سبق أن توقع الخبراء السياسيون والمتابعون فوز كتلة الرئيس الحالي بترو بوروشينكو وحزب رئيس وزرائه أرسيني ياتسينيوك. وبما أن الأقاليم الانفصالية لم تُشارك في الانتخابات، فسيخلو البرلمان من ممثليها، وستُجرى اللعبة السياسية الأوكرانية في النصف الفارغ من الملعب، مما يُهدّد بمزيد من الاستقطاب الداخلي والتصعيد العسكري مع جمهوريتي "دونيتسك" و"لوغانسك" الشعبيتين المُعلنتين من جانبٍ واحد، وكذلك المواجهة السياسية مع روسيا، ذلك أن الفائزين من أنصار واشنطن، والمنسحبين من جماعة موسكو.

وأفادت النتائج الأولية التي أعلنتها لجنة الانتخابات المركزية الأوكرانية، أمس الاثنين، عن فوز ستة أحزاب أوكرانية بفرصة دخول برلمان البلاد المنقسمة على ذاتها: كتلة "بترو بوروشينكو"، بـ23 في المائة، وتلتها كتلة "الجبهة الشعبية"، بزعامة أرسيني ياتسينيوك، بـ21.67 في المائة من الأصوات؛ و"المساعدة الذاتية"، بزعامة لفوف أندري سادوفي، بـ13 في المائة، و"الكتلة المعارضة"، بزعامة يوري بويكو، بـ8 في المائة؛ ثم حزب أوليغ لياشكو الراديكالي، بـ6.5 في المائة؛ يليه "حزب الوطن" الذي تتزعمه يوليا تيموشينكو، بـ5.6 في المائة.

وأما باقي الأحزاب المشاركة فلم تتجاوز عتبة الخمسة في المائة المطلوبة لدخول البرلمان. وذلك يعني إمكانية تشكيل ائتلاف حاكم بين كتلة الرئيس بوروشينكو وحزب رئيس وزرائه ياتسينيوك، وإبقاء حزب "المساعدة الذاتية" صاحب المفاجأة خارج اللعبة أو تهميشه. لكن ذلك قد يبشر بانقسام جديد ضمن معسكر كييف. فالحزب كما توحي تسميته، يُمثّل الطريق الثالث، أي أوكرانيا الأوكرانية، لا أميركية ولا روسية.

وسبق أن أعلنت موسكو الرسمية، أنها ستعترف بنتائج الانتخابات الأوكرانية أيًّا تكن، باعتبارها مسألة داخلية لا تعنيها، ربما لغياب أنصارها عنها، من دون أن يعني ذلك أنهم خارج نتائجها. وفي ظلّ انتظار موسكو، نقلت وكالة "إنترفاكس" عن نائب وزير الخارجية الروسي، غريغوري كاراسين، قوله صباح أمس، "نقبل نتائج الانتخابات، ولكن مع تأكيد طبيعة الحملة الانتخابية".

ما يعني ذلك وباللغة الدبلوماسية، تلميحاً إلى طبيعة النتائج، التي يصعب فصلها عن طبيعة الحملة، التي أفضت إليها، ويضيف "ننتظر إعلان النتائج الرسمية، فيما نتلقى حتى الآن معلومات متناقضة. ولكنه بات واضحاً أن الانتخابات تمت، بصرف النظر عن الحملة الانتخابية القاسية والقذرة إلى حد بعيد".

كما نقلت وكالة "تاس"، ردود فعل خبراء سياسيين روس، مهتمين بالشأن الأوكراني على النتائج الأولية، فجاء التشكيك بديمقراطية الانتخابات، وبالتالي الطعن بخدمتها للمنحى الديمقراطي الذي تدّعي كييف السير فيه، على لسان رئيس "لجنة الدوما لشؤون رابطة الدول المستقلة والتكامل الأوراسي، والتواصل مع المواطنين الروس هناك"، ليونيد سلوتسكي، الذي أشار إلى أن "أكثر من مليون ناخباً بات خارج البلاد، والعمليات العسكرية مستمرة في دونباس، ولا وجود لوسائل الإعلام الحرة. ووفق كل من هذه المؤشرات، لا يمكن الاعتراف بديمقراطية هذه الانتخابات".

فيما جاء التشكيك باستقلال أوكرانيا واستقلالية قرارها، على لسان الباحث السياسي الروسي الشهير رئيس "لجنة الدوما للشؤون الدولية"، أليكسي بوشكوف، الذي نقلت وكالة "تاس" عنه، تأكيده القول "في الواقع، سوف تدخل البرلمان القوتان السياسيتان القائمتان الآن، تلك التي يترأسها بوروشينكو، والأخرى التي يتزعمها ياتسينيوك، وكلاهما موالٍ صراحة لأميركا وفي رأيي، لا علاقة لهما بأوكرانيا المستقلة، التي أعلنت هدفاً مركزياً وأيديولوجيّة أساسية للحملة الانتخابية".

