الاغتيال وما بعده: الطاهر جاووت الذي تكلّم ومات

02 يونيو 2020
الصورة
(الطاهر جاووت، 1991، نصر الدين زبار)

كان من حُسن حظّ القارئ باللغة العربية في الجزائر أن يكتشف الروائيَّ والصحافيَّ الجزائري الطاهر جاووت (بجاية، 1954 - الجزائر العاصمة، 1993)، قبل اغتياله بفترةٍ وجيزة، عندما ترجم له الكاتب جيلالي خلّاص روايته "البحث عن العظام"، التي صدرت عن "المؤسّسة الجزائرية للطباعة"، مطلع التسعينيات.

كان ذلك ثاني أعماله الروائية بعد "امرأة منزوعة الملكية" (1981)، وهو يُروى على لسان صبيٍّ يخرج من قريته الجبلية النائية في منطقة القبائل رفقة شخصين أكبرُ منه سنّاً للبحث عن رفات أخيه الذي قضى خلال الحرب، ليكون دليلاً على مشاركة القرية في الثورة التحريرية. لكنه في رحلته تلك، سيكتشف مُدناً كبيرةً تختلف عن قريته شديد الاختلاف، وسيقف على التحوّلات العنيفة التي يشهدها هذا المجتمع الخارج لتوّه من حرب الاستقلال.

وكم كانت سخرية جاووت مريرةً حين كتب على لسان بطل "البحث عن العظام": "هو ذا الهيكل العظمي قابعٌ في قاع الهوّة غير مُبالٍ بتأثّرنا وعيائنا، وفكّا جمجمته المفتوحة يبدوان كأنهما يستهزئان منّا". وفي نهاية الرواية، سيتساءل إن كان عليه فعلاً إعادةُ رفات أخيه لدفنه في قريةٍ لم يكُن ليرغب في العيش فيها.

لم يكُن جاووت، الذي كتب "البحث عن العظام" سنة 1984، وبعدَها "العسس" (1991)، و"صيف أخير للعقل" التي نُشرت عام 1999، أي بعد ستِّ سنواتٍ على رحيله، يعلم أنَّ مصيره سيتقاطع بشكلٍ ما مع عناوين رواياته تلك؛ إذ سيغتاله "العسس" في ذلك الصيف الذي أسكتت فيه المسدّسات صوت العقل ليبدأ مهرجانُ الدم الذي راح ضحيّتَه مئات الآلاف من الجزائريّين، مِن بينهم روائيّون وصحافيون وفنّانون، ولن يجد محبّوه بعد ذلك سوى البحث عن عظامه مثلما حدث مع أبطال روايته.

رحل جاووت في الثاني من حزيران/ يونيو 1993 متأثّراً بجروحه، بعد أن ظلَّ يرقد في غيبوبة بأحد مستشفيات العاصمة أسبوعاً كاملاً دون أن يتمكّن الأطباء من إنقاذ حياته؛ ففي السادس والعشرين من أيار/ مايو من السنة ذاتها، أطلق عليه قاتلٌ محترف النار أمام سيّارته بالقرب من بيته، بأحد أحياء الجزائر العاصمة، بعدما ناده باسمه، ربما للتأكد من هويته؛ فهو لم يكن يعرفه شخصياً، وربما لم يقرأ له حرفاً واحداً. حدث ذلك بعد يومٍ واحد من نشره مقالاً بعنوان "العائلة التي تتقدّم، العائلة التي تتأخّر" وجّه فيه انتقاداتٍ لاذعة إلى الإسلاميّين الذين ستُنسَب إليهم الجريمة.

غير أنَّ رواية السلطة، التي بَثّت على تلفزيونها الرسمي اعترافاً لشابٍ قالت إنه كان ضمن المجموعة التي نفّذت الاغتيال، لم تُقنع الكثيرين؛ فشكّل عددٌ من المثقّفين لجنةً طالبت بكشف الحقيقة، وكان من ضمنهم الروائي رشيد ميموني والصحافي عمر بلهوشات اللذان سينجوان من محاولات اغتيال استهدفتهما، والأكاديمي والطبيب محفوظ بوسبسي والصحافي السعيد مُقبل اللذان ستجري تصفيتُهما في الخامس عشر من تموز/ يونيو 1993 والثالث من كانون الأول/ ديسمبر 1994 على التوالي. وكان ذلك بمثابة طمسٍ نهائي للحقيقة التي ستظلُّ مغيّبةً إلى اليوم.

والطاهر جاووت الذي كتب الرواية والقصة والشعر (صدرت له ستُّ مجموعات شعرية ومجموعتان قصصيتان)، ومارس الصحافة قادماً من تخصُّصه العلمي في الرياضيات، ثم غادر القطاع الصحافي العمومي ليؤسّس جريدةً مستقلّةً باسم "القطيعة" رفقة صديقيه أرزقي مترف وعبد الكريم جعاد، كان يُدرك أنه يخوض معركة حياة أو موت، وهو الذي عُرف بمقولته الشهيرة: "إذا تكلّمتَ تموت وإذا سكتَّ تموت، إذن تكلّم ومُت".

تعليق: