الاستبداد المالي

19 يونيو 2020
الصورة
من المهم أن ندرك أن الاستبداد والفساد متلازمان، وعادة ما يتسلّل الاستبداد في حكم الأمة باقتناعات صور زائفة مضللة. ومن أهم ما يسهل مهمة قوى الاستبداد إلى استبداد السلطات الطاغية، والمصالح الخاصة الفاسدة المفسدة؛ ليزيد الفساد من تمكين التسلط والطغيان والاستبداد، وهكذا دواليك، ضعف وعيٍ يؤدي إلى استبداد، ومزيد من استبدادٍ يؤدّي إلى تراكم فساد، إلى مزيد من التجهيل وضعف الوعي والخضوع والخنوع، ويسلمه ذلك إلى مزيدٍ من الاستبداد، ومزيدٍ من الفساد؛ حلقة جهنمية يودي بعضها إلى بعض من كل طريق. لذلك، وحتى يُقضى على متلازمة الاستبداد والفساد، فإن بناء وعي جمهور الأمة، ووعي كوادرها، من أهم المسالك التي تشكل كسراً لتلك الحلقة؛ العلو والظلم وبثّ الخوف والطمع والطغيان وسفك الدماء وقطع ما أمر الله به أن يوصل وإهلاك الحرث والنسل وتبخيس أشياء الناس والعبث في الأرض فساداً، وذبح أبناء الرعية واستحياء نسائهم وادعاء الإصلاح والإفساد بعد الإصلاح، كلها من صفات الاستبداد والمستبدّين والفاسدين والمفسدين.
الاستبداد المالي، أو طغيان المال كما يسميه عبد الرحمن الكواكبي، في هذا الفصل "الاستبداد والمال"، وكذا الفصل الذي يليه "الإنسان والاستبداد"؛ هو المؤشّر الحقيقي على متلازمة الاستبداد والفساد؛ استبداد الفساد وفساد الاستبداد؛ إن طبعة الاستبداد لا بد أن تصطحب طبعة الفساد، وإن الاستبداد يستدعي الفساد الداعم والمساند له، والفساد يدعو الاستبداد إلى حمايته وتأمين شبكاته؛ الفساد في محضن الاستبداد، والاستبداد لا يمكنه أن يرسخ إلا بفساد طبقة تدعمه وتمكنه، وربما أن تعريف السياسة في الرؤية الإسلامية بأنها قيام على الأمر بما يصلحه؛ أو هي ما كانت معه الأمور أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد له من الوجاهة في هذا المقام.
ظاهرة الفساد كلية وشاملة؛ وهذا الشمول إنما يعبّر عن استطراق هذه الظاهرة في كل الجوانب 
المختلفة، اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية وغير ذلك... والفساد لا يمكن اختزاله بحال في جانب مادي منه، وإهمال الشروط المعنوية فيه. ذلك أن هذه الشروط الأخلاقية والمعنوية إنما تمثل بيئةً حاضنةً للفساد، وتشكل أهم قابلياته؛ الفساد الأخلاقي يعد محضناً ونتيجة في آن واحد، لذلك الفساد والخلل الذي يطرأ على الجوانب المادية والمالية في هذا المقام. وتتعلق بظاهرة "الفساد" وما يمكن تسميتها أخواته التي قد تشكّل شبكة فسادية، مثل الاستبداد، والترف، والجباية، والغش المادي والمعنوي، وأمورٍ كثيرة تشكل أهم قابليات ذلك الفساد، على ما أكد ابن خلدون.