ورأى نائب مدير معهد "تطور الأيديولوجيا المعاصرة"، إيغور شاتروف، أن "على كييف التفكير جدياً بالنتيجة التي حققها حزب المساعدة الذاتية الذي يتزعمه محافظ لفوف، أندري سادوفي، من زاوية أن في ذلك إشارة إلى نظرة خاصة إلى مستقبل أوكرانيا تشكلت في الأقاليم الغربية. وأن هذه النظرة تختلف عن تلك التي أعلنها بوروشينكو".

وبالتالي، يجدر أن يؤخذ بعين الاعتبار احتمال دخول حزب "المساعدة الذاتية" في عداد الائتلاف الحاكم العتيد. وأضاف "مع العلم أن البرلمان المقبل سيخلو عملياً من النواب الذين يمثلون جنوب شرقي البلاد، الأمر الذي لا يَعِد أوكرانيا بالاستقرار. ولا ينبغي تجاهل أن عامل العداء لروسيا هو ما يوحّد أصحاب الحلم الأوروبي، الساعين إلى كراسي البرلمان".

وفي السياق، جاءت ردة فعل الانفصاليين متوقعة، فقد نقلت وكالة "إنترفاكس" عن نائب رئيس حكومة "جمهورية دونييتسك الشعبية" المعلنة من جانب واحد، أندري بورغين، قوله "إنها مهزلة، ولكنها مهزلة على أرضهم، فلينتخبوا من يريدون". فهل تكرس نتائج الانتخابات واقع الانفصال، أم تتعقل كييف ويضع برلمانها وحكومتها العتيدتين وحدة البلاد هدفاً لتشريعاتهما وقوانينهما التنفيذية، الأمر الذي لا يمكن تحقيقه مع استمرار العداء لروسيا؟

أما في كييف، فيقول الباحث السياسي والمؤرخ الأوكراني، قسطنطين بوندارينكو، على موقع " فيستي ـ أوكر.كوم"، إن "ائتلاف كتلة بوروشينكو والجبهة الشعبية مع ياتسينيوك رئيساً للوزراء، يعني المحافظة على السياسة الاقتصادية والاجتماعية والخارجية الحالية. ويعني أنه من المستبعد أن نتفق مع روسيا بشأن الغاز، والناس سوف يعانون من البرد في الشتاء ويجلسون في شققهم من دون ماء ساخن".

ويضيف "كما أن ائتلافاً بين ياتسينيوك وبوروشينكو، المتعادلان بقوة الأدوار، لن يكون مستقراً وسوف يؤدي إلى شلل السلطة، كما كان الأمر في زمن (الرئيس السابق فيكتور) يوشينكو وتيموشينكو". ولا يُخفى أن صيغة من هذا النوع ستجعل كييف عاجزة عن معالجة الانقسام الدامي في البلاد، الأمر الذي سيستغلّه الانفصاليون.

إلا أن الباحث السياسي، مدير مركز "بينتا" للأبحاث السياسية، فلاديمير فيسينكو، يرى العكس. فهو يقول، وفقا لـ"فيستي ـ أوكر.كوم"، إن "نتائج الجبهة الشعبية ستكون الحدث الأكثر حساسية في الانتخابات. فمن منح صوته لهذا الحزب، صوّت في الجوهر لياتسينيوك رئيساً للوزراء. وأرى في ذلك نقطة إيجابية، لأن في الحفاظ على مترادفة بوروشينكو ـ ياتسينيوك علامة على الاستقرار. وهناك نقطة أخرى، يمكن النظر إليها بعين الإيجاب، انطلاقاً من نتائج كتلة بوروشينكو والجبهة الشعبية، فالائتلاف الحاكم جاهز عملياً".

وتنتظر أوكرانيا المتعبة، تغييراً يسير بها إلى الأمان، فيما الاستقرار قد يعني جموداً وشللاً وعجزاً عن حلّ المشكلات. فهل يملك تحالف بوروشينكو ـ ياتسينيوك أدوات ومداخل جديدة لحلّ مشكلات البلاد وهو المكبّل بالعجز الاقتصادي وبتبعيته للولايات المتحدة التي يبدو أن من مصلحتها تأجيج عدائه لروسيا، فيما أوروبا عاجزة عن النظر إلى مصالحها الحقيقية في أوكرانيا، وهو الائتلاف ذاته الذي أوصل البلاد إلى حرب أهلية؟

المساهمون