الاقتصاد المتهالك يهجّر شباب لبنان "بلا عودة"

29 يناير 2020
الصورة
مسيرة أساتذة وطلاب وناشطين في لبنان (العربي الجديد)
+ الخط -
بعدما شاركوا في التظاهرات التي عمت كافة الأراضي اللبنانية منذ 17 أكتوبر/ تشرين الثاني رافعين الصوت ضد طبقة حاكمة يتهمونها بالفساد، يملأ طلاب وشبان اليوم طلبات الهجرة للعمل او إكمال تعليمهم في الخارج.

والأمهات اللواتي هتفن يوماً متهمات الطبقة السياسية بدفع أولادهن إلى الهجرة، بدأن بتحضير أنفسهنّ لوداعهم، في بلد يشهد انهياراً اقتصادياً متسارعاً يُعد الأسوأ منذ الحرب الأهلية (1975-1990)، ولا حلول واضحة في الأفق، سوى وعود حكومة جديدة لم تلق رضا الشارع، بتكوينها وبغياب خطة إنقاذية تنتشل البلد من أزماته المتمادية.

ويقول يوسف نصار، المصور السينمائي وهو في الـ29 من العمر، لوكالة "فرانس برس": "سأذهب من دون رجعة" بعدما حجز تذكرة سفره إلى كندا. ويضيف "لا شيء يجري بشكل جيد في هذا البلد لكي أبقى فيه".

ومنذ أشهر، يواجه لبنان شحاً في السيولة مع ارتفاع مستمر في أسعار المواد الأساسية وفرض المصارف إجراءات مشددة على العمليات النقدية وسحب الدولار. وتضاعفت نسبة التضخم بين شهري أكتوبر ونوفمبر/ تشرين الثاني، وفق تقرير بنك بلوم للاستثمار، بالتزامن مع خسارة الليرة اللبنانية نحو ثلث قيمتها أمام الدولار في السوق الموازية.

وتُهدد الأزمة اللبنانيين في وظائفهم ولقمة عيشهم، وقد أغلقت العديد من المتاجر والشركات أبوابها، وتلقت وزارة العمل عشرات الطلبات بالصرف الجماعي، ما يؤدي حكماً إلى ارتفاع نسبة البطالة. ويعيش ثلث اللبنانيين أساساً تحت خط الفقر، بينما يبلغ معدل البطالة ثلاثين في المائة في صفوف الشباب، وفق تقرير "فرانس برس".

ويحذر البنك الدولي من ارتفاع هذين المعدلين نتيجة الإنهيار الحالي. ويقول نصار "بّت أكره هذا البلد" بسبب الطبقة السياسية التي ترفض مغادرة السلطة ولا تجد مخرجاً للأزمة في الوقت ذاته.

واعتاد نصّار على كسب ما يكفيه من المال لتصويره حملات لشركات أزياء أو إعلانات أو غيرها. لكنه ومنذ أشهر لم يعمل سوى مرة واحدة. ولا يزال ينتظر الحصول على أتعاب بقيمة 25 ألف دولار من سبعة زبائن، بينهم نائب في البرلمان، إلا أنهم لا يتمكنون من سدادها.

ويقول نصار، الذي يحمل أيضاً الجنسية الكندية، "أريد أن أعمل على تطوير مهنتي ومن أجل مستقبلي". ويضيف "لست مستعداً لأن أنتظر طوال حياتي أن يتحسن حال البلد". وتقدر مؤسسة "الدولية للمعلومات" للأبحاث والإحصاءات عدد اللبنانيين الذين غادروا البلاد من دون عودة في العام 2019 بـ61924 مقارنة بـ41766 في العام السابق أي بزيادة نسبتها 42 في المائة.

وعلى معرفات البحث في غوغل، بلغ معدل البحث عن كلمة "هجرة" في لبنان بين شهري نوفمبر وديسمبر/ كانون الأول حده الأقصى خلال خمس سنوات. ولم يعد محامون يعملون في ملفات الهجرة يمتلكون أوقات فراغ، إذ تنهال عليهم طلبات الراغبين بالذهاب إلى كندا أو أستراليا أو غيرها.


ويقول أحد المحامين، مفضلاً عدم الكشف عن اسمه لـ "فرانس برس"، إن "الطلب على الهجرة ارتفع بنسبة 75 في المائة"، مشيراً إلى أنه يعمل حالياً على 25 طلباً، غالبيتها إلى كندا. وغالبية زبائن المحامي هم من الشبان المتعلمين وأصحاب الاختصاص، منهم من يعمل في الصيدلة أو في تكنولوجيا المعلومات او الشؤون المالية.

ويضيف المحامي "جميعهم يغادرون بسبب الوضعين الاقتصادي والسياسي". وعلى وقع اقتصاد متهالك وأزمات سياسية متتالية، تحول لبنان على مر السنوات إلى بلد مورد للمهاجرين. وبرغم عدم توفر إحصاءات رسمية، تشير تقديرات إلى أن عددهم يساوي أكثر من ضعف عدد سكان البلاد الذي يقدر بأكثر من أربعة ملايين نسمة.

وتشارك فاطمة، المهندسة في الـ28 من العمر، في التظاهرات ضد الطبقة الحاكمة منذ انطلاقها. وتقول، الشابة التي حلمت بالهجرة منذ أن بلغت الـ16 من العمر، "حين بدأت الثورة شعرت للمرة الأولى في حياتي بالانتماء، شعرت وللمرة الأولى أن العلم اللبناني يعني لي كثيراً". لكن هذا الأمل لم يدم طويلاً بعدما فقدت فاطمة الشهر الماضي وظيفتها في منظمة غير حكومية دولية نتيجة تراجع التمويل.

وتقول "في هذه اللحظة تحديداً، تغير كل شيء بالنسبة لي، وبتُ لا أفكر سوى بالهجرة إلى كندا". وجدت فاطمة لنفسها محامياً وتجمع حالياً الوثائق اللازمة لتبدأ معاملة الهجرة. وتضيف: "لا قوة لي على المحاربة أكثر" من أجل بلد أفضل. لا أعتقد أني سأخذل وطني بمغادرتي، لكني سأفشل بالطبع اذا بقيت هنا".

المساهمون