الاحتجاج وبوادر ثورة ثقافية عربية

07 ديسمبر 2019
الصورة
+ الخط -
أعني بالثورة الثقافية تشكّل وعي جمعي عربي جديد، يقطع مع منظومة مفاهيم تقليديّة، ومناهج كلاسيكية، وممارسات قديمة، ويؤسّس لتصوّرات حديثة، وأفكار مبتكرة، ومناويل مستجدّة في إدارة العمران والفعل في الشأن العام. وتحمل الثورة الثقافية طيّها كثافة في التفكير ورغبة جامحة في التغيير، وهي ذات طاقة تأثيرية بالغة من جهة أنّها لا تقف عند مخاطبة عقول النّاس ووجدانهم. بل تتجاوز ذلك إلى التأثير في السلوك الجمعي، وتوجيهه وجهات بنائية / تعبيرية/ وجودية مخصوصة. والمتابع للموجة الثانية من الحراك الاحتجاجي العربي يتبيّن أنّها ليست مجرّد مظاهراتٍ عفويةٍ عابرة، ولا هي حالة انفجار انفعالي حيني. بل هي حالة وعي احتجاجي يحمل طيّه بوادر ثورة ثقافية عارمة. ويمكن عمليّا رصد ثلاثة ملامح بارزة لازمت الحراك الاحتجاجي، ودلّت على ظهور ثورة ثقافية في سياق عربي: الحرص الشعبي على تسمية الحالة الاحتجاجية ثورة، صعود فكرة المواطنة، لزوم السلمية المستدامة. 
يحرص محتجّون في السودان، كما في الجزائر، وفي لبنان كما في العراق، على تسمية حراكهم الاحتجاجي ثورة، ويردّدون هذه التسمية في شعاراتهم، وفي أهازيجهم وبياناتهم. وبدا لافتا أنّ فنّانين لبنانيين محترفين، مناصرين للتظاهرات المطالبة بالتغيير، صنعوا مجسّما معبّرا عدّوه رمزا للثورة، وسمّوه "قبضة الثورة"، ونصبوه في ساحة الشهداء، وسط بيروت. وأقدم فوضويون مجهولون على إحراقه يوم عيد الاستقلال، ولكنّ المؤيّدين للاحتجاج أعادوا رسمه ونصْبه. وهم يهتفون "ثورة .. ثورة". وكذا ردّد سودانيون "حرّية سلام عدالة والثورة خيار الشعب"، ورفع جزائريون وعراقيون شعار "إنّها ثورة حتّى النّصر". وتنادى آلاف المتظاهرين في بلاد العرب "ثوّار، أحرار، حنكمل المشوار". ويرفض المحتجّون تسمية حراكهم انتفاضة أو هبّة أو انفجارا. بل يصرّون على تسميته ثورة، لأنّهم يدركون أنّ الثورة أشمل وأعمق من غيرها من التسميات، 
ولأنّهم يعلمون أنّها ليست فعلا عابرا، ولا عملا انفعاليا حينيّا، بل هي حركة تغييرية شاملة، تنسجم مع أشواق المحتجّين إلى تغيير طبقة سياسية تقليدية مهترئة، وتجديد هياكل الدولة، وعصرنة الخدمات، ومكافحة البيروقراطية، والفساد، والاستبداد، والتوزيع غير العادل للنفوذ والثروة، والتأسيس بدل ذلك لدولة مدنية، تعدّدية عادلة، ضامنة للحرّيات وتكافؤ الفرص والتنمية الشاملة، فالثورة هنا حالة وعي، وثقافة جديدة تقطع مع ممارسات الدولة الشمولية. والتعلّق بمصطلح الثورة دالّ على أنّ العربي لم يعد يقبل تدابير ترقيعية، ولا بحلول جزئية أو مرحلية. بل أصبح يطمح إلى تحقيق تغييراتٍ جذرية في بنية الدولة، ودستورها، ونظامها السياسي، ومناويلها التنموية. والانخراط ضمن ثقافة الثورة مخبر بأنّ طيفا مهمّا من العرب قطعوا عمليّا مع عهود الصمت، والخوف، والوصاية، ومع ثقافة الطاعة والولاء للزمرة الحاكمة، وقرّروا النزول إلى ميادين الاحتجاج ليمتلكوا قرارهم، وليرسموا مصيرهم بأنفسهم، وليثبتوا أنّهم مواطنون لا رعايا.
والمواطنة، بما هي فكرة مدنية وقيمة حضارية قائمة على الانتماء إلى الوطن، وعلى إشراك المواطنين في الشأن العام والمساواة بينهم، بقطع النظر عن انتمائهم الحزبي أو الطائفي أو الطبقي أو العِرْقي، هي قيمة حاضرة بامتياز في الموجة الثورية العربية الجديدة. وتجسّد ثقافة المواطنة، لا مركزية الوعي الاحتجاجي في بلدان عربية، فالاحتجاج لا يصدر بإيعازٍ من زعيم ما، أو من طائفة محدّدة أو من حزب معيّن أو من عشيرة ما، بل يصدر من قاعدة شعبية جماهيرية واسعة، تؤمن بفكرة الولاء للوطن والالتقاء تحت سقفه من أجل تحقيق التغيير الشامل، المنشود. وبدا ذلك واضحا من خلال رفع المحتجّين الرّاية الوطنية بكثافة، وعجز محاولات التطييف الحزبي أو الديني أو القبائلي عن اختراقهم، فالمحتجّ في الخرطوم أو وهران أو بيروت أو بغداد لا يُعرّف نفسه باعتباره مسلما أو مسيحيّا، أو يهوديّا، أو سنّيا أو شيعيّا أو درزيّا أو مارونيّا أو قبائليا، ولا يُعرّف نفسه باعتباره ينتمي إلى حزب معيّن أو طبقة محدّدة، بل يُعرّف نفسه مواطنا ثائرا، يروم بناء وطن جديد. جلّى ذلك، على سبيل الذكر لا الحصر، الانتشار الواسع لشعار "نريد وطنا"،
ومبادرة شباب "نازل آخذ حقي" بتغيير أسماء شوارع في كربلاء والديوانية والنجف من مسمياتٍ توحي بالطائفية إلى أخرى وطنية جامعة. وفي ذلك دلالة على ضيق النّاس بالروابط العصبيّة الفئوية، المصلحية، التقليديّة وتوجّههم نحو التمسّك بعرى المواطنة باعتبارها رابطة ثقافية مدنية، عابرة للتمثّلات الهوويّة المغلقة، فهي تجمع النّاس ولا تفرّقهم، ولا تميّز بينهم على أساس هويتهم الدينية أو السياسية أو العرقية. بل توفّر لهم فضاء أرحب للتواصل، والتعايش، والتثاقف، والتعاون من أجل دفع حركة التغيير الشامل لتبلغ مداها، وتؤسّس لدولة المواطنين، دولة الحق والواجب.
وانتهج جُلّ المحتجّين في الشارع العربي سنة 2019 نهجا سلميّا في التعبير عن اعتراضهم على الطبقة السياسية (الحاكمة والمعارضة)، وفي المطالبة بضرورة التغيير الجذري الشامل، والتأسيس لمعالم دولة مواطنية، مدنية جديدة. ورابط آلاف المحتجّين الجزائريين واللبنانيين طويلا في ميادين الاحتجاج. لم يكلّوا، ولم يملّوا، بل واظبوا على الحضور المستدام بكثافة وبطريقة سلميّة أبهرت العالم، وحرصوا قدر الإمكان على عدم الإضرار بالممتلكات العامّة والخاصّة، وأثثوا المشهد الاحتجاجي بشعاراتٍ راقيةٍ وأغانٍ معبّرة ونقاشات جادّة. وعلى الرغم من سطوة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والملشيوية في السودان والعراق، وإقدامها على قتل متظاهرين كثيرين، رفض المحتجّون الانزلاق إلى مهواة العنف والعنف المضادّ، ورفضوا دعاوى تسليح الثورة أو الانخراط في مشروع حربٍ أهلية، وتمسّكوا بدل ذلك برفع شعار "سلمية .. سلمية"، وقابل كثيرون منهم العساكر بالورد والفنّ، والقصائد المعبّرة، والأيادي الممدودة والصدور العارية. ودلّ ذلك على رقيّ الفعل الاحتجاجي وحرفيّته، وعلى انتشار ثقافة السلمية في الوعي الجمعي العربي الجديد. وقطع المحتجّون، بهذا السلوك السلمي، مع أحكام مجانية سابقة، روّجها مستشرقون، ومثقفون انتهازيون، وحكّام مستبدّون في المنطقة، مفادها بأنّ العرب غوغاء، لا يتقنون فنّ التظاهر، وإذا تظاهروا فإنّهم عنيفون، فوضويون لا محالة. وجاء الرّد في احتجاجات 2019 مُخبرا أنّ العرب خلاف ذلك، فهم قادرون على ممارسة الفعل الحضاري/ الاحتجاجي السلمي بامتياز.
صعود قيم الثورة، والمواطنة، والسلمية، وتشكّل ملامح ثورة ثقافية عربية، ليس حالة اعتباطيّة، بل هو نتاج وعي الجموع العربية بخطورة الدولة الشمولية، القامعة، ونتاج استفادة الجماهير من دروس الحركات الاحتجاجية العربيّة السّابقة ومآلاتها، ووليد تأثّر المحتجّين بطروحات مثقفين تنويريين عرب روّجوا مشروع الثورة التقدّمية، البنّاءة، المسؤولة، وهو أيضا نتاج الدور التثقيفي الطليعي لمنظمات المجتمع المدني، ولمراكز بحث ووسائل إعلام عربيّة تنويرية جادّة. والحاجة أكيدة اليوم إلى تمرير قيم الثورة الثقافية إلى الدساتير، وقنوات تشكيل الوعي الجمعي، والبرامج التربوية والتعليميّة، حتّى تظلّ حيّة في النفوس، فاعلة في الزمن الحضاري العربي القادم.