الاحتباس الحراري.. حجب الشمس ليس خيالًا علميًا

24 اغسطس 2017
الصورة
(في لندن، تصوير: بيتر ماكديارميد )
+ الخط -

مازالت حرارة الأرض تزداد بشكل مستمرّ على الرغم من كل المعارف البشرية حول المناخ وأساليب حمايته، ويحاول الباحثون بشكل مستمرّ القيام بإجراءات وتدابير من شأنها أن تحدّ من العواقب الوخيمة لذلك، لكن الطرق التي بين أيدينا اليوم لا تخلو من الثغرات.

سيتم إطلاق المركبة SUL2983 في الحادي عشر من شهر آب، أغسطس عام 2018 وهي مزوّدة بكمياتٍ كبيرة من جزيئات وأملاح الكبريت، وستقاد هذه المركبة بواسطة طيار ومهندس وظيفته السيطرة والتحكّم بجريان المهمّة، ومن المخطط أن تحلق هذه الآلة على ارتفاع تسعة عشر كيلومترا نحو الشمال الشرقي لتدخل في حلقة فوق دلتا الأمازون وتفتح عبوات الحقن، ثم تنثر حامض الكبريت في طبقات الجو العليا وتحديدًا طبقة الستراتوسفير، وستتوزّع هذه القطرات الناعمة بدورها في الجو، لتحجب أشعة الشمس، ما يؤدي لتشتيت أشعة الشمس قليلًا وإبطاء التغيير المناخي وتقليل ارتفاع حرارة الأرض - كما تم الاتفاق عليه في اتفاقية باريس 2015- إلى درجتين مئويتين، وبدون رحلات نثر أملاح حمض الكبريت المنتظمة والعالمية من الممكن أن ترتفع الحرارة إلى 3 درجات مئوية على الأقل.

هذا السيناريو ليس محورًا لرواية مستقبليةّ وإنما هو ناجم عن دراسات تعتمد على أسس علمية سبقتها بحوث وتجارب مديدة، فهو ليس خيالًا علميًا وإنما علم حقيقيّ، إذ توصّل الباحثون قبل عدة سنوات إلى استنتاجات تؤكد أن بإمكان البشر أن يكونوا فعّالين فيما يتعلق بالشؤون المناخية وبالنظام المناخي وأن يتخذوا تدابير بوسعها الحدّ من الاحتباس الحراري العالمي، وإن لم تؤخذ هذه الآراء على محمل الجد في البداية لكنها بدأت تكتسب مع الوقت زخمًا وتبدو ذات أهميّة، إذ كانت أفكار العلماء عرضة للسخرية والنقد سابقًا إلا أنه مع الوقت بدأت الآذان تصغي لهم ولما يقدّموه من آراء وتجارب.


لا بديل آخر عن الحدّ من انبعاثات غاز ثنائي أوكسيد الكربون
شكل اتفاق باريس نقطة تحوّل هامة في الخطط المناخية، إذ يهدف هذا الاتفاق إلى الحد بشكل واضح من الاحتباس الحراري وتقليصه إلى درجتين أو درجة واحدة ونصف إن أمكن ذلك بالمقارنة مع درجة حرارة الأرض قبل الثورة الصناعية، ولنقل هذا الاتفاق من الورق إلى الواقع قامت اللجنة الدولية للتغيرات المناخية بتقديم تقرير خاص وشامل حول كيفية وإمكانية إنجاح هذه الخطط، ومن المحتمل أن تبدأ الآن النقاشات حول تقنيات تدعى "الانبعاثات السلبية" أو "الهندسة الجيولوجية"، لكن هذه المرّة على نطاقٍ أوسع.

رحب الدبلوماسي الهنغاري يانوس باستور والذي عمل لفترة طويلة لبرامج المناخ في الأمم المتحدة بهذه الخطة، وقال: علينا أخيرًا أن نتكلّم على الأصعدة الاجتماعية والسياسية وأن لا يقتصر كلامنا على حقول العلم، وعلينا أن نناقش فيها فيما إذا كان طرح هذا الخيار واجبًا أم لا؟ ويقود باستور مبادرة منذ شهر يناير/كانون الثاني في المجلس الكارنيغي للأخلاق في الشؤون العالمية في نيويورك، وتشدّد هذه المبادرة على نقاش الخطط المناخية بشكل دقيق وحاسم، إذ لا يمكننا أن نخطط لمستقبل البشرية فقط وفق سيناريوهات يسير فيها كل شيء وفق ما خطط له.

يؤكد باستور أنه وبكل الأحوال لا يملك موقفًا محددًا سواء مع الهندسة المناخية أو ضدها، ولكنه يؤكد أن الإجراءات التي سيتم اتخاذها أيًا كانت لا يمكن أن تكون بأي حال من الأحوال بديلًا عن الحد من انبعاثات الغاز أو أن يتم النظر إليها بهذه الطريقة، وإنما يجب اعتبارها مجرّد إضافات وتكملة ممكنة لما يجب عمله فعلًا، وهو الحد من انبعاث الغاز وتقليل نسبته من الهواء.


هل فشلت السياسات المناخية العالمية؟
يميّز العلماء بين مجموعتين كبيرتين من التدابير المناخية، تعتمد الأولى أساسًا هو استخلاص وامتصاص غاز ثنائي أوكسيد الكربون من الجو وإخفاؤه في مكان آخر، وهذه الإجراءات تم تطبيقها فعلًا، وتقدر إحدى الدراسات الحديثة أن تطبيق هذا البرنامج عالميًا سوف يكلف في هذا القرن وحده 89 مليار دولار على الأقل، بل ومن المحتمل أن تصل التكلفة إلى أكثر من خمسمائة مليار دولار، أما المجموعة الثانية من التدابير والتي يجب أن تؤدّي إلى النتيجة نفسها، وهي محاولة تعتيم أشعة الشمس، بواسطة مرايا عملاقة على ارتفاع كبير من سطح الأرض، بغرض عكس أشعة الشمس المنبعثة نحو الأرض وتلافي عملية التسخين الحراري التي تقوم بها على سبيل المثال أو باستخدام حقن حامض الكبريت أو غيره من المواد، وفي كلا هاتين الحالتين، لا ينجو الباحثون من انتقادات توجه لهم بأن ما يحاولون فعله يقدم للدول طرقًا مريحة وذرائع تجعلهم يمتنعون عن تنفيذ اتفاقيات حماية المناخ العالمية.

يقول ستيفان شافر من معهد دراسات الاستدامة التحويلية في بوتسدام: في الماضي كان يتم النقاش حول تطبيق التدابير المناخية تحت حجة أن السياسة المناخية قد فشلت، لكن نجاح السياسة المناخية اليوم وطموحها بالوصول إلى حدود 1.5 درجة مئوية سيؤجّج النقاشات من جديد.


تأثير البركان
على الرغم من دعوة باستور لإجراء مناقشة واسعة، لا يزال الباحثون مستمرّين في النقاش حول التلاعب بالغلاف الجوي وإدخال تدابير مناخية جديدة، وقد قدموا الآن مقالتين جديدتين بهذا الصدد، الأولى حول آلية مدروسة لحقن حامض الكبريتيك في الغلاف الجوي، ويعتمد هذا الإجراء بشكل مباشر على محاكاة التأثير الذي يحدثه ثوران البراكين الهائلة، والذي بوسعه أن يجعل الأرض برمتها معتمة، إذ تميز عام 1816على سبيل المثال بلقب "عامٌ بدون صيف" في التاريخ الأوروبي والأميركي وذلك بعد اندلاع بركان تامبورا في إندونيسيا، ويعتبر العالم "بول كروتزن" من معهد ماكس بلانك للكيمياء في ماينز والحائز على جائزة نوبل من بين المؤيدين لهذا الأسلوب.


الحقيقة حول الاحتباس الحراري
يقدر أولريك نيميه وزملاؤه من معهد ماكس بلانك للأرصاد الجوية في هامبورغ –ألمانيا في مقال في مجلة "ساينس" للعلوم أن هذه الحقن الكبريتية ستتطلّب 6700 رحلة في اليوم، وقد تستمرّ الحاجة إليها مدّة تطول إلى مائة وستين عامًا، ما يعني بالأرقام أن المجتمع الدولي لا يمكن له أن يتوقّف وينسحب قبل عام 2200، ويجب على هذه الآلات توزيع ما يصل إلى ثمانية ملايين طن من الكبريت سنويًا، أي حوالي خمسة وعشرين مليون طن من حامض الكبريتيك. وتبلغ التكلفة السنوية للعمليات عشرين مليار دولار، أي ما يعادل تريليون دولار حتى العام 2100، ومن المتوقّع أن ينجح هذا البرنامج في خفض درجات الحرارة إلا أنه سيحدث عددًا من التأثيرات الخطيرة على أصعدة أخرى، فمثلًا سيؤثر البرنامج بأنماط هطول الأمطار ومن المفترض بالطبع أن يؤدّي إلى شحَ في الأمطار، ناهيك عن ازدياد حموضة المحيطات بسبب الغازات الدفيئة والتي لا يمكن الحد منها، وذلك لعدم حدوث أي تغيير في تركيز غاز ثنائي أوكسيد الكربون في الهواء.


