الاحتلال يستهدف مقوّمات انتفاضة الداخل... والسلطة تشاركه جهود "التهدئة"

الاحتلال يستهدف مقوّمات انتفاضة الداخل... والسلطة تشاركه جهود "التهدئة"

12 أكتوبر 2015
الصورة
تخشى إسرائيل فتح جبهة في غزة (مصطفى حسونة/الأناضول)
+ الخط -
كثّف الاحتلال في الأيام الأخيرة، خصوصاً بعد أحداث نهاية الأسبوع، من محاولاته احتواء الانتفاضة، عبر الاتصالات المتواصلة مع السلطة الأمنية الفلسطينية، التي بدت كأنها تتولى بأجهزتها مهام ضمان عدم وصول المتظاهرين الفلسطينيين إلى خارج مدنهم، والاقتراب من حواجز جيش الاحتلال، بينما تنصرف القوات الإسرائيلية إلى تطويق عمليات المقاومة داخل القدس المحتلة، عبر الدفع بقوات كبيرة من الشرطة الإسرائيلية، ليس إلى القدس المحتلة والبلدة القديمة داخل الأسوار فحسب، وإنما أيضاً بدفع قواتها في عمق الأحياء الفلسطينية والبلدات المحيطة بالقدس، بحسب ما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وهي المناطق التي يعتبرها الاحتلال جزءاً من القدس ويخضعها لنفوذ سلطة بلدية الاحتلال. 

وفي الوقت الذي بدأ فيه المحللون في إسرائيل يقرعون خطر دخول حركة المقاومة الإسلامية، "حماس"، على خط المواجهة وتشجيعها الانتفاضة الفلسطينية، من دون أن تكون طرفاً مباشراً في الصراع، داخل الضفة الغربية المحتلة، تزايدت الاشتباكات على السياج الحدودي مع قطاع غزة، ما يؤشر قلق الطرف الإسرائيلي من توجّه "حماس" فعلاً إلى التدخل في فتح جبهة القطاع.


ولغاية أمس الأحد، لم تثمر الجهود التي تشترك فيها السلطة الفلسطينية في تهدئة الأوضاع أو التخفيف من حدة المواجهات والعمليات، لا سيما على أثر الغضب الفلسطيني العارم من سقوط عدد كبير من الشهداء في أقل من يومين. وحذّر عدد من محللي الشؤون العسكرية في إسرائيل من دفع هذا الغضب في نهاية المطاف، فضلاً عما وصفته أوساط إسرائيلية بأنه "حرب لخلافة الرئيس الفلسطيني محمود عباس"، بالذراع العسكرية لحركة "فتح" للانخراط في الانتفاضة الفلسطينية.

وفيما ينشغل المراقبون في إسرائيل في تحديد وجهة حركة "حماس"، بدا واضحاً في اليومين الأخيرين، مسار التهدئة المتبادلة على المستوى الرسمي بين الحكومة الإسرائيلية وبين قيادة السلطة الفلسطينية، لجهة تخفيف الاتهامات المتبادلة حول المسؤولية عن اندلاع الانتفاضة الثالثة، وهو ما تجلى في اعتراف نتنياهو نهاية الأسبوع الماضي، بأن عباس ربما يكون قد عمل، في الأيام الأخيرة، على كبح جماح الأحداث في الضفة الغربية، وتركيز المسؤولية وأصابع الاتهام بالتحريض والإبقاء على ألسنة اللهب نحو "حماس" في الضفة الغربية، ونحو طرفين سياسيين في الداخل الفلسطيني، هما الحركة الإسلامية الشمالية، برئاسة الشيخ رائد صلاح، وحزب التجمع الوطني الديمقراطي الممثل بالكنيست بثلاثة نواب، جمال زحالقة وحنين زعبي وباسل غطاس.

ومنذ اندلاع الانتفاضة، ورئيس الحكومة الإسرائيلية، ومعه باقي وزراء الحكومة ووسائل الإعلام الإسرائيلية، يتهمون الحركة الإسلامية وحزب التجمع الوطني بمواصلة "التحريض الكاذب"، لناحية تثبيت نية الاحتلال فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى. ومنذ أواخر الأسبوع الماضي، طال التحريض الممنهج حزب التجمع الوطني الديمقراطي والسعي لاستنكار تدخل حزب قومي في مسألة الصلاة في المسجد الأقصى.

وبلغ التحريض ذروته، أمس الأحد، عندما هاجم نتنياهو، خلال جلسة الحكومة، النائب حنين زعبي، متهماً إياها بالتحريض، ومعلناً أنه طلب فتح تحقيق جنائي معها بتهمة التحريض، والإعلان بنفس الوقت أنه يعقد مشاورات مع الجهات الأمنية والقضائية للبحث عن سبل لإخراج الحركة الإسلامية عن القانون، وجعلها حركة محظورة.

