الاقتصاد ومخاطر فقدان الثقة واليقين السياسي

02 مايو 2016
الصورة
حالة عدم اليقين السياسي تمر بها بلدان عربية كثيرة(Getty)
+ الخط -
في أي دولة في العالم، متقدمة أو نامية، عندما تجتمع حالة فقدان الثقة مع حالة عدم اليقين والغموض السياسي، هنا قُلْ على اقتصاد الدولة السلام، ويصبح الحديث عن قدرة الحكومات على جذب استثمارات خارجية لضخها في شرايين الاقتصاد نوعاً من العبث وتضييع الوقت والجهد، ومع وجود الحالتين تفشل أية مجهودات حكومية في إقناع صناديق استثمار وبنوك ومؤسسات مالية دولية بضخ استثمارات سواء في أسواق المال أو إقامة مشروعات داخل الدولة، ويصبح الكلام عن احداث تنمية حقيقية للاقتصادات الوطنية لا محل لها من الاعراب.

الغموض السياسي أو حالة عدم اليقين السياسي هو أن تصبح البلد مفتوحة على كل الاحتمالات، وتصبح الإجابة عن كل الأسئلة الشائكة والمعقدة والمصيرية معلقة أو لا اجابة لها، وهذه الحالة تمر بها بلدان عربية كثيرة هذه الأيام، خذ مثلاً دول مثل الجزائر واليمن وسورية والعراق ومصر ولبنان وليبيا.

فهل يستطيع أحد أن يرسم لنا سيناريوهات دقيقة لمرحلة ما بعد حقبة بوتفليقة في الجزائر، وهل يستطيع أن يحدد لنا موعد إزاحة بشار الأسد عن سدة الحكم، أو انتهاء الأزمة السورية المعقدة؟

وهل يمكن لمستثمر أن يسأل عن أفق زمني محدد لانتهاء الحرب في اليمن ودحر الانقلاب الحوثي على الشرعية، أو يحدد لنا موعداً ولو تقريبياً لدحر الإرهاب في سيناء، وإنهاء أزمة الانقسام المجتمعي الحادة داخل مصر، أو أن يرسم لنا سيناريوهات لمستقبل ليبيا ومصير حكومة الإنقاذ الجديدة بها، أو موعد انتهاء تمرد اللواء المتقاعد خليفة حفتر بشرق البلاد، هل يستطيع أحد أن يعرف من هو رئيس لبنان القادم، أو حتى متى موعد اختياره عقب أكثر من عامين من الفراغ الرئاسي؟

أما عن العراق فحدث ولا حرج، فهي نموذج عربي صارخ لحالة عدم اليقين السياسي والغموض وفقدان الثقة في كل مؤسسات الدولة، اضافة للفوضى الأمنية، والدليل الخلافات الحالية على تشكيلة الحكومة واقتحام مواطنين البرلمان والبنك المركزي، وغموض علاقة إقليم كردستان العراق بالعاصمة بغداد، وهل سينفصل الإقليم عن العراق أم لا، ومتى موعد الانفصال؟


وحالة عدم اليقين السياسي تصيب الدول أكثر في أوقات الاضطرابات السياسة والأمنية وعدم وجود مشروع وطني يلتف حوله الجميع، مثلاً أصابت الحالة مصر قبل قيام ثورة 25 يناير 2011، مع الحديث عن سيناريو التوريث واعداد جمال مبارك لخلافة والده فى الحكم، كما أصابت دولاً كثيرة، منها تونس وليبيا وغيرها.

أما بالنسبة لحالة فقدان الثقة فهي تعني أن الشعوب العربية باتت لا تثق في قدرة حكوماتها على معالجة ملفات مهمة، منها الأزمات الاقتصادية والمالية، واضطرابات سوق الصرف، والارتفاع المتواصل لسعر الدولار أمام العملات المحلية، والفشل المتواصل في توفير البيئة المناسبة للاستثمار ومكافحة الفساد والبيروقراطية.

وفي حال توافر الحالتين (فقدان الثقة والغموض السياسي) داخل أية دولة، هنا لا تستطيع قوة على الأرض تحقيق الاستقرار الاقتصادي والمالي المنشود، فالمواطن الذي لا يملك الثقة في حكوماته، سيخزن الدولار والتخلص من عملته المحلية التي يتهاوى سعرها يوماً بعد يوم، وسيسحب المودع، الذي يتعامل مع البنوك، أمواله خوفاً من مصادرتها، وسيؤجل المستثمر قراره الاستثماري وتوسعات مشروعاته لحين وضوح الرؤية سواء السياسية أو الاقتصادية.

وسيتحايل المصدر والمنتج على الدولة حينما يتلقى حصيلة صادراته ويمارس سياسات ملتوية حتى لا تصل للبنوك، وسيخزن المدخر الدولار وعدم إتاحته في السوق، وستقوم شركة السياحة ببيع ما لديها من نقد أجنبي في السوق السوداء وعدم التنازل عنها للقطاع المصرفي، كما أن مواطناً يعيش في ظل الحالتين سيتهرب من الضرائب والتزامات الدولة.

إذا أرادت دولة تنشيط الاقتصاد وتحقيق الاستقرار المالي فإنها مطالبة بتوفير عوامل كثيرة وعناصر ضرورية، منها كسب ثقة المستثمرين والمدخرين وطمأنتهم على عدم مصادرة أموالهم أو تآكلها بسبب التضخم وتراجع قيمة العملة الوطنية، كما أنها مطالبة بالقضاء على حالة الغموض السياسي وعدم التيقن، التي تصيب المجتمع وتربكه، وذلك بتوفير مناخ حر تتداول فيه السلطة ويتم فيه احترام القانون وحقوق الإنسان والمواطنة.

المساهمون