ومن ثم، فإن من يحاول أن يصور الفساد بوصفه ظاهرة اقتصادية أو مالية فحسب، إنما يُقصي الجوانب الأخرى فيه، بل لا يلقي بالاً للجوانب المعنوية فيه، كذلك فإنه يجعل من تلك الجوانب المادية الاقتصادية دالةً على الفساد، بينما يسكت عن غيرها من دون حجّة أو سند. ولكن على الرغم من هذا التحفظ المهم الذي لا يجوز التغافل عنه، غالباً ما تشكل ساحة المال أهم الساحات التي تعتمل فيها الجوانب المختلفة لظاهرة الفساد الداعمة للطغيان والاستبداد في ما أثبته الكواكبي بالاستبداد المالي. في ضوء هذا، يمكن فهم هذه المحورية لدور المال وساحته الحيوية التي يؤكدها الكواكبي "بَسَطَ المولى جلّت حكمته - سلطان الإنسان على الأكوان، فطغى، وبغى، ونسي ربَّه وعبد المال والجمال، وجعلهما منيته ومبتغاه...". وبالنظر إلى أنَّ المال هو الوسيلة الموصلة للجمال كاد ينحصر أكبر همٍّ للإنسان في جمع المال، ولهذا يُكنَّى عنه بمعبود الأمم وبسرِّ الوجود. فـ"المال عند الاقتصاديين: ما ينتفع به الإنسان، وعند الحقوقيين: ما يجري فيه المنع والبذل؛ وعند السياسيين: ما تُستعاض به القوة؛ وعند الأخلاقيين: ما تُحفظ به الحياة الشريفة. المال يستمدُّ من الفيض الذي أودعه الله تعالى في الطبيعة ونواميسها، ولا يملك؛ أي لا يتخصص بإنسان، إلا بعمل فيه أو في مقابله". "والمقصود من المال هو أحد اثنين لا ثالث لهما، هما: تحصيل لذّة أو دفع ألم، وفيهما تنحصر كلُّ مقاصد الإنسان، وعليهما مبنى أحكام الشرائع كلها"، مشيراً إلى مبادئ الاشتراكيين والمدارس الأخلاقية وضرر ثروات الأفراد المتضخمة التي تمكّن للاستبداد الداخلي والاستبداد الخارجي على حد سواء. أما السياسيون الاشتراكيو المبادئ والأخلاقيون، فينظرون إلى أنَّ ضرر الثروات الأفرادية في جمهور الأمم أكبر من نفعها، لأنها تمكِّن الاستبداد الداخلي، فتجعل الناس صنفين: عبيداً وأسياداً، وتقوّي الاستبداد الخارجي، فتسهِّل للأمم التي تغنى بغناء أفرادها التعدّي على حرية استقلال الأمم الضعيفة. وهذه مقاصد فاسدة في نظر الحكمة والعدالة". تلك الإشارة إلى هذين النوعين من الاستبداد الداخلي المستند إلى تصنيف الناس "العبيد والأسياد"؛ هذا التصنيف الطبقي إنما يشكل بيئة قابلة لتمكين الاستبداد، حينما يعتمد على هؤلاء من أصحاب الأموال؛ وكذا الاستبداد الخارجي الذي يمهد لحال التبعية واستباحة الدول الضعيفة.
التمول القبيح هو صنعة المستبد في الاستبداد المالي؛ وبه يصطنع الأخلاق الفاسدة الكاسدة ويسوّغ 
اغتصاب الأموال المواتية لصناعة البيئة والحالة الاستبدادية، "وحِرْص التموّل القبيح يشتدُّ في رؤوس الناس في عهد الحكومات المستبدِّة؛ حيث يسهل فيها تحصيل الثروة بالسرقة من بيت المال، وبالتعدّي على الحقوق العامة، وبغصْب ما في أيدي الضعفاء، ورأس مال ذلك هو أنْ يترك الإنسان الدِّين والوجدان والحياء جانباً وينحطَّ في أخلاقه إلى ملائمة المستبدّ الأعظم، أو أحد أعوانه وعماله، ويكفيه وسيلةً أن يتّصل بباب أحدهم ويتقرَّب من أعتابه، ويظهر له أنَّه في الأخلاق من أمثاله وعلى شاكلته، ويبرهن له ذلك بأشياء من التملُّق وشهادة الزور، وخدمة الشهوات، والتجسس، والدلالة على السّلب ونحو ذلك. ثمَّ قد يطلع هذا المنتسب على بعض الخفايا والأسرار التي يخاف رجال الاستبداد من ظهورها خوفاً حقيقياً أو وهمياً، فيكسب المنتسب رسوخ القدم ويصير هو باباً لغيره، وهكذا يحصل على الثروة الطائلة إذا ساعدته الظروف على الثّبات طويلاً. وهذا أعظم أبواب الثروة في الشرق والغرب، ويليه الاتِّجار بالدّين، ثمَّ الملاهي، ثمَّ الربا الفاحش، وهي بئس المكاسب وبئس ما تؤثِّر في إفساد أخلاق الأمم". "بناءً عليه؛ ثروة هؤلاء يتعجّلها الزوال؛ حيث يغصبها الأقوى منهم من الأضعف، وقد يسلبها المستبدُّ الأعظم في لحظةٍ وبكلمة. وتزول أيضاً والحمد لله قبل أن يتعلّم أصحابها أو ورثتهم كيف تُحفظ الثروات، وكيف تنمو، وكيف يستعبدون بها الناس استعباداً أصولياً مستحكماً". إنه الاستبداد المالي الذي يُخرج المال عن حقيقة دوره وجوهر وظيفته؛ ويستولي عليه ويسلبه المستبد.