اقرأ أيضاً: غزة تلتحق بانتفاضة الضفة: ستة شهداء وعشرات الجرحى

ولعل التطور الأخطر يخص فلسطينيي الداخل، الذين دخلوا مرحلة جديدة في تعامل السلطة الفلسطينية معهم، لجهة السعي إلى فرض الوصاية السياسية عليهم. ويؤكد نائب فلسطيني في الداخل المحتل لـ"العربي الجديد"، أن السلطة الفلسطينية تجري منذ أواسط الأسبوع الماضي (غداة الاجتماع التنسيقي بين قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال وبين قادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية، الذي أفضى إلى ضرورة العمل لتهدئة ألسنة اللهب في الضفة الغربية)، اتصالات مكثفة مع قيادة الداخل الفلسطيني لجهة دفعهم نحو العمل لتهدئة الاحتجاجات والتظاهرات المساندة للانتفاضة والمعارضة لانتهاك المستوطنين لحرمة الأقصى.

ويوضح النائب نفسه أن هذه الاتصالات لم تتوقف، لكنها ساهمت على الأقل في المرحلة الأولى، بتأجيل الزيارة، التي كانت مقررة يوم الجمعة الماضية، لـ"لجنة المتابعة العليا للفلسطينيين في الداخل" إلى المسجد الأقصى، ثم تكللت اتصالات السلطة، أمس الأحد، بتأجيل الزيارة التي كانت مقررة أيضاً، أمس الأحد، إلى المسجد الأقصى لأفراد هيئة المتابعة.


ويقول مصدر مطلع، شارك في جلسة لجنة المتابعة العليا للفلسطينيين في الداخل، إن السلطة الفلسطينية حاولت مرة أخرى، أمس، التدخل في قرارات قيادات فلسطينيي الداخل لجهة التهدئة، إلا أن الغضب العارم في الداخل، خصوصاً بعد إطلاق الرصاص على الفتاة، إسراء عابد، في العفولة، لمجرد الاشتباه في أنّها كانت تحاول طعن أحد المستوطنين، وما تبع ذلك من اعتداءات وحشية على العرب في مدن إسرائيلية في الداخل، تغلّب على كل الضغوط ومساعي التأثير الرسمية من قبل عباس. وقررت اللجنة، في نهاية اجتماعها، تبني قرار الإضراب العام والشامل في الداخل الفلسطيني، يوم غد الثلاثاء، وزيارة المسجد الأقصى بعد غد، الأربعاء، بعد انتهاء جلسة محكمة الشيخ رائد صلاح، على الرغم من ميل "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة" إلى قبول موقف السلطة الفلسطينية.

وتخشى إسرائيل، في هذا السياق، من أن تستنزف المواجهات في الداخل، وفتح جبهة محتملة في غزة قواها، وبالتالي شلّ قدرتها على قمع الانتفاضة، حتى مع بوادر نجاح التنسيق الأمني في ضرب الانتفاضة في الضفة الغربية.


في المقابل، لا يزال غير واضح، بصورة قطعية، كيف ستؤثر حادثة حاجز الزعيم، أمس الأحد، على طريق معاليه أدوميم، على سير الانتفاضة حتى في حال ثبوت رواية الشاهد الفلسطيني، الذي نفى أن تكون قائدة السيارة، إسراء جعابيص، قد فجرت عبوة ناسفة، وذلك لإصرار الاحتلال على اعتبار ما حدث عملية مدبرة كان يفترض أن تتم في قلب القدس المحتلة. وتبيّن أن صاحبة السيارة، إسراء جعابيص، سيدة من حي جبل المكبر، جنوبي القدس، كانت عائدة من زيارة لأقارب لها في أريحا بحسب إحدى الروايات الفلسطينية.

ويبدو من قرار الحكومة الإسرائيلية باستدعاء 13 فرقة من حرس الحدود ونشرها في الداخل الفلسطيني، أن الاحتلال على قناعة بأن الأوضاع ستتفاقم على الأقل في القدس المحتلة، التي لا تملك السلطة الفلسطينية سيطرة أو سيادة عليها، بالتالي فإن الحكومة ستبقي عناصر الشرطة وحرس الحدود في القدس لفترة طويلة، بينما تستعين حالياً بحرس الحدود من قوات الاحتياط، لكسر موجة الاحتجاجات في الداخل المحتل عام 1948.

اقرأ أيضاً: الانتفاضة بعيون إسرائيلية... النيران لن تخمد قريباً

المساهمون