التلاعب بالغيوم
يحاول مقال آخر في العلوم أن يقدم تصوّرًا عن تدابير من الممكن إجراؤها على الغيوم، إذ تمنع السحب العالية الرقيقة من انعكاس حرارة الأرض نحو الفضاء، ما يؤدّي إلى احتباس الحرارة ضمن الغلاف الجوي، لذلك يخطط الباحثون للحد من هذا التأثير، وللقيام بذلك، سيتعين عليهم أن يخلقوا غيومًا بأنفسهم، بحيث تكون أقرب من المعتاد إلى حد ما من سطح الأرض ومزودة بآلية خاصّة، وهنا يكون الحل للاحتباس الحراري هو محاولة تصنيع سحب صناعية تحجب أشعة الشمس وتحدّ من تسخينها للأرض.

يمكن أن يؤدي تطعيم طبقات الهواء مع ثلاثي إيوديد البزموت إلى نشوء بلورات ثلجية كبيرة نسبيا في الغيوم والتي تسقط بسرعة إلى أسفل، وبالتالي ذوبانها، ويمكن رش هذه المادة على سبيل المثال، بواسطة طائرات ذاتية الحكم بدون طيار.

يعتقد أولريكي لومان من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ في مقال له: إن "أفضل طريقة لبدء مثل هذه المهام هي أن تترك الطائرات خطوطًا متكثفة من هذه المواد خلفها، ولكن يجب تجنب هذه العملية عندما تكون الطبقات الجوية العالية شديدة الجفاف، إذ يتعذر إنشاء مثل هذه الغيوم في مثل هذه الظروف"، بالتالي يجب أن يخضع هذا البرنامج لمراقبة دقيقة ومستمرّة، إذ إن لهذه الطريقة أضرارًا أيضًا، فإساءة استخدامها وتطبيقها قد تؤدّي إلى إنتاج سحب تساهم في رفع حرارة الأرض بدل تبريدها، إي أن تزيد المشكلة سوءًا.

وردًا على سؤال ما إذا كان يوافق على مثل هذه التدخّلات في النظام المناخي، يجيب لومان دون تردد: "لا، هذا لا يمكن بأي حال من الأحوال، ما يتوجّب علينا فعله هو معالجة المشكلة من جذورها، ولكن كلما تأخرنا وطال انتظارنا زاد احتمال قدوم ذلك اليوم الذي نجد أنفسنا فيه مضطرين للهندسة المناخية".

وهذا هو الجواب الذي يتكرّر سماعه، فمعظم العلماء يودون استكشاف العواقب الخطيرة للتغير المناخي، ولكن نادرًا ما يدافع أحدهم عن التدخّل في النظام المناخي، إذ يجد كثير من العلماء أن نتائج التدخل في المناخ ستكون مروعة، إلا أنهم يجدون أنفسهم ملزمين بتجربة الطرق الأخرى والتدابير الممكنة رغم أن شكوكًا كبيرة تعتريهم حول جدواها.


القرار الصعب
إن نجاح أي واحد من تقنيات الهندسة المناخية وتطبيقاتها سابقة الذكر سوف يكون له منافع عديدة، لكن في المقابل هناك احتمالات فشل كبيرة وسلبيات أو آثار جانبية سيئة على الكفة الأخرى من الميزان، ولذلك فإن اتخاذ قرار بشأنها الآن ليس بالأمر السهل أبدًا، وحتى الآن ليس لدى العلماء سوى إجابات عامة جدًا، والكثير من التفاصيل المفتوحة على المجهول، إضافة إلى أن انعكاسات مثل هذه التدابير على كل بلد على حدة مازالت مجهولة، إذ من المتصوّر تمامًا أن برنامجّا لحقن الكبريت في طبقة الستراتوسفير قد يؤدي إلى إبطاء الرياح الموسمية في شبه القارة الهندية، ما بوسعه أن يقود مئات الملايين من الناس إلى الجوع.

يقول جانوس باستور: "إن قلقنا الكبير هو أننا ندخل في هذه التكنولوجيا في حين لا نملك هياكل صنع القرار الدولية اللازمة، فإذا قررت مجموعة من الدول، مثل جزر المحيط الهادئ أن تبدأ ببساطة ببرنامج الهندسة المناخية فإنها قد تواجه توترات دولية شديدة من المحتمل أن تنتهي بحرب، كما أن ظهور آثار سلبية لهذه التقنيات على دولة ما أيًا كانت دون الدليل العلمي على مثل هذه الآثار الجانبية من الممكن أن يتسبّب بأزمة .

يؤكد ستيفان شافر من معهد دراسات الاستدامة التحويلية في بوتسدام على أهميّة وجود هيئة مركزية لاتخاذ القرارات فيما يتعلّق بالسياسات المناخية وتنظيم خطط الحد من الاحتباس الحراري وغيرها، إلى جانب مهامها في تعويض المتضرّرين من هذه الخطط.

المساهمون